الرئيسية / احدث التدوينات / الباشمُضَوِّي

الباشمُضَوِّي

1534059d3d601666130b8ba81f0f302e

**

عرفته في المرحلة الثانوية. عندما كنت في السنة الثالثة بالتحديد. كنت حينها اقرأ بجد واجتهاد للذهاب إلى الجامعة، إلى كلية الهندسة كما آمل. أما قبلها فلم تكن عائلتي انتقلت بعد إلى امدرمان الثورة. لكن مما علمته من أبناء الحي الذين ولدوا وشَبُّوا هنا أنني لم أفوت الكثير، فمُضَوِّي كان هو مُضَوِّي نفسه لم يتغير فيه شيء.

بعد انتقالنا أيضاً لم يكن يبدو أن شيئاً مهماً سيحدث بين هذه الحارات والأزقة المتورطة في تاريخ الحنين الطويل. حتى بعد كل ما حدث لاحقاً لا يرى الكثيرون أن شيئاً يستحق مشاركة الحديث فيه مع الغرباء، أو الأصدقاء حديثي التعارف. اعتقد أن حسهم بالقابلية للتصديق المُربَّى فيهم بحليب الأحاجي من حِجُور الحبوبات كان يرفض تصديق قصة كهذه دعك من تناقلها بحرص و الاحتفاظ بها للمناسبات الخاصة وجلسات السمر. فجزء منهم كان يُكذب ما حدث ويتجاهله، رغم انه حدث أمام أعينهم مباشرة و قد رأوه كما يرى بعضهم البعض. ليس هذا و حسب بل أنهم أيضا كانوا يعرفون مُضَوِّي جيداً.

كان يسكن جوارنا. بالأصح نحن من جاوره، بثلاث شوارع من منزلنا. في منزل لم يكن مكتملاً حتى ذلك الوقت. و ربما كنت منحازاً هنا فلا احد كان يعتبر تلك الأطلال منزلاً. بالرغم من أنها تحتضن غرفتين تقعان في الوسط و متلاصقتين كأنهما تلوذان ببعضهما من العراء، بباب وحيد يفتح على الصباح مُوزَّع بينهما بالتساوي كما شبابيك الخشب الخضراء، شُبَّاكان لكل غرفة. أضف إلى ذلك مطبخ صغير جداً ملتصق بالركن الشمالي من المنزل كبيت عنكبوت، ضيق لدرجة أن من قام ببنائه وجد صعوبة في فتح شباك في حائطه فاكتفى بِطَاقَة مستديرة يتناوب الهواء والدخان الدخول والخروج منها.

و بالطبع كان للمنزل حمام، من ذلك النوع الصغير الذي لا يتسع لشخصان وقوفاً. فقط شخص واحد ليتقرفص أرضيته بجدية. لماذا شخصان بالتحديد!! لأن أهل الحي عندما تعطل سيرهم وتبلبل لدرجة مزعجة بسبب المياه الهاربة من خناق الحمام اضطروا للذهاب إلى سوق باب الله لجلب سَبَّاك انحف ما يكون، فعبد الإله سَبَّاك الحي لم يستطع دخول الحمام لضخامته، و قد نال نصيبه من السخرية تحت شجرة المعاشيين الذين تداولوه بينهم بإنصاف متعجبين من عجيزته الكبيرة التي لا تليق بسَبَّاك. رغم انه لا توجد قاعدة ضرورية تلزم السَبَّاك برشاقة القوام. و هذا بالضبط ما دفع بعم الهادي والعم بلة إلى وش المدفع من سوء حظهم، بتلاقيم العمال المشهورين ببذاءتهم الفجة خصوصاً أيام قحط السوق، ولأنهم كانوا كلما عرض عليهم احد السبَّاكين نفسه طالبوا بآخر انحف منه إلى أن صرخ بهم احد المتضجرين: ودايرنو أضعف من كده يعني دايرين تَسَلِّكُو بيهو (…). وقد أصبحت النكتة رقم واحد التي يتداولها الخلق في السوق. وللحق فقد صمدت لشهور أمام جيوش الضجر والباعوض اللذان يتناوبان على نهش ليالي أُمدُر الكئيبة.

في نهاية ذلك اليوم تم إدخالي إلى الحمام. فقد كنت انحف فتيان الحي، اللهم إلا ابراهومة “كُرَاع القُمرية” فقد كان الأنحف على الإطلاق، هزيلاً كخيط. ولأنه كان في ذلك اليوم مع والده في سوق الملح فقد أدخلت متسلحاً بأدوات عبد الإله وتعليماته التي كان يرميني بها من الخارج. وبعد ساعة من الزعيق وتنظير الجمهور الذي يضر و لا ينفع كفَّت المياه عن التدفق.

ما لا يعلمه الحاضرون أن المياه توقفت بعد اقل من نصف ساعة، فالحل كان واضحاً بالتعليمات التي اتبعتها. أما ما لم يكن واضحاً بالنسبة لي فهو كيف يمكن لشخص بالغ وعاقل الاستحمام بداخل هذا اللحد المحفور في الحائط. خصوصاً مع حركات الشخص المعتادة من فرد لليدين و انحناء للوصول إلى الأقدام. و بعد نصف ساعة قضيتها متفكراً آمنت بأن هذا القبر لن يسع إلا ميتاً، لدرجة أنني أصبحت أتجنب مصادفة مُضَوِّي لوحدي ظناً مني انه بَعَاتِي.

بينما كان الجيران القدامى اعتادوه كحدث طبيعي كالحر والناموس وانقطاع التيار الكهربائي عند نزول المطر. كنت كوافد جديد ينخرني فضول شره من الداخل ملتهماً كل أفعالي وتصرفاتي، فلفترة كنت اقتطع من يومي ساعات لأرقب منزله كديدبان مخلص. لكن لا شيء بدا غريباً هناك، بل لا شيئ يتحرك بالداخل غير القطط. كما أن موقعه بين منزلي العم بلة واحمد مفتش السكة حديد لا يسمح بأي التفاف حوله. عندها تركت امر منزله محبطاً و اتجهت اليه هو نفسه ليصيبني بحيرة أكبر. ابتداءً بالطريقة التي يمشي بها والتي يبتسم بها. كان يمشي كأنه يتدحرج ويبتسم بصرامة جندي مُنح سجارة، زاماً شفتيه بعدها بحزم الذي لا يذهب ولا يعود. أما طريقته في الكلام فهذه تحديداً لم تكن تأتي بسهولة. فلعدة شهور أنا اقسم بأمي أنني سمعته يتحدث فقط لمرة واحدة حديثاً واضحاً مع محصل الكهرباء، و عدد من المرات تحصى على أصابع اليد الواحدة كان هو حديثه المعتاد المتقطع.

في مرة من هذه المرات وبينما نجلس أنا وأصدقائي من أبناء الحي نزاحم الحشرات على لمبة الدكان، جاء وجلس بالقرب من حديثنا حارساً صمته، لم ينطق حتى بتحية لذا تصرفنا أنا والأصدقاء كأننا لم نره قط منجرفين في حديثنا عن المستقبل والمهن التي سنمتهنها أو تمتهننا، وبالتالي إلى أي الجامعات سنلتحق في العام القادم. حتى وصل الحديث بنا إلى كليات الهندسة المختلفة وأيها به العدد الأكبر من الفتيات الجميلات، لعلمنا الذي لا نعرف مصدره بأن الهندسة تفتك بالأنوثة سريعاً. وقتها قال بصوته الذي نعرفه جيداً، مضغوطاً وبه غُنَّة دائمة كأنه في منتصف تلاوة: الهندسة هي فن إيجاد الحلول. قال ذلك ونظر إلينا كأنه يحدث أناسا غيرنا لا نراهم. ثم صمت كما تحدث، فجأة. وعندما انجر حديثنا وراء فساتين البنات الملونة وضفائرهن المتسللة من تحت أغطية الرأس المتساهلة، غادرنا إلى الطريق قاصداً منزله.

بُعَيد ذلك المساء أطلقنا عليه بمزيج من الأهمية الزائفة لقب المهندس، مُضَوِّي الباشمهندس. بينما لم يرفض أبدا مناداته بهذا اللقب، بل على العكس كانت ابتسامته تتسع بكل تلك الطمأنينة الغامضة في كل مرة نناديه بالباشمهندس. فعلى الأقل تلقيبنا يحمل معنى ما مقارنة بما كان يناديه به الكبار عند نفاد صبرهم من تصرفاته: مضوي الدِلاهة.

كنت دائماً ما أفكر بأن مضوي ليس مجنوناً تماماً بالرغم من غرائبية حياته والريبة الغارق فيها شخصه حتى أذنيه، خصوصاً نظراته التي تصيب الناس بالتململ. و في مرات أكثر اعتقدت بأنه رجل فوق العادة أكثر من كونه “ما طبيعي”. وعندما كنت أراه كل صباح ينزلق من باب المنزل قاصداً الدكان احمد الله انه لم يتحول بعد لالتقاط أكياس النايلون. نظيفاً ومطمئناً إلى شيء ما كما كان دائماً. حتى تلك الأيام عندما قرر جيراننا بناء بعض الغرف الإضافية في منزلهم فامتلأ الشارع بمواد البناء التي سدت الطريق على حَمَدتُّو بائع اللبن، فأصبح مضطراً إلى إيقاف عربة الكارو عند مدخل الشارع و السير راجلاً إلى أبواب زبائنه. لكن حَمدَتُّو لم يكن الوحيد الذي غيرت طريقه تلال الرمل والطوب المرصوص بجانب السيخ، ففي يوم شاهدت مضوي في طريقه الدائم إلى منزله يعرج إلى أمام منزل الجيران الذي تقوم فيه أعمال البناء. اعتقدت انه تغيير طارئ- وذلك أنني أصبحت مثل البقية، أضعت فضولي تدريجياً وسط الأيام المزدحمة بالضجر حتى ظنته مات ولن يبعث. ثم اكتشفت بعدها الدرب الذي يرسمه من منزله إلى الشارع المشغول بأعمال البناء، أثر يكاد لا يرى أثناء النهار بسبب زحام المارة، لكنه في آخر اليوم يمسي مطبوعاً بإصرار على الأرض و يظل طوال الليل خفيفاً يطفو على الطريق كدرب النمل الدؤوب.

في الأيام التالية قررت نفض التراب عن فضولي وخرجت باحثاً عن الأثر. وقد وجدته ازداد عمقاً في الأرض، بالتأكيد كان يمشي ويجيء طوال الليالي السابقة. ولأتأكد كَمُنتُ للنملة بحيث لا تراني بينما كان قادماً كعادته يتدحرج ككرة الثلج، مطمئناً ونظيفاً. لا ليس نظيفاً تماماً هذا اليوم. كما انه خرج دون أن يغلق الباب على غير عادته، ثم توغل في الشارع المزدحم بالمواد وعندما حاذاها التقط بعض الطوب، ملأ جيبه الواسع بالرمل و قفل عائداً باتجاه منزله.

كان ليبدو الأمر طبيعياً تماماً طالما انه صادر عن مُضَوِّي. فبدلاً عن الأكياس بدأ في التقاط الحجارة، هكذا قلت لنفسي. مسكين هذا الوحيد، أيامه الهادئة على وشك أن تنتهي. لكن ما حدث بعد تلك الأيام التي مرت ثقيلة المزاج بامتحانات الشهادة السودانية لم يكن عادياً. كان مثيرا للدهشة بالنسبة إلي، ولاستغراب أهل الحي الذي تحول إلى استنكار واضح.

فعبر حائط منزله القصير شاهد الناس لأول مرة غرفة ثالثة نبتت من الأرض كجبل. غرفة ظهرت من اللامكان فجأة لتواجه الغرفتين القديمتين وتجعلهما تبدوان ككوم الزبل الجاف.

ولأن الجميع كان يعرف إمكانيات مضوي المادية والعقلية- فهو مفلس تقريباً ولا يملك إلا هذا البيت الذي ورثه عن والده الذي اختفى في الجنوب، و إيراد مخزن بالكاد يسد احتياجاته بالتسوق من الخضرجي والبقال بمعاملة ومودة خاصتين، ففي النهاية كان هو ابن الحي كله و يتيماً لا عائل له. لذا ازداد استغراب الناس. ومُضَوِّي لا يقول شيئاً لأي احد كان، سواء بالأسئلة المباشرة من كبار الحي أو نظرات الاستفهام الموارب منِّا. حتى سئمه أهل الحي و لسانه الذي لا ينطق إلا برد التحية فاستبدلوا أسئلتهم المتضورة بلا مبالاة الموتى وانتظارهم. بينما مُضَوِّي لم يتغير فيه شيء، هو مُضَوِّي نفسه، بالنظرة المطمئنة والملابس المتسخة، يتدحرج من منزله كل صباح باتجاه السوق ليقضي حاجته قبل أن يعود إلى منزله الغير مكتمل بحمام ضيق، مطبخ صغير جداً، غرفتين متلاصقتين، وغرفة ثالثة تتسلق الهواء يوماً بعد يوم.

 

 

 

 

عن الفاتح طه

mm
قاص من السودان

تعليق واحد

أضف تعليقاً