الرئيسية / احدث التدوينات / الحرية والأدب

الحرية والأدب

aaeaaqaaaaaaaaizaaaajdq2njjmy2m5ltdmn2qtnddiys05mtzkltg1nti4mjg4zwjinw

قبل ما يقارب العام كنت مخصصاً فترة من الوقت لقراءة الأعمال الأدبية المنجزة بواسطة أدباء من نيجيريا وفي واحدة من المرات هممت بقراءة عمل روائي مترجم إلي العربية، لكنني اضطررت للتوقف بعد أول صفحتين فقط من تقديم المترجمة والتي أوضحت أنها قامت بحذف الكثير من المشاهد الجنسية التي لا تتلاءم والقراء في العربية. شعرت حينها بحنق واستياء من هذا الفعل الذي يبين حجم الشرخ في الوعي الذي يعتري الكثير من الفاعلين الثقافيين من كتاب، مترجمين، وقراء. ففي حالة المترجمة هذه فهي تمارس نوع من الوصاية والرقابة علي الأدب بالإضافة إلي عدم إدراكها لماهية فعل الترجمة. فهو محبوس عندها في “النقل” من لغة إلى أخرى . وهي، أي الترجمة ، متجاوزة لذلك بمعنى أنها الرغبة في الانفتاح على ثقافة الآخر المختلف عنا ومعرفته . وما الأدب غير المغايرة والاختلاف؟

إن الكثيرين يأتون إلي العمل الفني وهم محملين بموروثهم الثقافي والديني وحتى الأيديولوجي متعاملين معه بفكرة الصواب والخطأ ، مسقطين أنفسهم وتصوراتهم وحمولتهم الثقافية عليه ويحاكمونه من هذا المنطلق . في حين أنه وفي لحظة التلقي الأدبي – والتلقي هنا بمعني اعتبار النص كحدث يقوم القارئ بإعادة خلقه وبعثه للحياة لحظة التعاطي معه – ينبغي أن تسقط كل هذه الأشياء لنتمكن من الغوص عميقاً في عوالم الشخصيات، نستشعر ألمها، نفرح ونحزن معها، نؤمن ونصلي مع بعضها ونكفر ونهرطق مع أخرى غير آسفين على شيء ؛ فالأدب هو الحقل الوحيد الذي يعرض الإنسان في كل تمظهراته . وفي لحظة القراءة تنتفي كل تلك التصنيفات علي شاكلة أدب واقعي ، عبثي، فنتازي، إيروتكي . فقط نكون إما في مواجهة نص جيد أو سيء . فلندع الحرية لأنفسنا في التلقي حتى نستكشف هذه العوالم، بالأحرى نكونها .

إن وجود ممارسات من نوع الرقابة والوصائية والأحكام الجاهزة والتعامل مع الفن ومحاكمته أخلاقياً استطاعت تكوين سُلطة رمزية تحاول جاهدة تقيد حرية الكُتاب وتضع لهم حدوداً لما يمكن تناوله ومعالجته. هذه السلطة الرمزية يتم تعزيزها بممارسات قمعية علي شاكلة التعرض للمبدعين ومنع أعمالهم من النشر، بل يصل الأمر إلي الاعتقال والقتل . وهذا الأمر كان موضوع نقاش أحدي المجموعات في فعالية “يوم القراءة” الأخيرة والتي تقام مزامنة مع اليوم العالمي للكتاب في الساحة الخضراء بوسط العاصمة الخرطوم، انصب التركيز حول حرية الكاتب في النشر، والتضييق الذي يلقاه من السلطة. هو موضوع مهم ومؤرق بالتأكيد لكن مداخلتي ركزت علي نوع من الحرية هو أهم وسابق لعملية النشر؛ النشر الذي أصبح عملية ليست ذات عائق كبير مع وجود بدائل متاحة بالإضافة لهذا الفضاء الالكتروني الشاسع. الحرية التي تكلمت عنها هي المتعلقة بمسألة الحرية الذاتية التي يجب أن يتمتع بها الفنان في لحظة الخلق الإبداعي، اللحظة التي هو إلهها بكل ما يعنيه ذلك. تلك الحرية دائماً ما تختزل في الجزء المتعلق بالمعتقدات الدينية والمواضيع الجنسية، واللذين هما جزء يسير من الحرية المطلوبة ؛ الحرية المتمثلة بالقدرة على التخيل، والتحرر من الذائقة الجمعية والتجريب الكتابي علي كافة الأصعدة للإتيان بالجديد وتجاوز السائد وكسر جمود العادي.  بما يمكن للفنان أن ينجزه.  حتى في الجزء المتعلق بتناول الموروث الديني والانشغال عليه وهنا يجب ذكر بعض الأمثلة التي أبدعت في هذا الفعل كالشاعر خالد حسن عثمان صاحب ديوان “تماثيل” والذي يبدأ بفاتحة عجيبة يقشعر لها الجسد تقول :

” كأنما الأرض بها نوبة

والعارفون يحلون في الثمر المجذوب إلى نارها اليائسة

قلت لمن يظنون في الناس أولياء فوق حد الحياة

إن القبور قوارب مقلوبة علي اليابسة “

 

فإن لم يكن لهذا الخيال الجامع من أين كان لنا بهذا التشبيه/الاستعارة البديعة: “إن القبور قوارب مقلوبة علي اليابسة”. وفيما يخص الاشتغال الهائل علي الموروث الديني ففي نفس الديوان هناك قصيدة “إبليس العاشق” والتي عالجت فكرة هبوط أدم إلى الأرض وقدمت رؤية فلسفية عميقة لموقف إبليس في الامتناع عن السجود. أيضا هنالك الشاعر هاشم يوسف وديوانه “جدول الوصايا” الذي يحوي فتوحات عظيمة علي امتداد القصائد .

وأيضاً لا ننسي كتاب الحج لرانير ماريا ريلكه والذي تدور فكرته حول ذلك الراهب المعتكف في كهفه، يقوم بقراءة الكتاب المقدس ومن ثمة يكتب قصائده علي شكل محاورات بينه وبين نفسه، الإله، المسيح.

 

وفي ذات السياق كان سارتر يقول عن مواطنه فرانسوا مورياك أنه كاتب جيد لكنه ليس فنان لأنه يسمح لإيمانه الديني بكبح شخصياته والتحكم بها.

هذا فيما يتعلق بالجزء الديني، أما الجزء الجنسي/الإيروتكي فيكفي ذكر ماريو فارغاس يوسا وروايته “امتداح الخالة”.

إن أي فعل إبداعي هو فعل مركب بمعني أنه فعل جمالي/معرفي؛ الشِق الجمالي يتعلق بنظرة الفنان ورؤيته للأشياء والذي يشتمل علي حرية الخلق . أما الشِق المعرفي فيتمثل في صقل هذه النظرة الجمالية بالاطلاع علي منتوج الآخر والنفاذ إلي مكنونه ومن ثمة تكوين رؤية عن طرائقه في التفكير والإبداع وهنا لابد من حرية التلقي .

وفي النهاية وكما قال ميخائيل نعيمة في كتابه الغربال: ” من كل المسارح التي تتقلب عليها الحياة، ليس كالأدب مسرحاً يظهر عليه الإنسان في كل مظاهره الروحية والجسدية” .

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

تعليق واحد

اترك تعليقاً