الرئيسية / احدث التدوينات / الرؤية الوجودية والقيم

الرؤية الوجودية والقيم

inaf_20151029221808739

**

لو أردنا أن نضع مشكلة للإنسان عبر العصور ، فإننا لن نتردد في القول بأنها مشكلة تدينه ، على الأقل استنادا على كونه لطالما كان متدينا ، و هنا سيرى الحداثي العلماني بأن تقريرا هذا يعني أن : مشكلته أنه متدين ، بينما يراها المتدين بأنها في تركه لتدينه ، و بين هذا و ذاك ، نرى بكل وضوح تجاذبات حاصلة على طول تاريخ البشرية ، بين تدينه و عدمه ، لنثبت فعلا بأن مشكلة الإنسان في تدينه !

و لو شئنا أن نصوغ المشكلة من زاوية نظر معينة ، لقلنا بأن مشكلة الإنسان هي سحب النزعة المادية للإنسان من تجريد الدين ، و من النتائج الضمنية لهذا السحب أو الصراع ، تصور علاقة الإله و الإنسان بأنها محض علاقة تفاعلية بينهما ، تفاعل لا بالمعنى الوجداني بل بالمعنى الأحداثي ، تتجلى هذه الصيغة التفاعلية في الديانات الوضعية للقبائل المتخلفة المنتشرة حول العالم ، في صورة رجل يتقرب بقربانه للإله ، خوفا من غضبه الذي يفضي إلى فساد معيشته ، و هو كما يلاحظ القراءة الكريم : تصور دهراني صرف ، و هذه الصورة المنحطة بالذات هي التي يحاول العلمانيون محاربتها ، بدعوى “محاربة الخرافات الدينية” ، و لكن الأكثر انحطاطا هي أن تعمم هذه الصورة المنحطة على كل مستويات التدين

يمكننا القول بأنه لا معنى لهذه التصور التفاعلي للدين ، فنحن بجعلنا لعلاقة الإله بالمتدين صورة تفاعلية داروينية ، فإننا نفرغ الدين من معناه السامي ، و بالتالي نجعله معنى يفتقد للقيمة ، و بالتالي استحال أن يكون له قيمة ، و بالتالي استحال أن يكون له أثر في أي عمل كان يأتيه الإنسان ، ثم لم يكن قادرا على اخراج القيمة ، لأن المنحط لا يخرج منه القيمة

من هنا و هناك تتحول علاقة المتدين بإلهه من علاقة عبادة إلى علاقة منفعية (براغماتية) محضة ، و بالتالي انعدم كونه مصدرا للقيمة ، و إذا ألحق بها التصور العلماني للوجود ، لم يعد هنالك حاجة للألوهية ، فكان الأمر مصوغا لإعلان موت الإله !

فإذا ، بقاء المعنى اللاهوتي كقيمة عليا يستلزم التعامل مع الألوهية بشكل يفوق الشكل التفاعلي ، أي إلى شكل تواصلي ، الشكل الذي يكون فيه العبد عبدا للإله لأنه إله ، لا لأنه عنده حاجة نقضيها منه ! فإذا كان الأمر كذلك ، اقتضى على هذا أن يكون الإله المصدر الأعلى للقيمة

و نحن لو نظرنا إلى النزعة التعبدية للإنسان ، لوجدناه ينزع إلى عبادة الكامل ، و بما أن القيمة تحتل مركزا جوهريا في ثقافته ، فإنه لابد أن يكون مصدرا لهذه القيم ، من حيث أنه أنه الكامل ، الذي – على الأقل – لا كامل بعده….

بهذا الشكل نكون قد قمنا بمحاولة بسيطة لإعادة الألوهية إلى مركزيتها ، إلا أننا لو اكتفينا بهذا القدر ، فإننا سنقع في إشكالية أخرى قد تنقض كل ما بنيناه ، ألا و هي إشكالية مرتبة الدين و علاقته بالقيمية ، فنحن نرى اليوم بأن الفكر الحداثي قد ميع الدين إلى الحد الذي جعله لا يكاد يساوي شيئا ، بحجة أن الأهم هو الإيمان بالله … مع أن الدين في أصله هو إيمان بإله بذاته و صفاته (أي تتفرع من هذه الفكرة بقية صورة الدين) ، و الاختلاف بين الأديان تكون في تقرير كل دين لتصوره اللاهوتي ، و بالتالي زالت أهمية تصور الألوهية بالمطلق ! … من هنا لا يصير هنالك فارق بين باطل و حق بالنسبة للدين ، و بالتالي يفقد كل أثره ، و بالتالي يفقد كل أهمية له

و قد يمكن ملاحظة هذا الأمر في دعوى “التسامح بين الأديان” المعاصرة ، التي بدل أن تكون أرضية للحوار قصد الوصول إلى الحق ، تحولت إلى مجرد دعوى للحوار قصد الوصول إلى صيغة توافقية للتعايش ! و بالتالي أصبح التعايش أهم من الحق ، إن لم نقل أن الحق لا يعد بالنسبة إلى هذا الحوار أي أهمية ، و هذه هي النتيجة المنطقية لتفضيل الدنيا على الدين !

