الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة : تريد أن تعرف الجهاديين؟ اقرأ أشعارهم

ترجمات خاصة : تريد أن تعرف الجهاديين؟ اقرأ أشعارهم

813638693

نص المقالة الأصلي (هنا)

**

يُتداول الشعر الجهادي الكترونيًا عبر الإنترنت ويظهر فيه ثقة كاتبيه بمقدرتهم باستعمالهم الأشكال الأدبية والأوزان واللغة المستخدمة في الشعر العربي الكلاسيكي.

 في الحادي عشر من أكتوبر/تشرين من سنة 2014 ووفقًا لحسابات تويتر التابعة للدولة الإسلامية فإن سيدة تُدعى أحلام النصر تزوجت في محكمة في منطقة الرقة في سوريا، من الجهادي أبو أسامة الغريب –النمساوي المولد- والمُقرب من قيادات الحركة. ومن النادر أن تُعلن الدولة الإسلامية عن حالات الزواج في دولتهم في مواقع التواصل الاجتماعي ولكن ولأن النصر والغريب هما ثنائي جهادي قوي في الحركة. فالغريب يعد مخضرمًا في ترويج الحروب الدعائية لصالح تنظيم القاعدة في البداية والآن لصالح تنظيم داعش، وعروسه هي من مشاهير الأدب المزدهرين والمعروفة ب “شاعرة الدولة الإسلامية”. وكان ديوانها الشعري الأول وعنوانه “أوار الحق” قد نُشر الصيف الماضي الكترونيًا وسرعان ما انتشر الديوان في شبكات المقاتلين. وكانت قصائد أحلام قد أُنشدت بالأكابلا نظرًا لتحريم داعش للآلات الموسيقية، ومن السهل إيجاد هذه الأناشيد على موقع اليوتيوب. ويتألف ديوان أوار الحق من 107 قصيدة باللغة العربية، ويضم قصائد للمجاهدين ومراثي للسجناء وأناشيدٍ للنصر بالإضافة إلى قصائد قصيرة كانت في أصلها تغريدات على موقع تويتر. ومعظم قصائد هذا الديوان مكتوبة على الطريقة العربية القديمة في الشعر وهي قصائد من عدد من الأبيات موحدة القافية والوزن. ولا يُعرف الكثير عن أحلام النصر ولكن يظهر أنها من دمشق وأنها في أوائل العشرينات من عمرها. وكانت والدتها وهي –بروفسورة سابقة في القانون – قد كتبتها عنها:” ولدت أحلام بقاموس في فمها” فقد بدأت بكتابة القصائد في مراهقتها، وفي معظمها دعمٌ لفلسطين. وفي ربيع سنة 2011 عندما اندفعت جموع المعارضين لنظام بشار الأسد وقوانينه، كانت النصر في صفوف المتظاهرين، ففي العديد من قصائدها يظهر جليًا أنها كانت شاهدةً على قمع النظام المباشر للمعارضين مما حولها لاحقًا لمتطرفة نتيجة ما رأت وعايشت.

حطم رصاصهم أدمغتنا كـ زلزال

حتى أقوى العظام تصدعت ثم تكسرت

ثقبوا حناجرنا ونثروا أجزاءنا

شابه الأمر درسًا للتشريح

كانوا يرشون الشوارع والدم ما زال يهطل

كأنه يتدفق من الغيوم

وكانت النصر قد غادرت إلى واحدة من دول الخليج ومن ثم عادت إلى سوريا السنة الماضية، وصلت إلى الرقة – العاصمة الفعلية لداعش- في أوائل الخريف. وسرعان ما أصبحت الشاعرة الرسمية وأحد مروجي الدولة الإسلامية في حربها الدعائية، لتكتب بعدها قصيدة في مدح أبو بكر البغدادي – المسمى كخليفة للدولة الإسلامية-. وفي فبراير/شباط كتبت أحلام مقالًا من ثلاثين صفحة دفاعًا عن قرار القيادة بحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيًا. وكتبت أحلام تقريرًا عن هجرتها واصفةً الخلافة كفردوس إسلامي، أنظمته غير فاسدة ورعيته يتصرفون وفق التعاليم الإسلامية. وكتبت:” في دولة الخلافة رأيت النساء يرتدين الخمار، ويعامل الجميع هنا بعضهم البعض باستقامة، كما يغلق الناس محالهم لأداء الصلاة” وأضافت: كانت انتصارات الحركة في الموصل وما جاورها من المناطق راسخة في ذاكرة المقاتلين، أما في شوارع المدينة: فإن الأطفال يلعبون بالعصي متظاهرين بأنها أسلحة سيستعملونها لقتال الكفار والزنادقة. واحتفلت النصر بالانتصار العسكري لداعش واصفةً إياه بالفجر الجديد للعراق:

 

اسألوا الموصل ولاية الإسلام عن الأسود الضاريات

الذين قاتلوا فحرروا

أرض المجد التي هزمت ذلها

وارتدت العظمة رداءً لها

 

