زفرات الأرض

61510

**

أومأ برأسه موافقاً على واقعه المرير وقد دفعه تحطم آماله إلى أن ينسى شهادته الجامعية ، رجلاه تقودانه إلى هاوية البطالة . أخيراً قرر أن يواجه الأمر فأجبر يديه على جّر كرسيه مُسنداً إيَّاه على عامود الكهرباء وقد جعل واجهته سياج شجيرات الحناء ثم أرخى جسمه ملقيا بهمومه قبله إلى الكرسي ، هكذا كان يمضي يومه عادة لكن زميل الدراسة الغائب منذ مدة مرّ عليه مفاجئاً إياه وبعد جلسة أٌنس وتسامر ربما نشّطت بعض من خلايا الأمل النائم ولامست أوتار إحساسه المغزولة على أضلعه وتخطت وقائع الحقيقة المستقرة في قلبه ، قرر أن يعاود الكرة مرة أخرى في بحث عن معنى الحياة . عاد مهرولا إلى أحلامه باحثا عن ورقة تخرجه وبعد جهد جهيد عثر عليها وسط كومة ملابسه وأدواته ،طرقَ باب جيرانه استعار من ابنهم بنطالاً وقميصا للمقابلة وذهب يتحضر للغد .

مساءً بينما الجميع نائمون كان يحدق في السماء مليا وهو يراقب النجوم و الأشجار التي أرادت تجديد شبابها بينما هو يتمترس بمظهره العابس في نسق تقليدي للحياة وضوء قمر تلك الليلة يطرح لها همومه ويحدثها عما سيفعل غدا ، سرعان ما استجابت له السماء لتُسُقِط وهي تداعب مزاجه الصافي زخات صغيرة جعلته يغمض عينيه مبتسما حالما بحلم جميل سرعان ما تحولت الزخات إلى غبار احمر كثيف وهواء عاصف أحال الجو إلى عتمة وماء وطين .

هرول مسرعاً إلى ملابسه المعلقة على حبل الغسيل لحظه التعيس وجدها مصبوغةً بلونٍ طينيٍّ . جمعها وأسرع إلى داخل (البرندة) العتيقة ليُقيِّم حالتها . وجد السقف ينضح بعض الماء، رمى ملابسه على (عنقريب القد) وأسرع إلى شهاداته ليدخلها (شنطة الصفيح) لكي تبقى بأمان ويعود وهو يشد جلبابه على وسطه آخذاً في فتح مجرى لتصريف المياه. تابع مسيره ليلتقي خارج الدار بجيرانه وهم في نَفٌرَه لتصريف مياه الأمطار التي جرت سيلاً في شوارع القرية. بعد مدة عاد منهكا ولم ينسى غسل ملابسه لكن استمرار زخات المطر المشبعة بالغبار جعلت من أمر نشر الغسيل بالخارج أمراً مستحيلاً . أمضى وقته في تجفيف ملابسه ونام على كرسيه وهو ينتظر ملابسه بضع ساعات ، أيقظه ضوء (رتينة) والده ومناداته ، نظر حوله الكهرباء منقطعة بسبب أمطار الأمس ملابسه نصف جافة لكن مكواة الفحم بها فحم لم تصل إليه المياه . تنهد وهو يبتسم مُرغما فدعاش الأمطار ما يزال يعطر المكان والجو صحو رطب. نهض سريعا وأوقد جمراته وشرع في تحضير نفسه لمشوار اليوم ، بادر بالخروج لكن أمه استبقته بتحضير كوبٍ من الشاي وهي تدعو له بالتوفيق سلم عليها ورافق والده إلى المسجد لأداء صلاة الفجر وفور فراغه من نافلته شق طريقه وهو يتلمس الأماكن الجافة في الطريق لكي يصل بسلام ، كانت خطواته تضع بصمة قدمه في الوحل ممسكا بنعليه ، لم يشاطره في طريقه إلا حلمه وكلب حاج النور صاحب الجزارة الرابض في ركن الشارع بمحاذاة المظلة حيث تلقاه حاج بله على مشارف القرية متبضعاً .

ولاح له من بعيد احدهم على جانب آخر من ضفة الكنار والده وهو يسوق الأبقار إلى مراعيها وهو يلوح له مودعاً إياه قائلاً ( ما تنسى تجيب لي معاك شريط للرتينة ولو لقيت جاز جيبو معاك ) أوصد حقيبته بعد تأكده من جاهزيته ووقف منتظراً.

