بائعة الورد

big-830859751d

  تتدثرُ بوشاحٍ خفيف في صباحٍ باكر ، حيثُ لا يزال الضبّاب يُطوّق الطُرقات

و نفحاتُ البرد تلسعُ جسدها النحيل .

 من يشتري ورداً ?

خُذ ورداً لحبيبتك

ورداً لزوجتك

ورداً لنفسك ..

 هكذا تُنادي و هي تستوقف المارة المسرعين ، بينما يحشُرون كُفوفهم في جيوب معاطفهم الطويلة ، فيتفادونها كأنهم على وشك الاصطدام بعامود كهرباء .

 تميلُ صوب نوافذ السيارات عند الإشارة و هي ترفع باقة وردٍ صغيرة ، لكن ما من أحد يرفُع نظرهُ صوبها ، و سرعان ما تُضيء الشارة الخضراء فتندلعُ السيّارات في سباقٍ محموم ، فلا يسعُها سوى أن تركض لتحتمي بالرصيف .

 تنهّدت “رين” (هذا هو اسمها ) بعد أن أنهكها السير و البرد دون جدوى .

فجلست على السور الصخريّ الذي يفصلُها عن البحر ، تاركة نسماته المالحة تعبث بشعرها الأسود الكثيف .

 كانت الشمس توشك أن تُشرق ، فتلوّن الأُفق بحُمرة خفيفة تخللتها خيوطٌ ذهبية ناعمة تلتمعُ في سطح البحر الهادئ .

 انتقت زهرة داليا بيضاء و علقتها على جانب شعرها و قالت بصوتٍ هامس “هذه اشتريتها لي فأنا أحبني” .

 ثُم عادت ببصرها للأُفق . للأمواج التي تُعانق بعضها موجةً تلو موجة ، كانت في أعماقها تقول : لكم أُحب هذه المدينة ، فقط لو أن لي فيها أحد .

 بدأت الحياة تدُب في الطُرقات ، و ازداد عددُ المارّة الصارمين .. و علت أبواقُ السيّارات ، و اشتد الضجيجُ الذي يسري في دمها .

 كانت تظنُ دائماً أن للورد مواقيت ..

 يجب أن يُقطف باكراً و يُباع باكراً و يُهدى باكراً .

 لكنها ليست قاعدة بأية حال ..

 و بينما هي تسيرُ في وسط المدينة ، بين المحلات الصغيرة التي تُعد القهوة و الفطائر المُملّحة ، و واجهات البُوتيكات التي تعرضُ الثياب التي لا يُمكنها الحصول عليها أبداً و الأكشاك المُتفرقة التي تُباع بها الجرائد و المجلّات .

 كانت ساهمة و شاردة البال عندما تناثر الوردُ من حُضنها إثر اصطدامها بشخصٍ ما .

 فانطلقت تعتذر و تجمع الورد ، و هو يقول أنا الذي يتوجب عليه أن يعتذر ، فأنا الذي كنت مُسرعاً و لم أنتبه أمامي .

و انحنى يجمعُ معها الورد .. كانت تجمعُه بصمت كأن لا حاجة لها بالاعتذار ، عندما ناولها الورد الذي جمعه ، رفعت عيناها فالتقت نظراتهُما لبُرهة ، عرفت فيها أن عيناهُ خضروان ..

 تناولتها منه و قالت : شُكراً

ثُم همت بالرحيل مُسرعة ، إلا أنه استوقفها و عندما التفتت إليه ، علق زهرة الداليا على جانب شعرها ، و قال مبتسماً : إنها تليق بك .

 ابتسمت و لم تُجب و اختفت بين الزحام .

 في آخر النهار .. كانت قد باعت بعض الورود المُتفرقة لأشخاص عابرين .

تفقدت ما معها من مال ، ثم طلبت فطيرة جُبن و جلست تأكلها بنهم .

 ضحكت ضحكة صغيرة خافتة عندما تذكرت وجه الرجل المُسن الذي كان بصُحبة زوجته ، فاشترى لها ورداً فأخذته بسعادة ..

ثم مال العجوز إلى أُذن رين و هو يقول : لعلك لا تبيعين الكثير من الورد !

– فأجابت نعم .

– حسناً دعيني أُخبرك عن السر

-ها

-لا أحد يُحب زوجته في هذه المدينة

– ولا حتى أنت ?

– ولا حتى أنا ، أنا مدين لها فقط ببعض التقدير لأنها بقيت بجانبي كثيراً  بينما لم أكن استحق ذلك .!

ثم ربت على كتفها و مضى يتأبط ذراع زوجته السعيدة و اختفيا أيضاً .

 حلّ المساء على المدينة الباردة الساحرة ..

أرضيةُ شوارعها الصخرية ، و مبانيها العتيقة و مصابيحُ الشوارع .. رائحة الجوّ كُلها كانت سبباً في افتتان “رين” بها ، لكنها قررت أخيراً أن عليها الرحيل ، فالحياة أضحت صعبة . قاسية و معقدّه بعد وفاة والدتها إثر نوبة ربوٍ شديدة .

فلا يُمكنها البقاء هنا وحيدة للأبد ..

 أحصت ما معها من مال ، زمت شفتيها و هي تقول : حسناً أظنه يكفي ثمن التذكرة .

 و من هاتف في إحدى الزوايا ، و بينما يسطع فيه ضوءٌ خافت متسرباً من حانوتٍ بعيد .

