هذيان

3d956eb6856e0a4fdb7297b44c28c3cf

**

ريثما يستبين خفقان النسيان، تكون الذاكرة حشدت وقود أفولها، في شمس تبثُ سخونتها وسط تعرق مستمر للجباه، يطرق على الحديد بكل قواه، لينبثق عن هذا الجهد شيئاً مقبولاً، سكيناً كانت أم فأس، أو شيء يجلب النقود.. يتطاير الشرر أمامه، ليصنع صموداً من الأهداب المواربة، اشتاقت أنامله لمعانقة النقود، فرغبات (الهو) قد اشتعلت داخل (أناه) التي لم تسطَع رغم بريقها، استمر يداعب شرفات أنفه، التي ينحدر منها شارب مقوّس الهيأة.. يطرق، ويطرق، تتوالى المشاهد في ناظريه؛ منتصبة في رهافة تتبعه لها وكان الهجير يحف جسده بسيل من الفضول المتصبب رهقاً، حتى اللحظة لم تبارح ملابسه حبلها المشرور في ذاكرته المتهرئة الترتيب، لم يكن يريد شيئاً حينما ذهب إلى منزلهم غير اطمئنانه على دجاجته، ومعرفة ما إذا أقفست بيضها أم لا، وإنصاته لسيمفونية حفيف زهراته التي يداعبها صباحاً برذاذ الماء الفاتر، وفى هذه التداعيات وجدها أمامه

ــ من تكونين

ــ أجابته: سوسن

ــ أردف كنا نسكن هذا المنزل قبل مدة لكن ما يهمني الآن هي نقودي ــ عن أي نقود تتحدث ــ تلك التي تركها إخوتي لا علم لي بها، يمكنك أن تأتي في المساء، ستجد زوجي عسى أن يفتيك في أمرها، نظر إلى مكان غرفته سابقاً، فإذا ببناية أخرى تحل مكانها، لم يشأ السؤال عن دجاجته الغائبة عن نظره فنظر إلى حديقة الزهور، فطلب منها زهرة بعدما أشار إليها بأصبعه، ناولته إياها بشوق غامض ثم غادر يتسكع على الأرصفة الملتحمة بالغبار، قبلها كانت قد أعطته بعض المال الذي قبله بعد إلحاح منها. هاهو الآن يسأل نفسه:هل أعطتني المال شفقة لحالي أم رأفت بتلك العينان الغائرتان وراء سرهما؟ مضى يلقى التحية مراراً وتكراراً على كل من يجده بالطريق، منهم من يستجيب وآخرون يتجاهلونه، فجأة فطن للوردة التي يحملها وهى تعلن شحها الحتمي، جثا على الأرض كأنه يستميح الشمس بعدما اختلست من الزهرة بخاراً لم تكن تحتاجه، وقف منتصباً، بعثر الزهرة التي لم تقاوم الرياح، شعر برغبة لاقتناء زهرة أخرى لكن المساء لم يحن بعد، يعود إلى راكوبته بالسوق لمزاولة عمله، استاء من تباطأ الوقت إذ أنه لم يكن يحتاج إلى المال كي يشرب المريسة التي اعتاد عليها، بعدما اطمئن على المال بجيبه، قام بجمع قطع الحديد المتناثرة في جوال وقبل أن يدفع بها إلى دكان جاره حيتّه تلك المرأة