لبضع دقائق ظل متكئا إلى عمود مظلة تعارفوا على تسميتها بمظلة الردمية ، هي كغيرها من الوعود موعود بسفلتتها منذ عقد ونيف لم يدم انتظارهـ كثيرا فقد كان محظوظاً بدعوات مستجابة بقدوم حافلة ومقعد شاغر لم يكمل حظه بعد أن أهداهـ مقعد نص في حافلة وسط الموظفين والعمال الكادحين نبَّه الكمساري إن ينزله بمحاذاة المصلحة الحكومية . ثم اقفل عيناه رغم وضع مقعده مطلقا سراح أحلامه المكدسة في دفاتر متأخرات السهر والأحلام الخرافية متغافلاً عن وكزات المترجلين التي كانت تغير سيناريو الحلم مع كل وكزة لتأخذ وقتا مستقطعاً . وجد نفسه بعد قليل في مقعده المحبب وقت استخلاص الأموال متمتعاً بنصف القيمة وسط معارضة الكمساري لكن تعاطف الركاب أنهى الموضوع ليغافل نعاسه ويتسلى بالكتابات والتذكارات من المحبين وأرقام الهواتف وهو يتأمل ما تحمله بعض العبارات المكتوبة من معاني جميلة أدار لها الزمان ظهره وغطاها الغبار فصارت مهجورة تقبع هاجعةً في دواوين الشعر ومعاجم اللغة .

مرتديا تفاؤله وشاحا وقد علت ابتسامة أمل محيّاهـ ولج إلى مقصده باغته موظف الاستقبال قائلا : (جاي تقدم ؟) رد :نعم ، صعقه قائلا إن التقديم قد رفع لاكتمال العدد المطلوب ، رغم انه كان أول من أتى في أول موعد من أول أيام التقديم !! نظر مليا ممسكا بأوراقه وقد تموهت صورة الموظف في عينيه . أدار ظهره للموظف وخطى باتجاه باب الخروج ، قَاطَعَ صمته المحكم موظف الاستقبال مرة أخرى : يمكنك الحضور بعد ثمانية أشهر أخرى ، تملكه الغيظ وهمهم بكلمات عائداً للتخلص من زحمة المدينة و غيمة الدخان التي حجبت عنه الرؤيا وعكرت صفو هوائه وجعلته ينخرط في نوبة سعال جادة وهو يلاحق الحافلات للظفر بمقعد شاغر يشغل جل مفقوداته .

.

كانت عودةً مخيبة للآمال لكن أمل الغد قد ارتسم على محياه عندما هاتفه صديقه مستفسرا عما حدث ، أخبره بالأمر فأقترح عليه أن يلتقيا لدى دكان حاج بله سريعا ، وفور لقائهما حدثه صديقه أنه قد تحصل على عمل جديد سيؤمن لهما مصاريف الهجرة إلى أوربا ( الغربة كما يحلو له ) للعمل هناك ، عرض عليه صديقه العمل هنالك لشهر واحد على أن يتقاسما( الفيهو النصيب )مما يجدان حتى يلبي تكاليف الهجرة ويحسن من واقعهما ويلبي الأمور الطافية مثل أزهار الزنبق على مسطحات ترتيباتهم المستقبلية من زواج ووظيفة ومنزل ووو… كل ذلك وواقعه السيئ لم يراع سنواته التي قضاها ودرجته التي نالها حتى وسوس له شيطان الحوجة واستفزته غمار المسئوليات ليخرج هارب منها يلوذ بفكرة صديقه . تدحرجت الضغوطات الحياتية والنفسية أمامه وضيق الحال وشظف العيش قادهما في لحظة تحت وطأة الاحتياج للموافقة . بعد تناول الغداء وكما هي العادة بدأ الجميع بالانخراط في الاستماع لمغامرات الكبار , انسل من الجميع بلطف وخرج والشمس ترسم على محياه ما تعجز لوحة أن تحتويه من ألوانها الذهبية التي تزيده عبساً ليتوجه إلى بعض أشغاله ويعود في المساء كعادته .