تنتج القاعدة وداعش وغيرها من الحركات الإسلامية عددًا هائلًا من الأبيات الشعرية، والتي في غالبيتها العظمى تنتشر الكترونيًا في شبكات سرية من حسابات التواصل الاجتماعي والوكلاء الإلكترونين والمواقع البديلة التي تظهر وتختفي بسرعة مذهلة بفضل نظامي المراقبة والاختراق. وفي مواقع المتشددين على الإنترنت والمنتديات الشعرية تجرى نقاشات للتعليق على الأحداث الجارية، ومسابقات شعرية للمبارزة بين الشعراء والذين يحاولون التفوق على بعضهم البعض في مآثر تتميز بالبراعة الفائقة في مجموعات شعرية جاهزة للتحميل. (وديوان أوار الحق يحوي حواشي تفسر التراكيب اللغوية الدقيقة، والقوافي الغير معتادة).كان المحللون عامةً قد تجاهلوا هذه النصوص، كما لو أن الشعر متنوع ولكنه في نهاية المطاف مشتت بسبب أنه انتاج جهادي. وهذا خطأ إذ أنه من المستحيل فهم الجهادية وأهدافها ورسائلها لمناشدة المجاهدين وصمودها دون دراسة إنتاجها الثقافي. وقد تجلى هذا الإنتاج في صور وأشكال عدة منها: الأناشيد والافلام الوثائقية ولكن يبقى الشعر هو القلب والجوهر. وعلى العكس من مقاطع الحرق وقطع الرؤوس – المعدة أساسًا للمتلقي الخارجي- فإن الشعر يفتح نافذة داخلية على الحركة وكأن أفرادها يحدثون أنفسهم. فأحد الأبيات من هذه القصائد كان مضمونه أن على المقاتلين أن يوضحوا الحياة المتخيلة للجهاد.

“الشعر ديوان العرب” :

هي قاعدة قديمة مفادها: أن الشعر هو سجل العرب وأرشيف أحداثهم التاريخية وخلاصة آدابهم، فسلطة الشعر في الشعر في الثقافة العربية لا مثيل لها. وقبل نزول الوحي بقرون كان الشعراء الهائمين في الصحاري هم من ينظمون القصائد. هذه القصائد تتميز بكونها موحدة القافية ويُختار لها وزن من ستة عشر وزنًا معتمدًا ليجعلها يسرة الحفظ. أما الشعراء فكانوا هم المتحدثين باسم القبيلة، يحفلون بمناقب عشائرهم ويذمون أعدائهم ويأتون على ذكرى حبيباتهم الراحلات مستعيدين بذلك ذكرى حب مفقود، كما يرثون أمواتهم خصوصًا أولئك الذين قتلوا في المعارك. وقد نزل القرآن بتوبيخ لاذع لشعراء ما قبل الإسلام الغنائيين في قوله تعالى : ” وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227) ومع ذلك فقد كان من الصعب التخلص منهم، ولذا رأى محمد عليه الصلاة والسلام أنه من الأفضل التعاون معهم واستعمالهم. ولذلك فإن عددًا من الشعراء القبليين أعلنوا إسلامهم وتحولوا لصحابة للرسول يمدحونه في حياته ويرثونه بعد مماته.

كانت الثقافة العربية في فترتها الكلاسيكية _تقريبًا من القرن الثامن وحتى الثالث عشر- متمركزة في قصور الخلافة في بغداد ودمشق وقرطبة. ليصبح الشعراء بعدها يقطنون بعيدًا عن مراعي الكلأ التي سكنها من قبلهم الشعراء الغنائيون، ولتحل النصوص المكتوبة محل التأليف الشفوي الذي عاشوا من أجله في الماضي. أما الأوزان الشعرية الأساسية لم تتغير، ولا حتى الأنواع الأساسية من القصائد والتي تتضمن المديح والعتاب ورثاء الموتى فقد بقيت موجودة مع نشوء أساليب جديدة نبعت من القديمة. ففي أجواء المتعة في القصور أصبح التغني بالخمر –والذي كان عنصرًا ضئيلًا في الشعر القديم- نوعًا أدبيًا كاملاً. أما الشعراء المعاصرون الذين يكتبون بالعربية فقد قرأوا وترجموا عددًا كبيرًا من القصائد العالمية معتمدين في معظمها على الشعر الحر والشعر النثري كمعيار. وبالرغم من فقدان الصورة القديمة للقصيدة سطوتها إلى أنه ما زلت بعض القصائد خالدة، وتعد اللغة العربية في مراحلها الكلاسيكية لمتعلميها من العرب سهلةً نسبيًا للاستمتاع بها. ويحتفظ باعة الكتب المتواضعين في دمشق والقاهرة بنسخ من شعر القرون الوسطى، أما قصائد ما قبل الإسلام فإنها مقررة لطلاب المراحل الثانوية ليدرسوها.

