الرئيسية / احدث التدوينات / قيامة الشاي الأخير

قيامة الشاي الأخير

11b16eef31b67d722b1dfebe5ed20056-1

**

كوب الشاي يصارع اليد التي تحمله عارية ليخرج فارغاً، مزاج عم عبد السميع حين يتعكر يصرع كوب الشاي ويلقي به في الرمل، لن يتناوله قط وكما يقول فتح العليم سائق اللوري السفنجة:
– ياحاج الكباية عندك لكين، مافي إتفضلوا حتى ساااي براااكم كدا!!
بالنسبة له فالشاي هو الحياة ومادونه هو الرماد البحت…
يرمقه عبد السميع بنظرة متهكمة بطرف عينه، مهمهماً بكلمات نادراً ما كانت تخرج للعلن أو حتى تسمع.
الآن هي السابعة والنصف صباحاً وقطار المحطة الفارغة لازال مهجوراً، هو يعلم بأن الركاب سيهلون ما بين دقيقة والتالي لما بعدها، ولذا هو يتهيأ في غرفته بالمحطة العامة منتظراً كمن يود أن يسافر بعيداً حال ظهور ذاك القطار.
مايدور بخاطرته هو أن القطار سيتأخر فعلاً في هذه الصباحية المشؤومة، وكعادته يتجنب قيامة الشاي الأخير.
الركن القصي من إبريق القهوة الفضي يصدر صوتاً خريرياً، يتعالى بحزم ويعلو نحو فوهة الغطاء المقطورة بالبخار الساخن، الناحية الأخرى من وابور الغيط تغرق في رمل كسول متكاثف على قاع الجدار، الإبريق يستخدم لصنع الشاي كما هي القهوة.
عبد السميع هو الآن غفير محطة الكهرباء العامة بإدارية الدامر، لاشىء يملأ روحه سوى هذا الهمبريب الطيب، الهواء الطلق وأنسام الصباحية الرقيقة وجلسته في حضرة براده المعدني، متكئ على يده اليمنى متوسداً قارعة الأرض، وعلى يده اليسرى يحمل كوب الشاي الذي لايكاد يفرغ حتى تتم تعبئته مرة أخرى بإصرار، يصدر صوتاً حزيناً وزفرة تليها لكنة ضيق حاد على ماصار إليه حاله، وقدره يحيطه ويعيقه تحت هذا الجدار المثقوب بالضحكات، ذات كل صباح واطفال المدرسة الشرقية يهتفون عليه (ياعمو ياعمو عبد السميع صباح الخير) شهقة شجية وزفرة يرغمها على الخروج وجبينه يضيء بمرور العمر وتقادم السنوات، مجده متوزعٌ مابين محطة القطار والكهرباء.
تاريخه الحقيقي الذي لا تعكسه ظلال الحياة، هو فترة عمله بالسكة الحديد، كان أفندياً بارزاً آآآآه ليت الأيام تعود يوماً، لطالما ظل يعتبر القاطرة كبيته ومخبأ الحوارات الغير معلنة مابينه وخيالات ذاتيته المدمنة للشاي.
كعادة موظفي السكة الحديد، يتسمون بالطيبة ونقاء السريرة، تتولد لديهم ألفة ناصعة الروح وبشوشة كأنها البياض حين يشع نوراً، يمتهنون نقل الناس وحاجياتهم بلا كلل ولا ملل، يتعادلون فيما بينهم حين يضج سامرهم فيظلون يمتطون القطارات قاطعين بها أصقاع البلاد، من مدينة مجهولة في البداية ثم لمديرية في بقعة منسية وبعام ما ولتاريخ قادم، لا تربطهم علاقة متينة بالاماكن سوى أزير مرور القاطرة على القضبان، وكثيراً ما يتذكر وصية جده (سيد أحمد ود الحاج) له الراجل الفحل صاحب الصوت الجهوري:
– البركة هي أن تتوكل على الله العلي القدير، لاتفكر في مقادير قادمات فقط أترك الأمر للكريم رب العرش. لكن لازم ياولدي تعجل بالعرس كوييييس!! يقهقه وحيداً في سره (العرس يطير وتطير سيرتو)…
حين يحدق بالماضي الآن في جلسته الصافية، ما يراه بخاطره هو فجاج جانب طريق غامض ومعدوم الأنوار على مر تجربته بمصلحة القطارات، من باشكاتب وأفندي مسؤولاً عن قطع التذاكر، قلبه مكتوم الاصوات لا تسمع فيه إلا صرخات السنوات التي عبرت بذات القضبان من فوق وتحت الحصى، غرف وقمرات خشبية بسيطة تحملها ذاكرته بصورة متقدة.
– ما بشيلوني بالبحرية جماعتك ديل؟ والله بحب البحر دا حب شديد خلاص.