نسمات الليل كانت تستضيف الفكرة وهو يقلب أفكاره والنسيم العليل يداعب عيناه المفعمتان بالأحلام والأماني. تملكه شرود لم يستمر طويلا .فما لبث إن اتخذ قراره أن غداً سيكون مقصده مرافقة صديقه لم يقطع عليه صمته إلا نقاط الماء المتدلية من زير الماء وهي تلامس الوعاء بينما ينخرط هو في مراجعته اليومية لبعض محفوظات الذاكرة من اللحظات الجميلة ينسى ما ترتب عليه من إحباط وسقطات أرجعته مرة أخرى معزولاً عن عالمه بعد رحلة الى صحراء الشمال الذهب عاد هو وصديقه بعد ان نجحا في تحصيل ما يريدون وبعد عدة أيام كان قد عزم على إنهاء أموره ومتعلقاته والشروع في إجراءات الهجرة.

فجراً كان من أول الواصلين . لم يتأخر كثيراً حتى وجد نفسه أمام باب مقصده. وجد بعض من حضروا قبله قد باتوا في المسجد المواجه للسفارة ، رمقهم موظف السفارة بنظرة وتفحصهم ثم اختار تسعة منهم لكي يدخلوا لفحص أوراقهم ومن ثم طلب منهم إن يسلموا جوازاتهم لبعض الوقت لكن شيئاً غريباً قد حصل ، فقد تجمد الوقت لبرهة عن سرد مشهد الزمن كانت إتكاءة سريعة استرجع فيها ذكريات الطفولة لما كانت أيامه سعيدة تذكر عندما كان يجلس منصتا إلى جدته وهي ممسكة بمغزلها تغزل خيوط القطن وهو و بقيّة أقرانه الصغار ينظفونه من برغله على ضوء الرتينة العتيقة وهي تروي لهم قصص (فاطنة السمحة وتتب وراسُو عضُم وأولاد الكبوتات) وهو يبتسم فقد كان يرى المستقبل أمامه عندما يكبر. لم يكن يضع لمستقبله أكثر من خارطة زمنية نسجت عليها العنكبوت خيوطها انخلع من حالته تلك بعد سماعه موظف السفارة يحثه على تسليم جواز السفر أقترن الصوت مع صوت آخر كان صوت أقدام تمشي على أرض مكسوة بورق أشجار السدر تعمد في توهانه هذا إقفال عينيه ليتراقص أمامه أنغام ناي خرجت من كراسات الموسيقى وسطرها طفل صغير يعزف على ظل دومة بناي من قصب .

بحركة فجائية سحب جوازه من يد الموظف وهرول مسرعا إلى أرضه التي تناديه ووطنه الذي يعاتبه وهو يُجابه مُـر كؤوس الحياة في غياهب الزمن ، شعور غريب خالجه فعاد مهرولا. نعم عاد ليفلح الأرض مع أبيه وهو يفلح بذلك غراس الأمل لغد أفضل ، استقبلته قريته بنسائم مازجت بين جوها الماطر وبين رائحة البن المقلي وهي تسري وتملأ المكان ماراً بديوان جده جلس ليمضي بعض الوقت وهو يؤانسه ، حكايات جده كانت مألوفة لديه فقد حفظها الداني والقاصي (الإنجليز وأهل البلد ، وجدك فلان كان … وو) لكنها كانت في ذلك اليوم بطابع خاص آنس جده قليلا و تناول معه الإفطار من (الخضرة المفروكة ) التي كانت كتفاصيل حياته لا تعتدل إلا بوقوفه . دخل إلى البرندة عبر النفاج حمل الطورية وتوجه إلى الأرض ، قبل حضوره أقام مأتماً للتغرّب عن الوطن موقعاً على (كشف الفُرَاش) ببدئه وضع تيرابه وهو يمشي حافيا في أرضه سرت في قدميه حرارة شديدة جثى على ركبتيه يناجي زفرات الأرض ويلبي ميقات الحقيقة وميعاد الجذور أنتِ على حق فها أنا ذا قد عدت فتقبليني .

عن الصادق يوسف حسن

mm
قاص من السودان ، أكتب وأقرأ وأمشي في الأسواق ، وأقص درب الكلمات ، أبحث عن الحقيقة في كل طور لها وكل عهد لي ، لا اتجاهات كلنا في نطاق مستدير لنستوي ، الحياة لغز كبير ومتاريس متمددة في الطريق وإلى آخره " انسان على طول المسافة بيبتسم " .

تعليق واحد

أضف تعليقاً