وعلى صعيد آخر فإن الشعر القديم مازال حيًا في الأوساط الشعبية. فمن بين كل البرامج التلفزيونية الناجحة في الشرق الأوسط يظهر برنامج شاعر المليون. هذا البرنامج المصمم على طريقة البرنامج الأمريكي (أمريكان آيدول) يستقطب الهواة كل موسم من جميع أنحاء العالم العربي ليعرضوا أمام جمهور ممتدح في مسرح ضخم في أبو ظبي. ويحصل الرابح في المسابقة على ما يصل قدره إلى 1.3 مليون دولار أمريكي وهو مبلغ أعلى من ذاك في جائزة نوبل للأدب، كما يُظهر المعجبون دعمًا لافتًا،وقد حقق البرنامج العام الماضي سبعة مليون مشاهدة عالميًا. والقصائد الملقاة في البرنامج تقليدية على نحو مبالغ فيه في الشكل والمضمون، فهم يستحضرون جمال المحبوب والأرض، أو يمتدحون كرم أحد الحكام المحليين، أو يرثون أمراضًا اجتماعيةً. ووفقًا لقوانين البرنامج فإن القصائد يجب أن تكون مقفاة وموزونة، وعادةً ما تكون تعليقات لجنة التحكيم منكرةً التقنيات التي يستعملها المتنافسين. تسبب هذا البرنامج بشهرة عددٍ من الأدباء، ففي سنة 2012 اشتهرت سيدة سعودية تدعى حصة هلال وأصبحت من الشعراء المفضلين للجمهور بعد ما ألقت قصيدة في البرنامج تنتقد فيها التشدد الكهنوتي في السعودية.

خلال الربيع العربي ظهر رجل مصري يدعى هشام الجخ في أحد البرامج وألقى خلاله قصائد يدعم فيها المعارضين في ميدان التحرير، فيما بعد أصبح هشام نجمًا إعلاميًا ولتصبح قصائده فيما بعد تلقى في الميدان نفسه.

من المؤكد أن وجهات النظر والآراء المعبر عنها في أشعار الجهاديين أكثر تعطشًا للدماء من تلك في شاعر الميون،فمواضيع شعرهم تتمحور حول الشيعة،اليهود،والقوى الغربية والطائفة الند، وهي أكثر حدة وذمًا مع التهديدات بالإبداة. ومع ذلك فهو يعد جزء من هذا الفن الشعبي، وهو فن عاطفي يرتكز على الطائفة أكثر منه على الفرد. فمن السهل مثلًا أن تجد مقطع فيديو يلقي فيه الجهاديون قصيدة أو يعيدون ترديد نشيد معين أكثر من سهولة العثور على مقطع يهاجمون فيه دبابة للعدو. ويؤخذ الشعر كفن اجتماعي أكثر من كونه مهنة، ويحب ممارسوه التفاخر بمواهبهم والتقنيات التي يستعملونها.

ومن الطريف أن بعضًا من أكثر الرجال المطلوبين في العالم يحتاجون وقتًا لصياغة القصائد بشكلها الكلاسيكي من الأوزان والقافية الموحدة والتي تعد أسهل في العربية منها في الإنجليزية ولكنها تحتاج إلى بعضٍ من التدريب. وهذه القصائد مليئة بالتلميحات والإشارات والمصطلحات النفيسة والأدوات المتسمة بأسلوب مختلف في التعبير. فالقصيدة التسلسلية والتي في الحروف الأولى من سطورها المتعاقبة توضح الأسماء والعبارات هي المنتشرة بشكل خاص. و واحدة من قصائد النصر التي تعلن فيها انضمامها لداعش والتزامها معهم قائمة في معظمها على اختصار الحركة (داعش) ، وهذا اللفظ عامةً هو لفظ ازدرائي لكن النصر كانت قد تبنته في قصائدها كإشارة منها للتحدي. وبهجة المقاتلين لبراعتهم الفنية جعلتهم يأدون قصائدهم محاولة منهم لإقناعنا بكونهم شعراء حقًا، ولذلك فإنهم ينتحلون الهيئة والحالة المميزة للشعراء المعروفة في الثقافة العربية. وعلى الرغم من كل هذا الخيلاء فإن حالة من القلق تحيط بهم وتحاصرهم،فقد اختار الجهاديون أن ينأوا بأنفسهم مع عوائلهم عن المجتمع الأساسي ويبقوا في مجتمعاتهم الدينية. ومن المؤكد أن اختيارًا كهذا صعب خصوصًا في حالة الإستمرار الدائم. وللتخلص من خوفهم بعدم الشعور بالإنتماء ينصب الجهاديون أنفسهم كشعراء لهم جذور عميقة في التقاليد العربية والإسلامية.

في الغارة على المجمع السكني في آبوت اباد في شهر مايو من سنة 2011 والتي قُتل فيها أسامة بن لادن والذي كان غير متخفي حينها اكتشف كنز دفين من المراسلات السرية. وفي إحدى تلك الرسائل التي كتبها بن لادن في السادس من أغسطس ليسأل الملازم الرئيسي عن شخص يمكن ترشيحه “لقيادة عملية كبرى في أمريكا” وكان في السطور التالية قد طلب منه: إذا كان أي أحد من الإخوة حولك يعرفون بأوزان الشعر فأرجو إبلاغي،وإذا كان لديك أي من الكتب في علم العروض الكلاسيكي فأرجو إرسالها لي من فضلك. ومن بين كل الشعراء الجهاديين كان ابن لادن الأشهر،وكان يزهو بنفسه لمعرفته بهذا الفن. وفيما يخص المخيم الأول للان لادن والذي كان يسمى المأسدة (أرض الأسود) فقد استوحاه من أحد قصائد كعب بن مالك والذي كان أحد الشعراء القبليين الوثنين والذي سرعان ما أسلم وأصبح أحد صحابة النبي. وكانت براعة بن لادن البلاغية أحد أسباب جاذبية شخصيته كقائد.

واحدة من أكثر قصائد ابن لادن رمزيةً تلك التي كتبها بعد فترة من عودته لأفغانستان في سنة 1996. وتتكون هذه القصيدة من جزئين موزعة على 44 بيت، الجزء الأول مكتوب على لسان ابنه حمزة أما الجزء الثاني فهو رد الأب على ابنه. ويعند معظم الجهاديين إلى استخدام خيال الطفل وأفكاره في أشعارهم ليضفوا عليه شكلًا من البراءة والمصداقية. تبدأ القصيدة بسؤال حمزة لوالده عن سبب المشقة في حياتهم وعن تنقلهم الدائم. وهذه المقدمة البلاغية مستعارة من أحد الصنوف الأدبية الموجودة قبل الإسلام وتسمى (الرحيل)، وفيها يستحضر الشاعر صعوبات تنقلاته ويشكو المخاطر والوحشة ويقارن قطيعه بذلك العدد الكبير من حيوانات الصحراء.

لقد ارتحلت طويلًا يا أبتاه

عبر الصحاري والمدن

كانت رحلة طويلة يا أبي

عبر الوديان والجبال

طويلةً حتى نسيت عشرتي وأقربائي

وحتى البشر

ثم يتابع حمزة استنكاره لتاريخ بن لادن وعائلته: نفيهم من السعودية وبقائهم في السودان،ومن ثم طردهم لاحقًا وأخيرًا وصولهم إلى أفغانستان “حيث الرجال الشجعان هم الأشجع” فحتى هنا لا يرجو الجهاديون السلام لأمريكا “أمطروهم عاصفةً من صواريخ”( إشارة منه إلى ضربات صواريخ كروز في عملية الوصول النهائي سنة 1998)، ويختم حمزة حديثه بطلب نصيحة أبوية حكيمة.

بعدها يجيب ابن لادن ابنه بأبياتٍ بنفي الأوزان السابقة والقوافي ليضفي بذلك ليس فقط جوًا من الشكل المعروف وبل والألفة أيضًا. يخبر بن لادن حمزة ألا يتوقع أن تصبح حياتهم أسهل :”أنا آسف يا بني لكني لا أرى شيئًا في المستقبل إلا أصعب، مسارٌ أكثر حدة والمزيد من السفر والتهجير”. ثم يذكره بأنهم يعيشون في عالم يعاني فيه الأبرياء –تحديدًا المسلمون الأبرياء المهملين- “يُذبح الأطفال فيه كالخراف” “في عالمٍ اعتاد المسلمون فيه هوانهم” “شعوب مذهولةُ كالمضروب”.

أما الأبيات القاسية فتناقش أهمية الأنظمة السياسية ويتهكم ابن لادن من مواقفها فيقول: “يقتل الصهاينة إخوتنا ويعقد العرب مؤتمرات” “لماذا لا يرسلون جيوشًا لحماية المستضعفين من الأذى؟”. يعترف بن لادن بصحة شكوى ابنه حمزة في القصيدة ولكنه بوضح له بأن المشقات والنفي ضرورة ليس بسبب قسوة العالم ولكنها بشكل أعمق دلالة على الإبتلاء والإختبار.

وهذا الإعتقاد الجوهري موجود عند معظم الحركات الجهادية، حيث أنهم بهذه المشقات يصنعون نواة المسلم الحقيقة وهو مقدمة لتطبيق ما ورد في أحد الأحاديث تحت تسمية(الغرباء). والغرباء هو اسم احد أحد وسائل الإعلام الخاصة بداعش كما أنه عنوان أحد الأناشيد الجهادية المشهورة. ويعود أصل هذه التسمية إلى الحديث الشريف والمهم جدًا عند المقاتلين بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء). وتعود غربة الإسلام الأولى لاضطهاد الكفار في مكة للمسلمين الأوائل مع الرسول عليه الصلاة والسلام واضطرارهم للهجرة إلى المدينة. ويعتقد المجاهدون أن غربتهم في الأراضي الأجنبية هي النبوءة الواردة في الحديث. وفي الحقيقة فإن الجهاديين يعدون أنفسهم غرباء حتى في المناطق الإسلامية اسمًا، وأن اقصائهم عن تيار المؤمنين ما هو إلا مبرر لبرهم وصلاحهم. حوّل تركيب القصيدة الذي استعمله بن لادن العمل إلى دراما تصف محنة مشتركة، فهو يورث هنا محنة سياسيةً ونزعة أخلاقيةً. أحد مسببات القلق الدائم للجهادين هي مسألة انتقال المبادئ الثقافية عبر الأجيال المختلفة فهم محاصرون بالأعداء بمختلف أشكالهم من الدول العربية، والإسلاميين والسلطات الغربية النائية وهم في حالة فرار دائم. يعاود حمزة سؤال أبيه:” أين يمكننا أن نهرب يا ابي ومتى يمكننا الاستقرار في مكان واحد؟”. ولأن معظم الاعمال الأدبية للجهاديين موجودة على الشبكة عوضًا عن كونها مطبوعةً ومنشورة مما يصعب الإبقاء عليها متصلة على الدوام. نتيجةً لذلك وكأي مجتمع أو جماعة مشتتة فإن الجهاديين مهوسين بتسطير إنجازاتهم للأجيال القادمة. فالبنية التحتية من أعمالهم المنشورة الكترونيًا ما هي إلا مستودع من الآراء الدينية والبيانات الرسمية منتجةَ شعرًا ملفتًا للأنظار بتطوره، ومن الأمثلة على هذه الأعمال (منبر التوحيد والجهاد لأبو محمد المقدسي).

