رسالة

26a46c550ae4eeae98d6f9374ab1777c

إلى ابني المستقبلي :

أنا هنا أبوك أكلمك من الماضي، أما بعد..

لا ادري ..اعتقد أن عمرك الآن اثنا عشر عاماً أو اقل، أتمنى أن لا تكون في السودان لأنني قطعت على نفسي عهداً بان لا أضيف إليك تعاسة مع إنجابك إلى هذه الدنيا.. إنني مدرك تماماً لفداحة المسؤولية التي وضعت نفسي فيها باختياري لامك.. لكن، صدقني .. كانت أجمل وأذكى الممكنات في ذلك الوقت، كما أننا قد تورطنا في الحب، إن المسؤولية محدودة دائماً بالمقدرة والمعرفة.. ولا معرفة أو مقدرة لي مع حبها ذاك .. آسف حقاً في حال لم تعجبك ..

ماذا كنت أقول؟! .. أتمنى انك الآن سعيد!..

أرجوك لا تقل لي انك لا تتحدث العربية؟!..

أنا الآن أعاني فضولا شديداً حد الحكة لمعرفة ماذا تفعل وكيف يبدوا العالم حولك .. كما افترض انك تشعر بالمثل تجاهي في آني القديم هذا .. اليوم قص علي أبي انه عندما كان صغيراً جداً، حضرت لبيتهم امرأة من الأعراب لتمكث عندهم بعد أن أنجبت طفلة وأسمتها “حكومة” .. فعلت ذلك لأنها كانت ممتنة شديد الامتنان لمستشفى حكومي في الخرطوم وضعت فيه لأول مرة!، مكثوا عندهم مدة لم تكف فيها الطفلة عن البكاء والصراخ، في احد الأيام اخذ أبي وابن عمه يسكبان الرمال في فم الرضيعة، حاولا إغلاق مصدر الإزعاج وكادت أن تختنق إلا أن إسعاف جدتي لها حال دون موتها، أتت الأم العربية إليهما وقالت: “اصِلا قبيحة تدوها ريحة؟”، أتصدق أن جدك كاد أن يقتل “الحكومة”؟

آمل أن تكون قد ماتت حتى وقتكم هذا..

ماذا تفعل؟ هيا اخبرني؟ .. إلى أي مدرسة تذهب؟ هل هي ممتعة وبها أصدقاء رائعون؟

هل أنت مشترك بنادي روبوتات؟ هل ترسم؟ هل أهداك عمك طابعة ثلاثية الأبعاد في عيد ميلادك؟ هل تصطاد السمك وتخيم في العراء وتلعب كرة القدم؟ هل تحب الرياضيات والفيزياء؟ هل تأخذ دروساً على البيانو؟ أتمنى أن تكون قد أتقنت مقطوعة الأكمام الخضراء لموتزارت.. إنها تذكرني بك واشم فيها رائحة زهور الفانيلا البرية.. هل تنمر عليك احد الحمقى ذو الأصول السلوفاكية وأوسعته ضرباً أمام أطفال العالم؟ .. لا أحبذ العنف .. لكنه أحيانا خيار أفضل .. لن اكذب عليك، أنا لم أكن بكل هذه الشجاعة.. لكن ما معنى التطوير إن لم تكن أنت أفضل مني؟ ما معنى أن لا تمتلك إمكانيات أفضل؟ فرصاً اكبر؟ وذلك العالم الكبير صار صغيراً بين كفيك اليافعتين؟

ما معنى جهود وآمال وتضحيات الماضي إن لم تتغلب أنت على قصور أسلافك أمام نفسك و العالم؟!

هناك الكثير أود إخبارك به عن الماضي .. لا لسبب غير أن أؤكد لك بأنه لا يوجد ما يهم هنا حقاً.. إن الآن خالٍ تماماً من الجدوى.. لقد تغلبت على مصاعب جمة لأظل حياً فقط كي أنجبك بأنانية .. العالم يا بني يعيش الآن عصراً من التفاهة غير المبررة.. التراث الإنساني ينهار منقسماً ومتفتتاً إلى كتل جليدية ضخمة، ثم تأتي العولمة لتلتهم ما تبقى بكل شراهة .. إن أسوأ ما في هذا العالم هو المال، لقد كان ومازال وسيلة قذرة لتركيع الشعوب..أتمنى أن يكون قد وُجد بديل أفضل في أيامكم هذه..

لا ادري .. ربما يكون كل هذا مخاض عالم جديد شجاع وجريء وربما هو إحباط النهايات ..

لا تسيء فهم كلامي عن الماضي.. لا اقصد إرباكك، هن الكثير من الأشياء الرائعة تواسينا في أيامنا هذه .. كل ما في الأمر أن الحاضر عاجز عن احتواء ذواتنا المتضخمة بالآمال والإمكانيات.. وكل هذا يحدث لأننا نتعامل معه ببلاهة ولامبالاة ولا مسؤولية .. الناس هنا في الشرق الأوسط يعانون رغبة مريضة للفناء .. إنهم يكرهون الدنيا و يرغبون بالموت للوصول إلى الجنة المريحة والمليئة بأنهار اللبن والعسل والكسل .. أرجوك لا تكن مثلهم .. لا تصدق أن الماضي أفضل .. لا تخف من الغد.. لا تفرِّط في لحظة حية .. احتفل بالحياة، وافتح مسام الحواس لله والحب والحقيقة .. احتفي بالحياة .. اغتنم كل السعادة وابتسم في وجه الآلام.. وقبّل فتيات المستقبل الفاتنات .. آمن بك وبالفرصة التي جعلتك هنا.. كن حراً بُني.. كن حراً مسئولا محباً شجاعاً فريداً حكيماً..

كن أنا كما أريد أن أكونك .. فنحن حلقة تمسك بأيدينا في رقصة أزلية .. لا نعرف من بدأها .. مَن أول يد؟ .. لكن صاحبها حتماً كانت تلمع عيناه بضوء نجم قديم ..

 

محبُك ..

 

عن محمد التجاني الطاهر

mm
قاص من السودان يحب كل ما يلمع، يجمع حٓب الحُب والفن وقطع الادب، يحملها الى عشه القصي، انها الان عقدٌ بهي من الحياة.. انها الحياة..

اترك تعليقاً