يسأل (محمد عبد المعطي) رجل بوليس السواري حين يجالسه بالمحطة العطبراوية، لديه حلمٌ قديم بوجوب عمله على جانب البحر، مايُطمْئنه أن جنابو محمد لا يتحامل عليه، يحادثه بالفهم والمنطق وهو مطروق الرأس فيجلس ليستمع له، حكاياته لاتخلو عن تباريح ليلة القبض على سكينة الدلالية حين غامرت بالمتاجرة بمانعات ومنظمات الإنجاب في الحلة الشمالية (حلة فوق) أو فريق قدام كما يسميها فتح العليم، (سكينة هي بدوية من الشرق وأرملة تمتهن التجارة الحرة وسط طوائف وجموع نساء موظفي أحياء السكة حديد)، يعض بالحسرة على أسنانه حيت تمر بذهنيته الشبقة مجاراته لها بصندوق الصندل من خلف ذاك البريق بعينيها الجميلتين، جملة منه على إعجابه بها وبجسدها المتماسك رغم هرج السنوات عليه، والبرد الملاطف لحفرة الحديث الفوضوية الخرقاء، نشوة على جدار الغرفة الأخرى لاتمهد إلا لجملة أخرى من العناق بينهما في ليلة شتوية حالكة، حين لا يراقبهما سوى الصقيعِ وتعلو أصواتهما لتشق خفوت صمت الليلات المقمرات شتاءاً.
– المرة دي كانت ماعندها عوجة والله وقلبي كان ميت فيها، إلا آه بس من الزمن. يتحسر ملء الخاطرة.
جرس المدرسة الوسطى يرن قارعاً إيذاناً ببدء اليوم الدراسي.
– إتفضلي يا الست المديرة.
يعلو صوته حين تمر أمامه إستاذة علوية الحلبية ناظرة المدرسة. وقع خطواتها الممهولة وصدى رهق عطرها يثيران حلمه القديم فيها، مايرغبه هو توطيد علاقته بها حين تبلغ سلوى ابنته السن الدرسية ليضمن لها خانة مجانية بالفصل الأول بمدرستها، ترد عليه السلام مصحوباً بإبتسامة بيضاء زاهية ومشرقة، ينتشي طرباً وغبطة.
– والله المعلمات ديل ستات البلد دي.
ويقهقه وحيداً في كرسيه البالي، يقينه بأن سلوى ستغدو دكتورة كبيرة تعالج المسنين، وأن الماء هو قاع يفتقر للتوازن حاله كحال الاضلاع، وما يوزن بينها (دنياه وبؤسه ) هو نبت اللحم وكسوة العظم، (لا يستطيع تحديد آخر خلوة صافية مع حلة الشية المعدة بمذاااج مع أم سلوى بالحوش؟!!)، ربما هو هكذا حين يفكر يتأمل حياته كسلسلة خشبية أو كمجرد سطح معبأ بالخدوش والرسومات الغامقة التى تبعث بالنظر إلى غياهب العتمة، ثمة شىء غير معتاد على الحركة وسط عتاد الأحرف والكلمات بحلقه، المحطة هادئة ولاشئ يقاطع مزاجيته حين يصمم على تعبئة البراد بمزيد من الشاي والنعناع الأخضر، يقيناً أن عوارضه بعيدة عنه بهذه الساعة.
النافذة يراها من على البعيد بمكتب موظف القطار (التاج ود الخدرجي)، الضوء الخافت لأشعة الشمس يتسلل رويداً لمكتبه ورائحة التبغ تعم الأفق، (ماقالوا ليك الدخان بشققك)، الشجر البالي وعروق جفاف اليوم، أصابع الأمس وتخيلات الفجر المطوية على درب التحديات، ثمة ما يطوى هباهب الارض بما يرتخي وراء عتمته الحمراء فى ضوءه المتسع بمحطته الهادئة، أحياناً بالليل يكاد يسمع شخير موظف القطار (التاج) من موقعه بالمحطة يعلو ويهبط.
ثمة حلم حقيقي يبدو واجب التحقيق بهذه المحطة، يا الله تأتيه زكريات الطلبة وهم يصعدون للقطار، والخرطوم من مجلسه هذا تبدو له كقارة أخرى غير قريبة، آخر عهده بها في ثمانينيات النميري، بعيدة ومنسية كسفينة مبحرة (والله الداخلية فيها حوش للأكل والإطلاع) يتخيله كحوش حاج النصري بوسط الحلة الشرقية أو بل أوسع منه.
يقطع خواطره صوت صفير براد الشاي معلناً إستواء الماء، يمد عبد السميع يده ويرشح بعض الشاي الحب في عمق الكفتيرة (البراد)، يتسابق الماء مختلطاً بحبات الشاي الأسود متصاعداً للأعلى مع فوران حاد متعالياً بصوت أزيره، يهمهم مستمتعاً هذا الكوب لن يقاطعه أحد المارة وسيكون له نصيب المزاج بما يعدل الرأس وووو
– ياعبد السميع أنا قاصدك أشرب معاك شاي الصباح.
الآن يقينه هو ما يحثه فيتشكل خوفاً فيخبره انها قيامة الشاي الأخير له بهذه المحطة، إذ يبدو أن القطار سيتأخر فعلاً بهذه الصباحية المشؤومة.

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً