في الزمن

e17c3c5d6e1b15049dbcbbdffc197837

**

هبطت حمامة على الأرض …. لا لا لا مرة أخرى

حسنآ ..هبطت حمامة لتستقر على فرع الشجرة ،

هكذا أفضل

الشجرة تقبع في حديقة صغيره تنتصف الطريق الدائري ،

الحمامه وحيده !!!

ذلك شيء يدعو للاستغراب ،ولكن من هنالك ليلاحظ؟

لعطب ما أصاب جهاز اللابتوب خاصتي ، اضطررت لنقل كل الملفات إلى آخر كنت قد استعرته من صديق يعمل في تجارة الحواسيب المستعملة ، كان ذلك مؤقتا إلى حين الصيانة ولمواصلة ما كان يلزمني له دون توقف

ربما أنه لاشيء من ذلك حدث حقا ولكنها مجرد حيلة متواضعة للمساهمة في بناء الحدث الرئيس …

يومها كنت خارجا صوب مقر العمل الذي يقبع في منتصف العاصمة والتي يبذل الناس نصف يومهم في رحلة الذهاب والإياب منها، والنصف الأخر يقضونه في إنجاز الأعمال ،لتوفير المعيشة وتيسير الأمور في هذا الزمن المعتل ،مما يجعلك تتساءل متى يعيش هؤلاء الناس حياتهم ؟ أيعقل أن يكون ذلك نهجهم الوحيد لأدراك وجودهم في هذا العالم ؟..

لحسن الحظ تعثرت بحافلة لا تحمل الكثير من الركاب ، فأثرت الجلوس بمقعدي المفضل في أقصى المركبة بجانب النافذة،والذي ما إن أستقر بي المقام عليه حتى أوزعت إلي نفسي القيام بترتيب الملفات على الجهاز لتسجية الوقت ،أخرجت الحاسوب من الحقيبة وشرعت بفتحه لم يستغرق الأمر كثيرا حتى فرغت من تلك العملية، هكذا أصبح كل شيء في مكانه المعلوم وبينما كنت على وشك أن أهم بإغلاق الجهاز فإذا بي المح بين الملفات واحدا كتب عليه بصيغة تشابه علامة التحذير الموضوعة أمام المناطق العسكرية (خاااااص جدا)

لم أذكر هذا الملف تحديدا ،بخليط من الحيرة والفضول دُفعت للولوج إليه فإذا به يحوى صورا وذكريات قديمه مضى عليها الكثير، ظللت أتنقل لبرهة من الزمن لما حواه الأمر على بعض التسلية ، ففي كل نقرة على زر المؤشر كان هنالك سفر نحو وجهة مغايره بدهاليز الذاكرة تصحبه ابتسامة على شفتاي بطابع مختلف وفقآ لمزاج الصورة،بعضها كان يضم لحظات بدت صاخبة برفقة بعض الأصدقاء ممن فرقت بيننا السبل والبعض الأخر كان رفقة حبيبات سابقات ،زملاء دراسة، شخصيات تحيط بها شهرة واسعة،أدباء وفنانون، أساتذة ،شعراء وبعض أدعياء، كانت رحلة هادئة في جوف الزمن الغابر ، من ذلك النوع الذي يصفعك بأسئلة هلامية تحيد لتلبس قميص الهواء، ككيف تستشعر نفسك في تلك اللقطات؟ ، لم يكن الأمر ينطوي على أحساس بالتوق لنمط الحياة التي أحاط بكل لقطه ،أو محاولة الاجترار البائسة تلك التي يدعونها استعادة اللحظة ،فمن بين كل تلك الصور لم أشعر بذلك إلا تجاه صورة واحده إذ غمرتني بتلك الحالة التي تصاحب محاولات التذكر المستميتة لمسألة ملحة، كانت صورة لي برفقة فتاة بدا أنها على وشك أن تكمل عقدها الثاني نتشاطر مقعداً واحداً في مكان يشبه منتزه مفتوح ، كانت تطوقني بذراعيها بمحبة واضحة على عكس تعابير وجهي التي بدت متكلفه نوعا ما

(ما بدا لي مستغربآ) لكن الأنكى من ذلك هو أنني لم أذكر هذه الفتاة على الإطلاق . لا أذكر أنني كنت ماجنا إلى ذلك الحد الذي لا يعود فيه المرء يذكر ملامح النساء اللاتي رافقنه يومأ،ثم أنني لم أقبض بأي تفاصيل مألوفة للمكان الذي التقطت فيه الصورة، كانت حالة مبهمة لتداعي الإدراك ،إذ لا يمكن للظروف التي أحاطت بهذه الصورة أن تفلت من حقيبة الذاكرة هكذا دون حيلة لاستعادتها، كان الأمر أشبه بالضغط على زر الshift والdelete بغية إرسال الملفات غير المرغوبة لفراغ العدم..

حسنا كنت هناك برفقتها تتشاطران ذات المقعد بينما تراقبان بسرور، العمال المنهمكين في تركيب لوحة إعلانيه جديدة تطل على طريق دائري تغطي محوره مساحة كبيره من العشب محاطة بنباتات الزينة وتتخلله بعض الممرات والمقاعد الثابتة بالإضافة إلى ألأشجار الضخمة والتي يشاع أنها زرعت منذ عهد المستعمر ، كانت اللوحة عملاقه تحوي إعلان لأخر صيحة من الحواسيب المحمولة التي تم إطلاقها مؤخرا، تتوسطها صورة لشاب حسن الهندام في منتصف عقده الثالث بدا أنه يستقل مركبة عامه بينما يعبث بحاسب محمول حديث نقش على ظهره علامة الشركة التجارية، تقول تعابير وجهه انه يستمتع كثيرا بذلك ، كان ذلك الشاب هو أنت ،إذ كنتما بصدد الاحتفاء بظهورك في إعلان تجاري .

هبطت حمامه ،ليست حمامة زوسكيند بالتأكيد فتلك حكاية أخرى

هبطت لتستقر على فرع الشجرة،الشجرة تقبع في حديقة صغيرة تنتصف الطريق الدائري ،الحمامة وحيده!!!، ذلك شيء يدعو للاستغراب ،ولكن من هناك ليلاحظ ذلك؟ فتى وفتاة يتبادلان الأحاديث الهامسة بينما يراقبان بعض الرجال المنهمكين بمهمة على الجانب الأخر من الشارع ، الحقيقة أن لا أحد سيهتم لحمامه وحيده لسببٍ ما انفصلت عن سرب الحمام المحلق نحو البعيد، لتستريح قليلا بحديقة مرتجله وشبه خاليه تتوسط غابةً من الأسمنت، قال لي صديق ذات مره:

من طرائف البشر أنهم اتخذوا من الحمامة رمزا للسلام، ولكن المفارقة المضحكة أن الحمامة لا تحمل أي هوية فرديه،إذ لا يمكنها أن تحيا خارج السرب ، الشيء الذي لا ينطبق عليهم ،سوى أنهما يتشاركان مسألة القطيع إلى حد ما ، بما أن وجهة النظر هذه تبدو منطقيه إلا أنني هنا لا أغامر باستدرار الحكم على الإطلاق،بموجب هذه المقاربة المتكاثفة في الإطار الضيق قررت الحمامة أن تقترب أكثر عبر هبوط ناعم لا يثير الانتباه راحت تحدق في الفتاة والفتى إذ بدا أنهما يستمتعان بوقتهما بمراقبة  المشهد إلا أنها لاحظت هالة الكلفة التي اكتست وجه الشاب ومحاولته تصنع البسمة في وجه حبيبته ولكنها تساءلت كيف لها ألا تشعر بذلك؟

بالرغم من أن الشاب كان مطوقا ذراعي حبيبته الجميلة، بالطبع كل الحبيبات جميلات ، إلا أنه قد بدا مشغول البال ،ساهما في هيئته في اللوحة الإعلانية ،والتي عبث بها عامل الماكياج في أستوديو التصوير فبدا أكبر سنا ، حسنا من أين لها أن تعلم ذلك؟ ، ربما لاحظت ذلك التشابه الذي يجمع بين الفتى والشاب في الصورة ، ربما دققت النظر أكثر فتبين لها أنهما نفس الشخص ، وربما تساءلت لما يبدو الفتى حزينا لكنه يضع ابتسامة متكلفه على عكس الصورة؟، حلقت الحمامة عاليا عبر الشارع لتستقر فوق صورة الإعلان الكبيرة ،.ومن علوٍ شاهق راحت تراقب الفتى والفتاة وتشاطرهما ذاك المقعد ، الطريقة التي يحدقان به نحو الإعلان ،العالم من حولهما والذي بدا أنه لا يدرك لهما أي وجود، بدت الفتاة سعيدة جدا رغم أنها لم تكن في الصورة ، أيكون ذلك هو السر؟

فجأة صرخ أحد العمال متهكما أثناء نزوله بعد أن أنهى أخر مهمة أنيطت به في تثبيت اللوحة …

-اللعنة ..

لم أدرك كم مضى من الوقت حين توقفت المركبة معلنة وصولها إلى موقف الحافلات مما يعني أننا بلغنا منتصف المدينة ،أعدت الحاسوب إلى الحقيبة متجاوزا هاجس اللحظة ثم أنني لم أكن أملك أي خيارا سوى الترجل .

سيرا خرجت من الموقف عابرا الشارع الموازي صوب الناحية الأخرى فجأة !!! شيء ما بدا كالرذاذ تساقط علي ،

جفلت على إثر ذلك راشقا السماء بنظرة متوجسة ،حينها لم يسرني ما رأيت ،

حمامة لعينة فعلتها على رأسي

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان

تعليق واحد

اترك تعليقاً