الرئيسية / احدث التدوينات / العلمانية والتحرر والإباحية الجنسية !

العلمانية والتحرر والإباحية الجنسية !

8eb59943308a040a1018c4bb0f6c9c85

**

قد يبدو العنوان غريباً وصادماً لأول وهلةٍ ؛ وذلك نسبةً للاختلاف الكبيرِ بين هذه المفاهيم الثلاثةِ والتي لكل واحدٍ منها تعريفه ومدلولاته وحقل الاشتغال الخاصِ به, وبرغم أنها قد تتقاطع في بعض الأحيانِ لكن يظل التمايز هو السمة العامة المفرقة بينها. وما دفعني لكتابة هذا المقال ووضع عنوانه بهذه الصورة هو عدد كبير جداً من النقاشات التي وجدت نفسي متورطاً فيها – هنا في العالم الافتراضي أو هنالك في العالم الواقعي – والتي في الغالب ما تنتهي بتحيز كل من الطرفين لرأيه، خصوصاً إذا كان هذين الطرفين مختلفين فكرياً ولا ينطلقان من نفس المُنطلقات المعرفية، وفي العادة يحاول كل واحدٍ منهما إلغاء الآخر ومن ثم الانتصار لرأيه دون أدنى محاولةٍ لخلق أرضية مشتركة يمكن أن تؤدي في النهاية إلى تبني خلاصاتٍ واضحةٍ ومنطقيةٍ عن الموضوع المطروح للنقاش، فليس من الضروري أن ينتهي كل نقاشٍ باتفاق جميع الأطراف على رؤيةٍ واحدةٍ!، فالسمة المميزة لكل النقاشات والسّجالات المعرفية هي الاختلاف، وهذا الاختلاف هو العامل المحفزُ الأساسي لتقدم المعرفة الإنسانية عن طريق النقد والتجاوز، ولكن لابد من توفر الحد الأدنى من القبول بالنسبة للطرفين حتى يتمكنا من خوض نقاش حقيقي يُسهم بفعالية في تطوير المعرفة وترقيتها، وهذا لا يتم إلا بامتلاك كلاً من الطرفين لمعرفة كافية بالموضوع المطروح للنقاش بالإضافة لتمكنهما من آداب وفنون النقاش والحوار مع الإلمام الكافي بالخلفية الفكرية لكل منهما. لكن للأسف دائماً ما يتحول النقاش إلى صراعٍ والحوار إلى جدلٍ وينتهيان بالتخاصم والشقاق والرفض!، وذلك لعدم إتقان الكثيرين لآداب الحوار والنقاش بالإضافة للضعف المعرفي والتعصب الفكري والتحيز التام لوجهات النظر الذاتية والمسبقة, والتي لم تنتج عن تحصيل معرفي حقيقي وإنما تم تبنيها من البيئة المحيطة هكذا دون نقدٍ أو تمحيصٍ!، فلذلك لابد من هدم نمط التفكير السائد وتحطيم بنية الوعي المألوفة ومن ثم بناء وعي جديد وتشكيل أنماطٍ مغايرةٍ للتفكير تكون ذات فاعلية نقدية وحرية فكرية بالإضافة لقدرتها على تقبل الآخر مع احترام حقه في الاختلاف .

لكي نستطيع فك الالتباس بين المفاهيم الثلاثة أعلاه لابد من إعطاء تعريف لها، ومن ثم توضيح الأبعاد المعقدة التي تنطوي عليها هذه المفاهيم، فحتى تتمكن من فهم مفهوم ما وإدراكه لابد ان تصل لتعريفٍ محددٍ له وهذا التعريف لابد ان يعطي صورة شاملة عن هذا المفهوم لكي يزيل الالتباس عنه ويضعه في سياقه المعرفي الطبيعي، فكل ما هو غير مُعرّف هو غير مدرك بالضرورة. ومما فاقم حدة الأزمة وزاد من شدة الصراع حول هذه المفاهيم هو نشأتها في مجتمعات لها فلسفتها ومعرفتها وتاريخها وصراعاتها المختلفة والمتقدمة عن مجتمعاتنا نحن الذين نعيش في العالم الثالث والمجتمعات المسلمة خصوصا، ولذلك لابد من فهم السياقات المعرفية التي أنتجت هذه المفاهيم بكل مكوناتها الفلسفية والعلمية وحتى الاجتماعية، فالكثيرين يرفضون هذه المفاهيم لا لشيء إلا لأنها نشأت في مجتمعات غير مجتمعاتنا! وهم يفترضون أن تلك المجتمعات لا تشابهنا لذلك علينا أن لا نقتدي بها ولا نتمثل معارفها!، ناسين تماما أن الإنسان هو الإنسان في كل مكان في العالم وفي أي زمان، بشعوره وفكره وأحاسيسه ووجوده المميز وصراعه الدائم مع الطبيعة من أجل تطويعها لخدمته ومع أخيه الإنسان من أجل إخضاعه والسيطرة عليه!.

