لست بعاشق

91e8fe81fad0c8328bd9cf4cea5d47ca

**

أنا لست بعاشق، ولا تلائمني هذه الوظیفة، لو أحببت فتاة فسأحب غیرها بسهولة، ولو أحبتني هي سأتساءل لماذا أنا بالذات، وسأهرب لو قالت لأني مختلف! فأنا أعرف أني لست مختلف عن أحد، سأفترض بأنها کذبت علي وأنا لا أحب الکذب لذلك أنا لست بعاشق.

لیس العشاق کاذبون بالضرورة، إنما هم حالمون، وذلك أخطر، یرون العالم مکانا جیدا للمثالیة، ویظنون أن لکل شخص فی هذا العالم آخرا یکمله، یترقبون هذا الحبیب المنتظر ويتشبثون بکل قادم علی أنه هو، حتی یخذلهم ثم ینسون ويترقبون الحبیب المنتظر مرة أخری، ذلک یدعی زهایمر العشاق وأنا لست مصابا به، لذلک أنا لست بعاشق.

إذا اتفقت مع فتاة علی موعد فغالبا سآتي متأخرا، فأنا أحب النوم وأحب أن أفطر علی مهل وأحب جلسات القهاوي الطویلة، بعد ذلك ستلومني الذاکرة وتدفعني إلی الموعد، فأختار ملابسي علی عجل وأذهب، وفي الطریق إلیها سأحب خمس فتیات أخریات، وسأترکهن سریعا لأني مستعجل، سأصل إليها وأجدها حزینة وغاضبة مني، سأعتذر لها وأقول أن الحیاة هي التي أخرتني! ستسامحني لأنها تحبني کثیرا، وحین توشك الشمس علی أن تسقط في مغیبها، ویلبس الجو خشوعا محببا إلی النفس.. یحمر خدها.. وتقول “أحبك”.. حینها لن أعرف ماذا أقول.. حتما لن أبادلها کلمات الغرام، لذلك سأهرب.. کما تهرب الشمس فی تلك اللحظة..

في لیالي الشتاء القارصة تلك بطانیتان ستفیان بالغرض، لا أعرف ما الممیز في صوت الحبیبة لیجعلك تظن أنه سیجلب لك الدفء؟.. نعم إنه جمیل.. لکنه لن یصمد أمام هجمات البرد علی جسدك النحیل، لذلک بطانیتان ستفیان بالغرض، فنجان قهوة، ثم صوت الحبیبة إن وجد !

لن أستطیع أن أنتظرها أکثر إن تأخرت، وإن أتت مبکرا قبل الموعد فسأترکها أیضا، لن أرد علی مکالماتها منتصف اللیل، فذلك وقت النوم والأحلام الجمیلة، و عند الصباح لن أبدأ الیوم بصوتها، أخاف أن یکون یوما سیئا فأضطر أن أترکها مع آخر الیوم، أما بالنسبة للمکالمات المفاجئة المزعجة التي تقول فیها أنها ترید فقط أن تتطمئن علي.. فتلک قد تکون سببا حقیقيا لانفصالنا عن بعضنا!.

بالطبع لن أفاجئها بهدایا في لقاءاتنا أو حتى فی عید میلادها، فأنا أکره فکرة الهدایا عموما، أما بالنسبة لعید میلادي مثلا.. فأعتقد أنها مناسبة شخصیة جدا سأقضیها مع نفسي دون أي أحد آخر.. ولا أظن أن الحبیبة تمتلك إمتیازا عن الآخرین فی هذا الموضوع.

حین تکون حزینة فمن الأفضل ألا أقترب منها، فأنا أعتقد أن الحزن شعور جمیل وصافي ومهم جدا لیعیشه الإنسان لوحده، ثم أنه ربما أکون فرحانا! حینها لن أحاول مشارکتها أحزانها فتلك ستکون أنانیة منها إن أرادت مني ذلك، وأما عندما أکون أنا حزین، فبالتأکید لن أحاول تعکیر فرحة أحد.

ثم إني أمل من الأحادیث الطویلة مع أي شخص کان، حتی لو کانت لأسباب مهمة، و أمل من سؤال “کیف حالك” لأن الناس یکذبون فی إجابته، وسؤال “هل تحبني”.. والثرثرة حول أحوال الطقس وصیحات الموضة وقوائم الأغاني المفضلة، ثم إني لا أملك أغاني مفضلة، فأنا أستمع إليهم جمیعا.