و قد يقول قائل بأن تفضيل الدين على الدنيا سيؤدي حتما إلى العصبية الدينية ، قلنا بأنه باعتبار أن العصبية في الأصل هي عنصر دنيوي منحط و ليس ديني ، فإن معيار صحة الدين هو مدى نبذه للعصبية (سواء أكان متشخصا أو في شكله المجرد) ، ثم إن الدين ليس مجرد تصور لاهوتي ، بل هو أكثر من ذلك ، فهو تصور أيضا لعلاقة المتدين بإلهه ، و بالجملة هو تصور علاقة الخالق و المخلوق (بالنسبة للأديان التي تؤمن بالخالق) …

و على هذا فإن تصور كيفية سيرورة الحياة الدنيا هي جزء من الدين ، و من هنا نرى جانبا أخر لكون الدين مصدرا قيميا أول ، بل لو نظرنا إلى الوجود (من الكينونة إلى الوجود) لوجدنا بأن الدين هو أصل كل قيمة للإنسان …

يقتضي على هذا التسليم ، أن يكون الوجود مصدرا ثانيا للقيمة ، ما دام لم ينفصل في تصوره عن الإله (كما أثبتنا سابقا) …

و لنا في التصور الإسلامي أقوى مثال ، لأنه يستند على أقوى تصور لاهوتي ، بل يمكن القول بأنه الأكمل تصورا ، التصور الذي ينص على أن الله سبحانه و تعالى ليس كمثله شيء ، و هو الخالق . يقتضي على هذا أن يكون فوق الزمان و المكان … و لما كان الله فوق الزمان و المكان ، كان من البديهي أن يكون المستقبل من علم الله وحده (بما في ذلك أحداث الآخرة ، باعتبار عقبى الآخرة للدنيا) … و لما كانت الملائكة مخلوقات غيبية ، كانت متزمنة و لكن على مقتضى وقوع عقولنا في طائلة الزمان و المكان ، و كان اليوم عند الملائكة بألف سنة مما نعد ، استحال أن ندرك الملائكة عقلا … ثم لما كان الوجود المادي و التاريخي وجودا عينيا ، و كانت سيروته واقعة تحت طائلة السببية ، و كان تلازم السبب للمُسبَب سر ممتنع عن العقل ، ناهيك عن سر كينونته ، كان تقلب هذا العالم المادي في الزمان سر يدل على أن هذا العالم بيد الله …….. إلخ من الغيبيات ، التي من حيث كونها غيب ، استحال التعامل معها عقلا ، بل لا يكون ذلك (أي التعامل معها) إلا بالتسليم لها ، و هذا من مقتضى التواصل الذي تحدثنا عنه في أول المقال

و لما كان الغيب مستحيل التعامل معه عقليا ، استحال تجزئته لأن العقل بطبعه تجزيئي ، و لما كانت الحياة من العينيات المتقلبة في الزمان ، كان دوام الحال فيها من المحال ، فلا يبقى ثابتا إلا الغيب الممتنع عن العقل ، و لما كان الأمر كذلك ، اقتضى على هذا أمران : أن لا تكون الغاية من الحياة هي الحياة ، بل هو الغيب … ثانيا ، أن يكون الغيب هو المصدر الأليق الوحيد للقيم …

إن افتراض أن الغيب يتجزأ بجانب كونه مصدرا أول للقيم ، يؤدي إلى افتراض تعدد الآلهة ، كما قد يتخيل العقل الطفولي المتسائل عن غاية وجود الملائكة ، فيظن أن وجودها علامة نقص في ذات الله –و العياذ بالله- ! … مع أن كون وجود المَلَك من حيث هو مَلكٌ –و لا يعصي لله أمرا- ، و له تلك القوة النوعية ، فهو علامة قوة الله … فغاية وجود الملك إذا ليس لضعف في ذاته –كما يظن المبطلون المتشبهة- ، بل لغاية أن يدرك الإنسان قوة الله فيه ، فتكون هذه الدلالة مصدرا قيما عظيما له ، تتمثل في التسليم لله ، كما تسلم الملائكة لله بالمطلق ، خاصة أن حياة الإنسان بالأساس كائنة بقوة الله …