تعتبر العلمانية من أكثر المفاهيم إثارةً للجدلِ في الدول التي تحكمها دساتير ذات خلفية دينية وخصوصاً الإسلامية منها؛ وذلك لأن فهم الكثيرين للعلمانية يتمثل في رفضها للدين ومحاربتها له!، وقد تم استنتاج هذا التصور بصورة خاطئة من تاريخ الثورة الأوربية التي لم تفهم كما يجب، فالمتأمل لتاريخ الثورة الأوربية يجد أنها خضعت لتَمرحُلات متعددةٍ، فهي قد امتدت لأكثر من ثلاثمائة سنةٍ من الصراع والقتال والسجالات المعرفية، وتمخضت عنها ثورةٌ معرفيةٌ وتكنولوجيةٌ كبرى نعيش نحن الآن في ظل نعيم منجزاتها بالكامل. فالرافض لمنجزات هذه الثورة رافض لكل ما هو إنساني وتقدمي، وما زال يفكر بعقلية القرون الوسطى لو لم تكن عقلية العصر الحجري!، وذلك لسبب بسيط وهو أن كل هذا المنجز هو منجز إنساني، من حق كل شعوب العالم أن تتبناه وتستفيد منه فهو قد ابتدأ عندها وانتهى هنالك، ولأنه لا يمكن لكل المجتمعات المتخلفة أن تكرر نفس التجربة وتخوض نفس الصراع حتى يصلوا لنفس النتيجة لأن هذا هو العبث بعينه. وهنالك تناقض يقع فيه الكثير من الرافضين لمنجزات الثورة الأوربية حيث أنهم يقبلون المنجزات التكنولوجية التصنيعية ويرفضون المنجزات المعرفية الإنسانية المتمثلة في النظريات الفلسفية والعلوم الإنسانية!، وذلك بحجة أن لديهم ما يغنيهم عنها!، ولكننا لم نرى أي نتائج ملموسة لهذا الاستغناء سوى المزيد من التخلف والمزيد من النكبات والانتكاسات على كافة الأصعدة. فحتى الآن لم يتمكنوا من بناء دولة ديمقراطية حقيقية لديها دستور أساسه المواطنة والحقوق والواجبات ويحكمها قانون عادل منصف لا ينطوي على تميز عرقي أو اثني أو ديني، وتمتلك مؤسسات اقتصادية منتجة وفعالة، ولديها مؤسسات خدمية منضبطة وذات كفاءة عالية، ويعيش في مجتمعها إنسان حقيقي محترم ومقدر وذو كرامة مصانة ووجود محفوظ من الضياع والهدر، فكل المجتمعات التي رفضت منجزات الثورة الأوربية فشلت في بناء دول مثل التي هناك, وذلك لاعتقادهم بأن ما عندهم من معرفة ودين يمكن أن تبني دولة!، ولكنهم لا يستمرون إلا في إنتاج الفشل تلو الفشل، فالمعرفة – أي معرفة – مالم تكن معرفة ذات أسسٍ فلسفيةٍ سليمةٍ، تنتجها عقولٌ ذات كفاءة تفكيرٍ عاليةٍ جداً، ليتم توظيفها بشكل فعال لخدمة مجتمعاتها فلا يعول عليها، ولن ينتج منها إلا الجهل المركب كما هو حادث عندنا حاليا. والدين – أي دين – ما لم يتحول إلى علاقة رأسية بين العابد ومعبوده لا يتدخل فيها أحد ولا تتدخل هي في أحد، بحيث يمارس هذا الشخص كافة طقوسه الدينية بكامل حريته دون إجبار أو إرهاب، ودون أن تحاول أي جماعة استغلال هذا الدين في تحقيق مصالحها الشخصية كالوصول إلى السلطة عن طريق ترويج شعارات دينية زائفة أو إشاعة هوس ديني بغيض في المجتمع فلا يعول عليه، لأنه سيتحول لأداة سيطرة وإخضاع يستغلها الأقوياء ضد الضعفاء ليقهروهم بها. ومن هنا برزت الضرورة الملحة لتطبيق العلمانية، والعلمانية في أبسط تعريفاتها وأشملها تعني حيادية الدولة تجاه الأديان، أي أن الدولة لا تتبنى دين معين بحيث يصير هو مصدر التشريع، وإنما يتم وضع دستور إنساني يقوم على أساس المواطنة الحقيقية التي تتمثل في الحقوق والواجبات، ويحميها قانونٌ منصفٌ وعادلٌ لا يكون فيه أدنى تميزٍ عرقيٍ أو اثني أو دينيٍ، فكل مواطني هذه الدولة متساوون أمام القانون، فلا حصانات ولا حظوات ولا تفضيل، وبالتالي يتمتع جميع المواطنون بحرية ممارسة شعائرهم الدينية والتعبدية دون إساءة أو تمييز أو إرهاب، فليس هنالك سلطةٌ لأحد تخوله منع آخر من هذا الحق، وإنما هو حقٌ مكفولٌ بحماية القانون، وعليه فإن الشخص المعين والذي ينتمي للدين المعين هو الذي يحدد إذا كان يريد ممارسة طقوسه الدينية أم لا، وأيضا يمكن لهذا الشخص وبمنتهى السهولة أن يترك الدين المعين الذي كان يعتنقه ومن ثم يعتنق دين آخر أو حتى يصبح لا ديني أو ملحد دون أي ضرر أو عقوبة تلحق به، وهذا على عكس ما يحدث في الدول التي نجد فيها دساتير ذات خلفية دينية أو تشريعات مستمدة من ديانة محددة، وهي الدول التي يمكن أن نطلق عليها مجازاً الدول الدينية، والتي تلحق عقوبات قد تصل حد الإعدام بمن يغيرون ديانتهم أو يصبحون لا دينين أو ملحدين، وقد يعاقب حتى أولئك الذي يحملون أفكاراً يرفضها المجتمع ولا تتسق من المنظومة الفكرية للفئة الحاكمة!، وفي الدول العلمانية تتجلى الحرية الدينية في أبهى تَمظُهراتِها، فلا محاكم تفتيش ولا عقوبات على ترك تمثل النمط الديني أو حتى تبني ديانات أخرى، فالفرد هو الذي يحدد إذا كان يريد أن يؤمن أو لا دون أن يتخوف من رفض المجتمع له أو أن تقع عليه عقوبة قانونية من قبل السلطة، وبهذا نلاحظ أن العلمانية مفهوم سياسي – قانوني يتعلق بشكل أساسي بالفصل بين السلطتين الدينية والتشريعية مما يضمن عدم التمييز بين المواطنين على أساس ديني، مع ضمان حقهم الكامل في التدين أو عدمه، ويتضح تماما أن العلمانية لا دخل لها بتبني المواطنين لأي شكل من أشكال القيم الأخلاقية، فهم الذين يحددون المنظومة الأخلاقية التي يريدون الانتماء إليها والحياة وفقا لها دون وصايةٍ أو تدخلٍ من أحد، والقانون في الدول العلمانية لا يوقع العقوبات إلا على من يعتدي على الآخرين ويلحق الأذى بهم، وهو فوق الجميع، فلا تمييز ولا تحيز ولا حصانات.