إذا حصل وهطل المطر بینما نحن نمشي فی الشارع، فذلك یعني أن المطر قد هطل! ولا یعني أن مسرحا رومانسیا قد فتح خشبته لنا وقال أذهلونا بعروض العشق.. لن نمسک بأیادي بعضنا لنتفادی الریح، لن ندندن بأي أغنیة ولن نرقص علی إیقاع القطرات.. حتی لا نبدو مجانین، نعم ربما أعطیك معطفي لیقیك زخات الماء.. ولکن ذلك لا یعني أن ترمقیني بتلك النظرة، أو أن تتکوم دمعة في طرف عینك ثم تقولین هامسة “أحبك”.. حینها سآخذ معطفي فورا، وقد أدعك تکملین الطریق وحدك!.

إذا مررنا جوار بستان فإیاك أن تقطفي منه وردة لتهدیها لي، فورود البساتین آمنة مستقرة، و العشاق من یأتون لیقلقوها ویخربوا استقرارها، فإذا قطفتي واحدة فذلك یعني تعد واضح علی الحیاة النباتیة، وعلی حق الوردة في أن تعیش عمرا أطول. وعلی حق النحلة التی تمتص من الوردة الرحیق في کل صباح، وعلی حق الأوکسجین الذي نتنفسه، سینقص بمقدار هذه الوردة، وعلی حق الفراشة التي سیخیب أملها حین لا تجد الوردة في مکانها، ربما ستبکي وتهز جناحیها بعنف، لینتج عنهما دمارا في أقصی أنحاء العالم!.. ما ذنب العالم إذا؟!

إذا کنا في مطعم وأتاك النادل بقائمة الأطعمة، فاختاري ما شئت ولا تنظري لي، لیس شرطا أن تتشابه قائمة أکلاتنا المفضلة، من الطبیعي أن تختلف الأذواق، والحب هنا لیس استثناء!، بالنسبة لسلة الورود الموضوعة في منتصف الطاولة، فهي هنا فقط للزینة، ولیس لتنظري لها منتظرة أن أهدیك منها وردة، ثم إنها ورودها صناعیة، هل تحبین الورود الصناعیة؟! .. وعندما تأتي فناجین القهوة.. فهذا يعني وقت الصمت، حینها لا تحاولي أن تفتحي موضوعا للکلام، وإن کان لابد فتذکري بأني لست بعاشق ولا تلائمني هذه الوظیفة.

لیل العاشقین طویل، أما أنا فلیلي عادي جدا، لا أعد فیه النجوم ولا أحاول حتی، فهي کثیرة جدا، أستمع فیه إلی الأغاني الكئيبة، ولا أشرب فیه القهوة، ولا یأسرني درب التبانة بعملات الفضة المتناثرة فیه، ولا یقودني إلی بوابات السماء، ربما یأسرني صریر أبو الجندب أحیانا ویقودني إلی أزقة الأرض، ثم قبل أن أنام بلحظات لا أتذکرك.. بل أتذکر کل کوارث العالم التي قد نجوت منها مصادفة، و لا أتوقع صباحا سعیدا حتی لا یخذلني، ثم أسقط فی النوم کما یسقط الآخرون فی الحب.

بعد کل ذلک، هل یمکنك أن تتأقلمي علي؟، هل یمکنك أن تنتظري مني کلمة حب ولا تجدیها، تنتطرین وردة لن تأت، تنتظرین رقصة مؤجلة تحت المطر. هل تستطیعين انتظاري عندما آتي دوما إلی الموعد متأخرا ، أو لا آتي ، هل تستطیعین التأقلم علی الخطر الدائم الذي أنا فیه لأنك لا تستطیعین الاطمئنان علي، أو علی الخطر الدائم الذی أنت فیه حینما أنظر لفتاة أخری، فتقولین کما تعودت “ستسقط علیك السماء ویحاربك الطیبون!”.. هل تستطیعين التأقلم على کل ذلك؟؟.. أخاف من صدفة تقودنا لأن نستمع لنفس الأغنیة أو نرغب فی نفس الوجبة أو نأت للموعد وکلانا يرتدي نفس اللون، فتضحکین وتعدین ذلك انتصارا عظیما علي، ثم تقولین “أحبك” بصوت عالي !.

عن وقاص الصادق

mm
قاص من السودان صدرت له مجموعة قصصية سنة 2015 بعنوان " حضور بلون الماء" .

اترك تعليقاً