 استخرجت ورقةً مهترئة به رقم هاتف جدّها مكتوباً بخط أُمها .

 استرجعت صوتها الواهن بين نوبة سعالٍ و أخرى و هي تمد إليها الورقة و تقول:

 “لو ضاق بك الحال هنا يا صغيرتي ، تذكري أن لك عائلة و جد في مكان ما . فلا تترددي في الذهاب إليهم .. سيحبونك كثيراً . “

 أخذت “رين” تُدير الرقم بحذر و تردد ، و بعد هُنيهة أجاب عليها صوت شاب من الضفة الأخرى ، فأجابت :

– عفواً

كنتُ أود محادثة السيّد “ويندرسون” لو سمحت .

– و من تكونين آنستي ?

– رين .. رين وليام

لحظات و جاء صوته الوقور ..

– هل أنت ابنة إيما ?

– بلى أنا هي .

– أنا آسف لما حدث لها ، تعرفين بأني مُقعد .

– لا بأس يا جدي مرت سنتان على الأمر ، و لم أتصل بُغية إثارة الحديث حول ذلك .

صمتت للحظة ثم أضافت ..

-هل يُمكنني المجيء للإقامة معك ?

-هذا ما كان يجب أن يحدُث من وقت طويل .. أين أنت الآن ?

– بالقرب من محطة القطار بالمدينة .

– هناك نُزل رخيص على ما أذكر

يمكنك المبيت فيه ، و في الصباح الباكر سأرسل حفيدي كي يصحبك إلى هنا ، الرحلة طويلة و علمت أنه متواجد في مدينتك .

– حسن يا جدي .. شكراً لك .

– أنتظرك بشوق .. تصبحين على خير يا طفلتي .

و انقطع الاتصال ..

توجهت كما طلب منها جدها ، نحو النُزل ، كان متواضعاً لكنه نظيف تديره سيدة لاتينية تبدو جادة أكثر مما يجب .

طلبت “رين” الحصول على غرفة للمبيت بسريرٍ واحد و دون الحصول على وجبة .. و إنما يُمكنها احتساء الشاي عند الصباح .

دفعت ما معها و توجهت نحو  غرفتها .

كانت صغيرة جداً .. بها سرير مفروش ب ملاءة نظيفة و هناك أُخرى أكثرُ سُمكاً للغطاء ، طاولة صغيرة مع كرسي و خزانة ثياب ب بابٍ واحد .

و نافذةٌ تطل على المدينة و يمكنها أن ترى البحر في الأُفق البعيد .

 وضعت ما تبقى لها من ورد على الطاولة بعد أن أهدت السيدة اللاتينية باقةً منه .

علقّت وشاحها على المقعد ..

و أخذت تُراقب المدينة لدقائق ، استرجعت فيها كل شيء ..

الطُرقات . وجه أمها . البحر . الأيام السيئة . البرد القاسي . و الصباحات الناعمة . وجوه الناس . خوفها . كل الذي مضى و ما هو آت .

 بالكاد هي تعرف جدها ، من زيارة يتيمة في أيام طفولتها مع والدتها .

لم تكُن زيارة سعيدة فيما يبدو ، هي لا تذكر كل شيء و وجهُه بعيد جداً في ذاكرتها المتعبة .

استلقت على فراشها و استسلمت للنوم بعد ما لاقته من تعب و إجهاد خلال يومها .

استيقظت باكراً على صوت نقراتٍ طفيفة على الباب .

نهضت و طوقت كتفيها بوشاحها ، ثُم فتحت الباب ..

كانت السيدة اللاتينية ، بعد إلقاء التحية الصباحية سألتها إن كانت قد نامت جيداً ?

فأجابت رين : نعم سيدتي ، لطفٌ منك أن تسأليني .

ابتسمت السيدة ثم أعلمتها بأن ثمةُ شخصٍ بانتظارها .. ثم سألتها بود :

-هل ترغبين بشُرب الشاي معه ?

أم تُفضلين تناوله لوحدك هنا أولاً!

قالت رين شاكرة :

– أظن أنهُ من اللُطف و اللّباقة أن أتناوله معه . أمهليني دقائق و سأكون جاهزة .

– حسناً.. قالتها و أوصدت السيدة الباب خلفها بهدوء .

 نزلت “رين” الدرجات بخُطى مُثقلة ، فلم يكن من السهل عليها أن تُغادر المدينة ، كما أنها لا تعرف شيئاً عما ينتظرٌها هناك في بيت جدها .

توقفت في منتصف البهو عندما رفعت السيدة اللاتينية حاجباها مشيرةً للرجل الذي يختفي وجهه خلف جريدة يقرأُها بينما يخلفُ ساقاً فوق الأخرى .

تقدمت “رين” منه و ألقت التحية ..

ف أزاح الجريدة عن وجهه و هبّ كي يُصافحها بتهذيبٍ جم .

تسمرّت مكانها ، ف لم يكُن الحفيد سوى صاحب العينيان الخضراوان .

و هكذا أمكنها تخيّل ما بانتظارها ..

الكثير و الكثير من الورد .

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

2 تعليقات

  1. This is one awesome article.Much thanks again. Fantastic.

  2. had been a christmas day treasure for my own relative.just about all we was initially your girlfriend betterscooter.com http://adf.ly/6249830/banner/www.scamadviser.com/is-betterscooter.com-a-fake-site.html proportions.sound like a good ideal in shape.the woman was highly energized.

أضف تعليقاً