من المؤكد ومع معظم ما يعيشه الجهاديون أن معظم شعرهم هو الرثاء، فهم يرثون المقاتلين الذين سقطوا بمن فيهم الانتحاريين، وتستعمل هذه الطريقة لتذكر الأحداث الفاصلة وخلق تقويم ومذكرة خاصة بالمقاتلين. فمن وجهة نظر الجهاديين فمن الإستشهادين هم الأحجار الأساسية في تاريخ جماعتهم، فحتى ابن لادن نفسه كان قد رثى خاطفي طائرة أحداث 11 سبتمبر التسع عشر شخصًا:” احتضنوا الموت،فرسان المجد فوجدوا مستقرهم/قبضوا على الأبراج بأيدٍ من غضب/ ليفجروها بعدها كسيل”.

تعد فكرة رفض الجهاديين لنظام الولايات والدول هو المحور الأساسي لنظرياتهم السياسية، فتقسيم خريطة الدول العربية الحالي ما هو إلى تقسيم فرنسي بريطاني تم بعد الحرب العالمية الأولى وهو شعور متكرر بالمرارة. في واحدٍ من مقاطع الفيديو الخاصة بداعش يظهر الجهاديون محطمين للحدود بين العراق وسوريا وهي أحد الخطوط التي رسمت بعد اتفاقية سايكس بيكو السيئة السمعة الموقعة سنة 1916. وأما المفاطع الأخرى فتظهر عملية حرق للجوازات والهويات الوطنية. وقد وجد هؤلاء المقاتلون التقيون وطنًا لهم في المناطق التي فشلت في أن تبقى جزءً من الدولة كأفغانستان سابقًا وشرقي سوريا حاليًا. ولهذا فقد أصبحت مهمة الشعراء أن ينشروا الجغرافية السياسية الجديدة والتي ترفض الحدود التي تضعها القوات الأجنبية، والتي وبطريقتها الخاصة ستنظم مواقعًا للمقاتلين والملمين المضطهدين.

واحدة من قصائد أحلام النصر كانت قد رسمت هذه الخريطة الجديدة بطريقة تجمع بين السياسة والرؤية الكونية للجهاديين:

أرضي هي أرض الحقيقة

وأبناء الإسلام هم إخوتي

وأنا لا أفضل بعد اليوم

عرب الجنوب

عن عرب الشمال

أخي في الهند أنت أخي

كما إخوتي في البلقان

في الأحواز في الأقصى

وفي الأراضي العربية وفي الشيشان

أذا ما فلسطين بكت

أو أفغانستان استغاثت

إذا كوسفو ظُلمت

أو فطاني أو اسام ظُلمت

يمتد قلبي لهم

متلهفًا ليساعد المحتاجين

لا فرق بينهم

هذا ما علمنا الإسلام

كلنا جسد واحد

هذا هو أساس عقيدتنا الذي يسعدنا

نختلف باللون أو باللغة

لكننا نتشارك العرف ذاته

الأحواز هو الاسم العربي لإقليم السنة العرب في جنوب إيران والذين عانوا طويلًا من الإضطهاد. أما فطاني فهو إقليم أغلبيته مسلمة في تايلند الذي تمرد الملايو فيه في 1916 ليتزايد عدد المسلمين فيها منذ وقتها. وكانت النصر قد تعاطفت مع هؤلاء المسلمين الذين غابوا عن النظر جاعلةً من ذلك سمة أساسية من السمات الشخصية في أدبها.فمن بين العشرات من مرثياتها الشعرية كانت النصر قد خصصت في ديوانها أوار الحق قصيدة للمجاهدين الشيشان وأخرى للمحسنين الكويتين. هذه لحظات النشوة الأممية شائعة في أبيات الشعر الجهادي، حيث يعبر الشعراء ولو في خيالاتهم عن فرحتهم بعبور هذه الحدود الفاصلة بين الشعوب والتي هي مستحيلة في الواقع.

إن فكرة الخلافة لدى داعش والتي لم تلاحظ في أي بلد آخر حتى الآن ما هي إلا عالم خيالي يتخطى الحدود ويجعل أي شيء قابل للحصول وحتى لو كان استعادة أمجاد الماضي. في شهر مارس من سنة 2014 كانت البحرين قد أمهلت كل رعاياها المتواجدين في سوريا للقتال أسبوعين للعودة للبحرين وإلا فإنها ستجردهم من جنسياتهم. ليرد بعدها تركي بن علي أحد رعايا البحرين في داعش ومنظريها البارزين بقصيدة بعنوان “نقض الجنسية “، وهي قصيدة قصيرة يزدري فيها العائلة المالكة ويسخر من فكرة الدولة القومية. أحد أبيات قصيدة تركي كانت:( أخبروهم أن جنسيتهم تحت كعوبنا كما تتناقص ملوكيتهم). الآفاق الجديدة التي قد لاحت للجهادين تدفعهم للقول: (هل تتوقعون من العودة بعد دخولنا أرض المعارك الملحمية وبؤرة الحرب سوريا؟)

كانت القاعدة الأمامية في قصيدة بن علي بعنوان رباط هي الحاميات على حدود الدول الإسلامية بينها وبين جاراتها أسبانيا الكاثوليكية وبيزنطة الأرثوذكسية في القرون الوسطى من العصر الإسلامي. وعلى الرغم بأنه لا وجود لمعنى الرباط الحقيقي الآن إلى أن هذه الكلمة مزدهرة في القصائدة الكلاسيكية موحدة القافية في شعر الجهاديين، لأن مثل هذه المفارقات التاريخية والمصطلحات هي ما تقوم عليه ثقافة الجهاديين أصلًا. فمقاطع الفيديو الترويجية تظهر المقاتلين على ظهور الجياد بسيوفهم ورايات مكتوبة بالخط العربي متوهمين بأنهم على شاكلة الفاتحين المسلمين الأوائل، ومثل هذه الأوهام متوغلة في الشعر الجهادي. أحد من جسد هذه الطريقة المتعارف عليها في القصائد هو الأردني محمد الزهراوي المعروف باسم “شاعر القاعدة” وكان قد استعمل هذه الطريقة في قصيدة وجهت لأبومصعب الزرقاوي أول قائد للقاعدة في العراق. وكانت القصيدة موجهة لامرأة مجهولة وفيها:

أيقظتنا أغاني السيوف

وموكب الفرسان حين قال الوداع

صهيل الجياد ملئ الصحراء

ينبه أرواحنا

يشجعها ويدفعها للأمام

مجد الفرسان يسطع

بينما الذل يجلد عدونا

 

تتسم الثقافة الجهادية بأنها ثقافة رومنسية، فهي تعطي وعودًا بالمغامرة وتؤكد على أن الصلة مع رموز البطولة والفروسية في العصور الوسطى من الإسلام ما زالت قائمة. فبعد أن تخلى المتشددون عن جنسياتهم فهم بحاجة إلى اختراع أو ابتكار هويات جديدة لهم بانتسابهم لهذه الجماعة، ويحرصون على إقناع أنفسهم بأن هذه الهويات غير جديدة إطلاقًا وإنما هي هويتهم الحقيقة منذ زمن. ويلقب الفرسان الجهادين أنفسهم بأنهم وحدهم المسلمون بحق، وفي اللحظة التي هم لا يقاتلون سوى خيالاتهم فإن الرومنسية تظهر. ولا يتخيل مجندو داعش أنهم يهاجرون إلى حدود ترابية بين دولتين متفككتين ولكنهم على العكس يهاجرون لأجل خلافة تدوم لأكثر من ألف عام في التاريخ.

إن القارئ لأشعار الجهاديين بكثرة يستطيع أن يستشف وجود اللاهوت فيها بكثرة. فالمذهب الديني هو العامل الأساسي في هذه الثقافة، والكثير من اللاهوتيين الجهادين قد كتبوا الشعر. تمامًا كما كتب الشعراء من منظور أنهم يحيون التراث الشعري القديم فإن اللاهوتيين كتبوا الشعر من منظور كشفهم لمبادئ دينهم وإحيائها. وكما اللاهوتيين فإن الجهاديين إلى حد كبير عصاميين، فهم يقرأون النصوص الدينية (والتي يسهل الوصول إليها إلكترونيًا) ويترددون في قبول وجهات نظر رجال الدين السائدة، والذين يتهمهم الجهاديون بإخفاء الحقيقة خوفًا واحترامًا للطغاة السياسيين. إن الجهاديين حرفيين وقد وعدوا بجرف كل القرون السابقة من التمسك الشديد بالتعاليم التقليدية، وبوضع المؤمنين على الطريق الصحيح لتعاليمهم الدينية. وتشبه عناصر هذا السيناريو تلك التي في الإصلاح البروتستانتي والتي تتضمن: محو الأمية الجماعي، وإضفاء الطابع الديمقراطي على السلطة الدينية، والحرفية المنهجية. وفي مثل هذه الظروف فإن أي شخص قد يثبت أطروحاته على باب المسجد.

ومن بين المبادئ التي يحاول المقاتلون استعادتها من رجال الدين هو مبدأ الجهاد نفسه، فلطالما الجهاد بالسلاح من التقاليد الإسلامية أو التعاليم ولكنه لم يكن في صميم معنى أن تكون مسلمًا، وبحلول العشرينيات فإن عددًا من الفقهاء اعتبروا أن الجهاد لا يعدوا عن كونه أثرًا قديمًا. وهذا ما عده الجهاديون خيانةً ومسببًا لتراجع العالم الإسلامي، فهم يؤمنون بأن بدأ الجهاد أصلٌ في هوية المسلم، واجب أخلاقي وضرورة سياسية. ولهذا فإن واحدًا من أشد أشكال هذه النظرية إلحاحًا هي القصائد.

