الرئيسية / احدث التدوينات / سحر الفن داخل الفن

سحر الفن داخل الفن

tumblr_mtwcq966sr1sjci79o1_500

في نهاية الفصل الأول من رواية ” المحاكمة ” لكافكا ، ينتظر يوزف ك عودة الآنسة بورستنر من عملها ليحكي لها  تفاصيل الأحداث الغريبة التي جرت له منذ الصباح  : اقتحام ضابطين لمسكنه ، توجيه تهمة غير محددة له ، والتحقيق الذي خضع له من قبل المفتش في غرفة الآنسة بورستنر نفسها . تعود بورستنر في ساعة متأخرة من الليل ، ويفاجئها ك في الممر الفاصل بين شقتيهما ، لا توجد علاقة عميقة بينهما ، لكنه يطلب منها أن تسمح له بدخول غرفتها ليروي لها ما حصل ؛ كأن استيعابه لكل ما حدث لن يتم إلا بعودته لمكان التحقيق وقص ما حدث لشخص آخر ، يتم له ذلك وسط نوبة ضحك مكتومة من قبل بورستنر -المندهشة من سلوكه وتصرفاته  – ، والتي ترجوه بين الحين والآخر أن يخفض صوته أو تأمره بعدم تحريك المنضدة لكي لا يزعج بقية السكان .

ما يدهشنا في هذا المقطع الغريب هو تدخل يوزف ك لرواية ما تم روايتها من قبل السارد في البدء  ، محاكاته لما قد تخيله القارئ مسبقا ، وصار ماضيا مشتركا بين يوزف ك والقارئ .

يسحرنا دخول وسيط آخر – شخصية تتذكر ما سبق قوله ومعرفته ، شكل تعبيري مغاير : كتاب ، فيلم ، انعكاس وجه على سطح مرآة أو حلم لإحدى الشخصيات – لأن هذه التفاصيل تحول عالم الرواية إلى عالم حقيقي ، ذو أبعاد مختلفة ، متحرك زمانيا ومستوعب من جانب الشخصيات والقارئ على حد سواء .. أي أن ما يمنح العالم الروائي واقعيته ليست الأحداث أو الأفعال أو التكوين المكاني فقط ولكن النشاط الذهني  – الإبداعي والتأمل الجمالي – لشخصيات القصة أيضا ، أن تشاركنا الشخصيات ما نفعله في تلك اللحظة : القراءة والتخييل والإدراك للعالم الذي تتواجد فيه  .. أتذكر هاهنا : اللوحة التي رسمها بابلو كاستيل في ” النفق ” وحوّل ساباتو تفاصيلها وأبعادها إلى كلمات – محاكاة لما هو محاكاة لمحاكاة حسب أفلاطون ، محاكاة لا متناهية  – ، مكتبة مصطفى سعيد ودراساته التي لم يطلع عليها أحد .. يخبرنا بورخيس بسر ذلك السحر في ” سحر القصة داخل القصة في الكيخوته : ” فلماذا يزعجنا أن يتم إدخال الخريطة في الخريطة والألف ليلة وليلة في كتاب ألف ليلة وليلة ؟ لماذا يزعجنا أن يكون دون كيخوته من قراء الكيخوته وهاملت من مشاهدي هاملت ؟

أعتقد أني اكتشفت السبب : توحي هذه الانقلابات في الأوضاع بأنه إذا كان بوسع شخصيات عمل خيالي أن تصير قراء ومشاهدين ، فسيكون بوسعنا نحن قراءها أو مشاهديها ، أن نصير وهميين . وفي ١٨٣٣ ، لاحظ كارلايل أن تاريخ الكون كتاب مقدس لا نهائي يكتبه ويقرأه ويحاول أن يفهمه كافة البشر ، وهم بدورهم مكتوبون فيه “

يتم التداخل بين الأجناس والأشكال الفنية المختلفة في عمل واحد بصورة مستمرة في السينما  ، فالسينما كما تؤكد سوزان سونتاغ  بمثابة فن جامع ، فبوسعها أن تستعمل وتدمج وتبتلع عمليا أي فن آخر : الرواية ، الشعر ، المسرح ، الرسم ، النحت ، الرقص ، الموسيقى  ، العمارة . 

* الفيلم والمسرح في ” Birdman ” :

تفاصيل صغيرة تساعدنا على فهم الشخصية المضطربة لريغان ومعرفة أو تأويل مصيره مجازيا : الاقتباس في بداية الفيلم لرايموند كارفر :

– وهل حصلت على ما رغبت فيه من هذه الحياة ؟

– نعم .

– وما هو الشيء الذي أردته ؟

– أن أكون محبوبا ، أن أشعر بأني محبوب على هذه الأرض .