تلك القوة المنقطعة النظير ، التي تتجلى في إخبار الله للإنسان عن طريق الوحي ، عن أخبار يوم القيامة و الحساب و النار و الجنة ووو … و سائر غيبيات المستقبل ، لعله يتعظ و يتقي … و ما التقوى إلا كمال قيمي …

فإذا ، التفصيل في أخبار الغيب في كتاب الله ، كان لغاية التبليغ القيمي ، و من هذه القيم المهمة جدا قيمة : التسليم ، التي تفيض من  تصديق أخبار الغيب دون النزوع إلى تجزيئها . فكأنما الإخبار بالغيب هنا الذي يتقبل بالتسليم ، يعيد تشكيل عقل المسلم وفق قيم إسلامية أصيلة

فعلى سبيل المثال : التصديق بوجود ملائكة تدبر في خلق الله ، بحيث يكون لكل منه مهمته الخاصة ، و ملائكة تعبد الله ، و لا تعصي لله أمرا ، كأنما هي تشكل عقل المسلم على عبادة الله بالشعيرة و التدبير في خلق الله على حد سواء ، و التدبير يكون بالتخصص و التكامل ، و في كل ذلك لا يجب أن يُعصى الله …

كأنما الإخبار عن نعيم الجنان و عذاب النيران ، يشكل عقل المسلم على أن خيرات الحياة الدنيا (و التي هي نسبية بالنسبة إلى خيرات الجنان) ، انما هي خيرات تحمل فيها بوادر الموانع ، فعلى المسلم أن يأخذ منها ما يكفيه ، أي بالقدر الذي لا يوصله إلى مستوى الموانع ، التي ان دخل فيها هلك في الدنيا و الآخرة … فالدنيا دنيا موانع ، و ما وجدت الموانع إلا للتذكير بأن هذه الدنيا ليست مستقرا له ….

و هكذا يتضح بأن الغيب لما يكون ممتنعا عن التجزيء العقلي ، يصبح مصدرا للقيم ، هذا ناهيك عن كون أن هذا الامتناع عن التجزيء للغيب يجعله محفوظا -و لنا في الجدالات الفلسفية و الكلامية خير دليل على الأثر السلبي لتجزيء الغيب بالعقل- ، و بالتالي يظل مصدر القيم الأول و الأخير

و ليس هذا فحسب ، فحفظ الغيب عن التجزيء يحفظ معنى الحياة ، لأن حفظ الغيب من تقلبات الحياة الدنيا يجعل للأخيرة معنى في غايتها التي تتجاوزها نحو الغيب ، و التي لا تتمثل في أخبار الآخرة فحسب ، بل يتعدى الأمر كذلك ليصبح أن غاية الحياة هي رضا الله في منتهى المطاف

و لو أردنا طرح مثال آخر يوضح أثر الإخبار عن الغيب في الحياة الاجتماعية ، فسنذكر جدلية الشيطان و النفس الأمارة بالسوء ، و الفطرة و فتح الله ، فالإنسان واقع بين طرقي نقيض ، يختار بينهما ، فإذا اختار أن ينسى غاية حياته ، وقع في غياهب الغفلة و بالتالي يغرق في الدنيا و طاعة الشيطان فيكون مستبعدا لهما ، أو تكتمل حريته بتذكره لغاية حياته ، فيعبد الله… و عليه فإن الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته واقع تحت الاختبار

كذلك الأمر مع الاستعمار الثقافي الذي يمارسه علينا الغربي اليوم ، فإما أن ننسى شخصيتنا الأصيلة ، فنقع في شراك عبودية التبعية للغرب ، خاصة أن ثقافة الغرب لا دينية ! أو نتذكر شخصيتنا الأصيلة التي جوهرها ديني (غايته من الوجود) فتكتمل حريتنا ، كخلفاء لله فوق الأرض …

ملخص الحديث

إن الإنسان متدين بطبعه ، و هو في ذلك واقع في اختبار جذب النزعة لنفسه من تدينها ، كاختبار له حاضر في كل لحظة من لحظات وجوده (أو كينونته) في هذه الحياة الدنيا ، فإذا نسي و غفل سحبته المادية نحو اللادين ، فهلك دنيا و آخرة ، أو يتذكر فيعبد فيفلح دنيا و آخرة … و على مقتضى هذا الاختبار ، إما أن يفلح فيه فتعتدل بذلك قيمه لزوما ، أو يخسر فتعوج قيمه ، حتى تكاد تندثر بالجملة مع اندثار تدينه …

و الله أعلم

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

تعليق واحد

أضف تعليقاً