واحدة من هذه القصائد هي (Epistle to the Scolders) كتبها عيسى سعد الوشلان. كانت القصيدة قد نشرت سنة 2004 في مجموعة شعرية بعنوان “مختارات المجد”، هي مجموعة من القصائد كتبها مقاتل سعودي كان يخطط بنقل الجهاد الدولي للمملكة بمهاجمة أهداف غربية محلية ومجمعات سكنية تابعة لشركات النفط. في نهاية المطاف أوقفت الدولة هذا الهجوم، وكان من بقي على قيد الحياة من أعضاء المجموعة قد توجه إلى اليمن، ليعاود بعدها الظهور كتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.وكان الوشلان يعمل في ترويج الحروب الدعائية الجهادية وفي تحرير مجلة، وقد ظهر اسمه في قائمة أهم المطلوبين للمملكة وقد قتل في الرياض خلال تبادلٍ لإطلاق النار.

وكان الوشلان قد قدم قصيدته (Epistle) بملاحظة قال فيها بعد ظهور الإعلان عن أسماء المطلوبين: “بعضٌ إخوتي وأصدقائي عاتبوني متمنين أني لم أسلك هذا الطريق، طريق الجهاد ضد الكفار بسبب أنه مليء بالصعوبات”. والمعاتب هو شكلُ أخر من الأشكال الأدبية الموجودة في القصائد القديمة. ففي قصائد ما قبل الإسلام كان الشاعر يلقب نفسه بالعاشق المقاتل القوي والمضياف السخي والكريم بلا حدود، ليظهر بعدها صوت المعاتب الشعبي كصوت الأنا العليا ليذكر الشاعر بواجباته تجاه القبيلة. كتب الباحث أندريس هامروني عن صوت المعاتب قائلًا: “كانت مهمته منع بطل القصيدة من هذا السخاء البطولي”. كان الصوت المعاتب في قصيدة الوشلان هو صوت المسلمين المتظاهرين بالتقوى الغير مقتنعين بشرعية الجهاد والقلقين من المتشددين كونهم عرضوا مجتمعاتهم للخطر. ويشرح الوشلان أن سبب كتابته لقصيدته (epistle) هو “توضيح الطريق الذي اختاره وسبب متابعته فيه”. القصيدة التالية هي اعتذار للجهاد وتبدأ بـ :

دعوني أوضح كل ما التبس بالحقيقة

وأزيل كل تشوش عن ذهن كل من سأل

دعوني أقول للعالم ومن خلفه واسمعوني:

إني أقول الحق بلا تلعثم

زمن الخنوع للكفار فد انقضى

أولئك الذين يذيقوننا كأس المرارة

وإني لا أرجو أموالًا ولا حياة رغيدة

لكني أسأل الله مغفرته وتشريفه

لله الذي أخشاه

وليس لعصابة من المجرمين

لاحقته بسرعة وخفة

تسألني خائفًا

أهذا طريق الحق؟ طريق الصواب؟

أهو طريق الرسول؟

 

وعادةً ما يتميز الشعر الجهادي بالمعاتبين الذين ينصحون ويحذرون، وبشكل ضمني يباركون الوضع الراهن. وهم يتحدثون لغة رجال الدين الهادئة وبسلطة أبوية. في أحد القصائد يكتبها أحد الشهداء من قبره مخبرًا والدته ان لا تبكي عليه وألا تسأل عن حكمه، ويقول في أحد الأبيات:” أماه تركت دمي خلفي أثرًا للجنان”. وللمعاتب في الشعر أغراض عديدة : فهو يسمح للشاعر بإظهار معرفته بالتراث الأدبي ويسمح له بكتابة قصيدة قديمة كما يرغب. كما تعمل كخلفية مضادة يشكو فيها الشاعر وحدته ويطرح بطولاته، وفي حالة التشكيك في جدوى الجهاد فإن صوت المعاتب يسمح للشاعر بجعل مناقب الجهاد أكثر وضوحًا.

إعلان الشخص عقيدته علنًا هو أمر أساسي في الأخلاقيات الجهادية. فعندما تكون بقية العالم ضدك، وحتى إخوتك في الدين كذلك فإنه وقت التحدث عن حقيقة انضمامك للجهاد مقسمًا بالولاء للأمير في القاعدة وللخلفية في داعش، وهذا في حقيقته اختبارٌ للشجاعة. وقصيدة (Epistle) مليئة بأفعال الإعلان والبيان. وكان الوشلان قد كتب بعد إدانته للغزو الأمريكي للعراق في سنة 2003 :

 

أعلنت بأنه لا راحة بعد اليوم

حتى تضرب سيوفنا العدو فتؤذيه

شحذت رشاشي بتصميم المجاهد

وتابعت مسيري بقلب متحمس

راغبًا بواحدةً من اثنتين

الشهادة

أو الخلاص من سلطة الإستبداد

 

وبالنسبة للجهاديين فإن الشعر هو شكل من أشكال البيان الرسمي ، أو من الشهادة، وحتى لو كان لا جائزة لحدة الذهن وشدة الملاحظة. إن مهمة الشاعر تكمن في بدء دفاع واضح وصريح عن ما يؤمن به ضد كل المشككين في بيته أو في الخارج. ويجب عليه أن يتجرأ على ذكر الحقيقة التي يخفيها والداه ومن هم أكبر منه. في قصيدة أخرى من قصائد المجموعة الشعرية مختارات المجد ، بُدأت القصيدة بعتاب صوتي على الطريق التقليدية ” اصمتوا! فالكلمات للأبطال،وكلمات الأبطال أفعال”. وبإحاطة الشاعر بالمشككين فإنه ينصب نفسه كفارس للكلمات ولنقل شهيد قيد التكوين.