الورقة التي على المرآة في المشهد الأول : الشيء هو الشيء لا ما يقال عنه – مقولة تستبق أي تأويل وترفضه – ، منظور الكاميرا الذي يوضح استيهامات ريغان . لكن هنالك أيضا وهو الأهم بنية الفيلم وشكله : في إحدى اللقطات يقف ريغان عاريا وسط الجمهور الذي يشاهد مسرحيته ، يبدأ في إلقاء حواره – ولكن لماذا ، ما الخطأ في ، لماذا لا تحبينني ، لقد قضيت كل يوم من حياتي محاولا أن أكون شخصا آخر ، شخص ليس أنا-   تحاول أحداث الفيلم الإجابة عن ذات التساؤل الذي تطرحه قصة ريموند كارفر المقتبسة والتي حولها ريغان إلى مسرحية – What we talk about when we talk about love ? –

استمرارية الحدث وندرة التقطيع السينمائي منحا الفيلم شكلا مسرحيا : حوارات وأفعال على نطاق محدود – هاهنا والآن ، لا ماضي يستعاد على شكل انتقالات سينمائية –  أمكنة بسيطة ومغلقة ” حانة ، كواليس مسرح ، سطح مبنى ، غرفة   مستشفى “

يتزامن الشكلان ، يتداخلان ويتناصان : يحاول بطل المسرحية الانتحار – ويستخدم ريغان لذلك مسدسا حقيقيا – ، ويقوم ريغان بما يشبه الانتحار عند نهاية الفيلم ، ولكن لدوافع مختلفة : في المسرحية يرفض حبه ، أما في الواقع فيحصل على حب أسرته وإعجاب وتضامن الجمهور .

 

هل كان ريغان فصاميا نرجسيا ؟

لم يكن نرسيس موقنا بجماله ، ذهابه كل يوم ليرى انعكاس وجهه على سطح الماء يشي بذلك ، لا تمنحه تلك النظرة سوى رضا لحظي يتلاشى كما تتلاشى صورته ، ليعود في يوم آخر ، ولأن ماء النهر لم يكن صافيا ذات يوم ، لم ترق لنرسيس صورته ، رمى بجسده على النهر وجرفته الأمواج .. السخرية في الأمر أنه عندما سألت الآلهة النهر عن جمال نرسيس أجاب بأنه لم يكن ينظر إليه ولكن لانعكاس أمواجه في صفاء عينيه..

لم ينظر أي منهما للآخر إلا كمرآة له

هكذا كانت شخصية ريغان ، غير الواثق من موهبته التمثيلية والراغب في الخلود أيضا  ، أدرك شتاينر ذلك منذ لقائهما الأول ، فصارت أقواله وأفعاله تؤثر عليه : الثناء الذي يجعله يتناسى فعلا خاطئا قام به شتاينر ، توجيهه ، تحريضه لامتلاك مسدس حقيقي لاستخدامه في مشهد الانتحار .

في فيلم ” in bruges ” تكون نهاية الفيلم داخل موقع تصوير فيلم آخر ؛ تحديدا أثناء مشهد تصوير حلم ، يحاول رالف فينس معاقبة كولين فيريل على قتله طفلا بالخطأ ، ولكنه يقوم بنفس الجريمة ، يقتل قزما دون قصد  ، في مشهد حلمي وضبابي ، يسمح بتكرار تلك الأخطاء ، ويختتم العبث .

 

* Deconstructing harry … تحويل الواقع إلى أدب ، والأدب إلى واقع :

فوضى خيالات وعوالم روائي تحاصره ، يستعيد أطياف شخصيات قام بخلقها ، نرى مقاطع من رواياته جنبا إلى جنب أحداث اليوم ، وتداعيات الذاكرة المشوشة . القصص الساخرة وذات الرمزية البسيطة التي كتبها ، والتي ليست سوى استعادة لأحداث واقعية تعيد إنتاجها مخيلة عظيمة . يكتب للاعتراف وتعرية الذات  ، بسخرية حانقة على العالم  ومستهزئة بالقيم والتصورات الدينية التي نشأ عليها  و لا يحاول هاري فهم الأشخاص حوله ، رغم أنه يكتب عنهم ويحولهم باستمرار لشخصيات أدبية  مازجا بين صفات من يعرفهم وسلوكياتهم لصنع تلك الشخصيات ، ينتهي كل ذلك في حلم يقظة يشاهد فيه الكاتب احتفاء مخلوقاته به ، ليفكر بعدها في تحويل ذلك الحلم إلى حبكة رواية جديدة .

  في الفيلم ، ولأن كل شيء مرئي  ومجسد ، تبدو الأحداث المتتالية على شكل صور متحركة كأنها على ذات المستوى السردي  . العكس يتم في المخيلة ، تخلق الكلمات المفارقة الزمانية والمكانية ، وهذا ما فعله كونديرا في نهاية ” حفلة التفاهة ”  :

الاختراق المفاجئ والسحري الذي تقوم به مسرحية ، تمت كتابتها ، تأويلها وإعدادها من قبل أربعة أصدقاء ، أثناء جلسات ثرثرتهم  – أي أنها كانت تعرض على مستوى مختلف من السرد –  ولكنها كما يقتحم ستالين ببندقية صيده حديقة مليئة بالتماثيل الفرنسية ، تقتحم وتندمج في مستوى السرد هكذا مباشرة ، في انتقال عظيم  يتحول أبطال الرواية إلى مشاهدين ، وينجح كونديرا هاهنا في بعث الإرث الروائي و الجمالي  لكافكا  : مزج الخيالي والواقعي دون خط واضح يفصل بينهما .

عن مأمون الجاك

mm
كاتب من السودان

تعليق واحد

اترك تعليقاً