ارتبط مفهوم التحرر في أذهان الكثير من المؤمنين بعقائد محددة أو المنتمين لديانات معينة بالتفسخ والانحلال!، لذلك هم يرفضون العلمانية لأنها بحسب اعتقادهم تدعو للتحرر ومحاربة الدين!، والدين بالنسبة إليهم هو المصدر الأول للأخلاق الفاضلة والسلوك القويم. وهذا بالطبع من الاعتقادات الخاطئة تماماً، فكما تم التوضيح أعلاه فأن العلمانية لا تعدو كونها مفهوما سياسيا – قانونيا ينص على وضع دستور إنساني بدون خلفية دينية محددة يكفل لكل المواطنين المساواة أمام القانون، وأما التحرر فلا يعني أبداً التجرد من الأخلاق والقيم الإنسانية، وإنما يعني بشكل كبير التخلص من بنية التفكير السائدة والتي نتجت عن عاداتٍ وتقاليد مبنيةٍ على تصوراتٍ خرافيةٍ وتتركز بشكل كامل على بنية وعي أسطوري تم تناقلها من جيل إلى جيل دون نقدها وفحصها وتمحيصها، وأصبحت مع مرور الوقت من ثوابت الحياة التي لا تقبل الشك ولا التفنيد، والتي أسهمت بشكل كبير في تأخر المجتمعات التي تتبناها وأدت إلى جمودها وانغلاقها، ومن ثم يتم استبدالها برؤية علمية موضوعية، قائمة على أساس تجريبي برهاني، وخاضعة للاشتراطات المنطقية للمعرفة الإنسانية، والتي على أساسها تم بناء مجتمعات متقدمة، وبهذا الشكل فإن التحرر من المفاهيم الإيجابية التي يجب تبنيها وتمثلها من قبل الأفراد الذين يعيشون في دول متخلفة، وذلك حتى يتمكنوا من النهضة بمجتمعاتهم ودولهم ويتخلصوا من كل المعوقات والمثبطات التي تحد من قدراتهم، فالركون للمعرفة السائدة والتفكير من خلال بنية الوعي التي أنتجتها لن يؤدي إلى تقدم، فستظل المجتمعات التي تفكر بهذه الطريقة أسيرةً للجهل والتخلف، ولن تدرك ركب الحضارة والتقدم أبدا. وعليه فلابد من إشاعة المعرفة العلمية الحقيقية بين أفراد هذه المجتمعات، وذلك عن طريق بناء مؤسسات تعليمية فاعلة تقوم بتدريس مناهج تعليمية مواكبة ومتطورة وتعمل بها كوادر مؤهلة بشكل علمي حقيقي ومهيأة تماما لأداء مهامها بأفضل صورة ممكنة، وذلك لضمان تكوين أفراد يحملون معرفة علمية حقيقة ولديهم عقليات خلاقة ومبدعة، ويستطيعون مجابهة كل المشكلات التي تواجههم وبالتالي يتمكنون من وضع الحلول الناجعة لها. فالتحرر هو مناط التقدم والدافع إليه، وهو المحفز للشعوب على التطور وهو الذي يمكنها من تجاوز نقصها وقصورها ومن ثم انطلاقها نحو المستقبل بأقصى سرعة.