بعد وصولها إلى الرقة العام الماضي كانت داعش قد أخذت أحلام النصر في جولة كالمشاهير. وقد كتبت تقريرًا مطولًا إلى أخواتها عما رأته هناك ليتم نشره عبر إعلام داعش. وخلال جولتها في شوارع الرقة كانت أحلام قد لاحظت بأن الأكشاك ملأة بالخضار الطازجة، كما شاهدت رجلًا يناصح آخر بأن يلتزم بشرع الرسول ويترك التدخين. وقد سُمح لها أن تطبخ للمقاتلين مما أشعرها بمتعة كبيرة حيث قالت:”كل شيء يجب أن يكون نظيف ورائع. لقد بقيت أردد لنفسي هذا الطعام سيأكله المجاهدون وهذه الصحون سيستعملها المجاهدون”. كما كانت أحلام قد أًخذت لمتجر أسلحة حيث عُلمت هناك كيف تجمع وتفكك كل من البواريد الأمريكية والروسية الصنع. وكتبت: “كل هذا حدث في سوريا يا أخواتي وأمام عيناي!”.

وترى النصر الخلافة كمدينة فاضلة ليس فقط بسبب أنها المكان الذي يتصرف فيه المسلمونكما يفترض بهم، ولكن لأنها تراها بداية جديدة. لمعظم المراقبين فإن الرقة تحت حكم داعش ما هي إلا مجتمع شمولي جامد، على العكس بالنسبة للنصر فهي ترى المجندين على الجبهة حيث كل شيء قابل للتفاوض ليس فقط الحدود السياسية ولكن حتى الهويات الشخصية. ويعد لعب النصر دورًا في حركة جهادية غير مألوف للعامة، لكن داعش كانت قد اعتمدت نقطة وضع النساء في الخطوط الأمامية في حربها الدعائية الترويجية. وكانت داعش قد أنشأت شرطة أخلاقية نسائية، مجموعة مظللة تسمى لواء الخنساء، ومهمته ضمان تطبيق الأخلاقيات الصحيحة في القرى التي أنشاتها داعش. وعلى رغم بأن حسابات الإعلام الداعشية تعامل المجندات النساء على أنهن ساذجات وللإستعباد الجنسي، إلا أنه لم ينجح أي تنظيم إسلامي آخر بجذب النساء كما نجحت داعش.

في آخر عدد من دابق وهي مجلة لداعش باللغة الإنجليزية شجعت إحدى الكاتبات الإناث النساء على الهجرة إلى أرض الولاية الإسلامية وحتى لو كان بدون صحبة رجل والذي يعد انتهاكًا عظيمًا للقانون الإسلامي. وقد يكون هذا حيلة وخدعة مفضوحة للإغراء بالهرب، ولكنها تبقى في هجوم الجهاديين على السلطة الأبوية وتأكيدها على التمكين الفردي، والمتضمنة لإعطاء الإناث القوة لنبذ عوائلهم إذا لم يظهروا كمسلمين أصليين وحقيقين.

إن الحداثة المتطرفة لمجتمع داعش تشكل طباقًا عجيبًا للوعي الذاتي المهجور لهذه الثقافة،من حيث هوس النقاء و الحقيقة الدينية المدفونة والشكل الكلاسيكي للأدب، و لواء الخنساء هو مثال ملحوظ. فالخنساء كانت شاعرة في عصر ما قبل الإسلام، لتسلم بعدها وتصبح من صحابة الرسول، وليصبح رثاؤها لمن يقربها من الرجال مرتكزًا في هذا النوع من الشعر.وعلى الرغم من أن الاسم المقترح له جذور عميقة في الماضي إلا أن الفكرة لم تكن موجودة في العصر الإسلامي البتة، ولا ما يعادلها في أي مكان من العالم العربي. ولا يرى المقاتلون أي تناقض بالطبع فهم يعدون خلفيتهم مبعوثًا من نقاء الماضي وصدقه. كانت أحلام النصر في مذكراتها عن الرقة عاصمة داعش قد وصفتها بأنها أرض كل المعجزات، وأنها مدينة حيث يذهب المؤمنون ليولدوا بالإيمان الأصلي القديم. وقد كتبت :” في أرض الخلافة الكثير من الأشياء التي لم نعايشها أو نجربها سوى في كتب التاريخ خاصتنا”.

 

 

 

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .

2 تعليقان

  1. Najlepszy blog jaki znalazlem w sieci. Chodzi o esperal warszawa.
    Sprawdz i przeczytaj wszystko o wszywce alkoholowej: zobacz

اترك تعليقاً