ينظر الكثير جداً من الأفراد الذين يعيشون في دول تحتوي على مجتمعاتٍ متدينة أو عقائدية للمجتمعات الموجودة في الدول العلمانية على أساس أنها مجتمعاتٍ إباحيةٍ يعيش أفرادها نوع من المشاعية الجنسية دون روابطٍ أو قيودٍ!، وذلك لاعتقادهم بخلو هذه المجتمعات من النظم الأخلاقية والدينية مما أدى إلى تحولهم لقطيعٍ من الحيوانات التي تمارس الجنس وقتما تشاء وأينما تشاء! مع أن الحيوانات نفسها لا تعيش بهذه الطريقة ناهيك عن أفراد تلك المجتمعات المتقدمة، وهنا يتضح لنا تماما مدى الخلط المفاهيمي الرهيب الحادث عند هؤلاء، فالعلمانية لا تعني محاربة الدين ولا تعني أيضا عدم الأخلاق، فالدين ليس هو المصدر الوحيد للأخلاق، لأن الأخلاق سابقة على الدين والدين أتى بعدها وتبناها، كما وأن التحرر لا يعني التفسخ والانحلال، وكل ما يتصورنه هم عن الإباحية التي يعيشها أولئك ليس إلا محض تصورٍ خياليٍ لا أساس له من الصحة، فالكبت الجنسي الذي يعيشه هؤلاء في مجتمعاتهم المتخلفة يصور لهم أن الممارسة الجنسية بضوابط وشروط مختلفة عن تلك التي يتبنونها عبارة عن إباحية، فالاختلاف هنا هو اختلاف لفهم هذه الغريزة وشكل ممارستها، فالمجتمعات المتقدمة تخلصت من مفاهيم بالية كالعذرية والشرف واستبدلتها بالمسؤولية الذاتية والرغبة المتبادلة والرضى بين الطرفين كشرط أساسي للممارسة الجنسية، وعادة ما تكون هذه الممارسة في إطار علاقة عاطفية تجمع بين هذين الطرفين، وهم في الغالب يسمونها ممارسة الحب، وتأتي هذه العلاقة العاطفية في إطار التمهيد للارتباط الحقيقي وهو الزواج. فلو كانت تلك المجتمعات تعيش في حالة من الإباحية الجنسية كما يزعم فلم يسعون للزواج أصلاً؟!، ما الذي يدفعهم لهذا القيد طالما أنه يمكنهم إشباع غرائزهم دون اللجوء إليه؟!، وهنا مرة أخرى يتضح لنا مدى الخلل الحادث في بنية التفكير لدى أفراد المجتمعات المتخلفة، فهم لا يرون في الحضارة الغربية سوى التفسخ والانحلال، وكل شخص ينظر للآخر بحسب طريقة تفكيره، فكل ما هم محرومون منه يعتبرون أن حصول الآخر عليه يعتبر كارثة وجريمة يجب معاقبته عليها!، فهم حتى الآن لا يستطيعون استيعاب مفاهيم كالحرية والعلمانية والديمقراطية لقصور إدراكهم ومحدودية معرفتهم وعيشهم تحت الوصاية في مجتمعات يسود فيها الإرهاب والإقصاء والرفض كسمات مميزة يتم استخدامها ضد كل من تسول له نفسه كسر النمط السائد والتمرد على القطيع .

 

عن محمد عمر جادين

mm
كاتب سوداني مهتم بالأدب والفكر وقضايا الإستنارة .

تعليق واحد

اترك تعليقاً