ــ برجاس، كيفك

ــ تمام يا مريم انتى عارفة كيفي عندك

 ــ لكن طولتا ما جيتنا كدي ادينى الأمانة أخرج كانون صنعه من الحديد والبال وأعطاها إياه طلبت منه منجلاً سألها ماذا ستفعلين بالمنجل؟ انوي الزراعة هذا العام، وأريد اقتناعه قبل أن يرتفع سعره في الخريف سألته عن ثمن جملة الأشياء، وبنظراته المستمدة سخونتها من قصاصاته الحديدية المتوهجة بفعل النار قال لها : نتحاسب مسا حأشرب الليلة كل البتسوى من مريسة وعرقى . أدارت ظهرها، عندها تذكر الحادثة التي كان مسرحها منزل مريم الفدادية حيث تعثر بجردل مريسة إثر سكرة شديدة الوطأة، شتمه صاحب الجردل، الذي يرى أن برجاس كان سبباً في قطع مزاجه، في الوقت الذي حضر آخرون بغية الشراب، ولما لم يجدوا شراباً امتلئوا غيظاً، ولم يعجبهم منظر السكارى اللاهيين الهانئين فكشروا عن أنيابهم، كان برجاس وقتها ممسكاً بقارورته، التي إرتشف منها قليلاً ثم أراق المتبقي في التراب، أخذ يستنشق العبق المتصاعد بمزاجية احترافية، ثم بدأ يخدش الأرض الليِّنة، وبأنامله يكتب رموزاً مبهمة، يستلقى على ظهره ينهض يتبول منتصب القامة، وهو يردد مقاطع من أغنية مرت بخاطره لتوها، يقوم بفعل كلما يخطر على باله، فطن له الجماعة الذين لم يجدوا شراباً شعروا بالاستفزاز فركل أحدهم القارورة من أمام برجاس معلناً عن سخطه، ليتناثر بقاياها في الهواء ثم بدأ السباب والشتم يعلو، كانت مريم تهدأ الحضور، لأنها تعلم العواقب جيداً فإذا أزهقت روح سوف تذهب في غياهب التحقيقات، وربما الإدانة وحتى إذا لم يحدث شيء من ذلك، فإنها يجب أن تستبدل الصريف عندما يثقبه البعض لائذين بالفرار، لم تمض لحظات حتى شوهد بعضهم يقود الصريف فعلاً، وآخرون يتدافعون نحو الباب، بعدما هدأت وتيرة الشجار، جلست مريم أرضاً ساندة همومها بكفين حائرتين وطفلتها تلملم شتات المعركة من جرادل، وكور، وبنابر متكسرة، أخرج برجاس رأسه ببطء من ذلك القبو ليستطلع ما بالخارج، التفتت إليه مريم وهو ينفض من ملابسه القش والغبار ويضحك بخبث ليثبت بأنه يتشبع بخبرة حيال هذه المواقف فخاطبته مريم: يا شقي تعملا وتزوغ.  لم يهتم لقولها ففلزات روحه قد اختمرت إلى حد اللذة، الثقوب التي أمامه تنبأ بخلو الشارع من المارة، فخرج بالباب وسط تلك الأواني المبعثرة، رمقها حتى غابت عن أنظاره فقذف بالشوال إلى دكان جاره قائلا له: الليلة عندي مشوار، كان المساء لم يحل بعد مما جعله يفكر أن يذهب لمنزل مريم قبل مشواره، غادر راكوبته تسوقه خطى لهفة ليستخلص ثمن الكانون شراباً هائناً، لم يكثر من الشراب يومها وقصد منزلهم القديم . مضى عابثاً في تلك التلافيف الملتحمة في أصقاعه، في لحظة مباغتة انبثقت ذاكرته تروج لمنعرجها سيلاً من التدفقات الوجدانية، تزاحمت عليه الأشياء متشابكة كغابة من الشرايين تكشر عن أنيابها أخذ حفنة من التراب؛ لم تذكره شيئاً سوى منزلهم وأخويه وأمه المتوفية، استحضر ثانية صورة أخويه عندما قالا له سيكون نصيبك مثلنا تماماً وستسكن معنا بالمنزل الجديد الذي سوف نشتريه، رفض عرضهم في بادئ الأمر قائلاً: أريد المال فقط وسأسكن مع الفداديات حيث شئت أنا حر.  وبخ نفسه مرة أخرى كيف استطاع أن يوافق على بيع المنزل، أكان مخموراً يومها؟ هاهو الآن أمام شخص هزيل ليس سوى ذاته الحائرة، لا يدري أين هما أخويه ما يذكره أنهما وعداه بترك متبقي المال مع صاحب المنزل الجديد، بعدما أوصدوا فاهه ببضع جنيهات، رغبات الهو لا تلتئم، النشوة تعلو صيحاته المكبوتة وهو لا يزال يجدف بين تلافيف ذاكرته الخافتة الرؤى والتي صارت في مخيلته كاللوحة المتشظية، اتسعت عيناه الحمراوتان أمام ضباب حالك البزوغ. ملامح المنزل القديم تحضر بقوة، مريم بطريقتها المتفردة في إعداد المريسة وهى تستعين أحيانا بطفلتها في تلبية الطلبات عندما تكون ثملة . في طريقه للمنزل كان عليه أن يجتاز الخور الذي ازداد اتساعاً كان الظلام كثيفاً، تقدم ليعبر الخور بدأت أرجله تغوص في الطين اللزج، يقاوم مستدعياً وعيه النهاري قاوم حتى وصل الحافة لم تسعفه قواه المنهارة فنام مكانه، كان يسمع أحاديث بعض الشماسة النائمين جواره على تلال الخور، وهم ينفثون من أفواههم عبق السيلسيون فينعشه ذلك بما تبقى من ثمالته، تجمهر الناس صباحاً خارجين من أصقاع الحي، ظنت حليمة أنه ابنها الغائب المصاب بالصرع حينما أخذت تواصل ارتداء ثوبها في الشارع، أقبل العم يس مسرعاً ظاناً أنه اللص الذي أعدمه الدجاج والملابس المشرورة على الحبل، بدأ برجاس يتسلل شيئاً فشيئاً، اندهش لمنظر الجموع التي ترمقه بنظرات استنكارية، عاودت الظنون الصفراء تحلق في متونه من جديد، نظرت إليه حليمة تأكدت أنه ليس ابنها لكن العم يس لم يجد ما يمنعه من أن ينهال عليه بالضرب بعدما أعرب الحاضرون عن جهلهم لهويته، صوته يبدو متخفياً بين ضربات العصا وتهديدات العم يس له بالاعتراف، حينها التفت الجميع اثر صوت نسائي، هي سوسن أتت مهرولة كأن حدسها قد أشعرها بأمر جلل وهى جارية يتلقفها ثوبها كانساً خلفها الطريق، كان وقتها قد فرغ المكان فسمع برجاس صوتها أقرب إلى شئ مألوف في الوقت الذي يلملم شتات مخيلته المنعطفة إلى ذاته، جذبته من انحدار الخور وهو يرتعش من البرد، غطته بوثبها الوثير أخذته معها إلى المنزل لم يدرى شيئاً، غير أنه وجد نفسه تحت شجرتهم القديمة المجتثة الفروع التي لا تحجب عنه الشمس، بما يلاءم ارتعاشه، بادرته سوسن بابتسامة متوردة حينما كان يعانق منظر الزهور، فهو لم يسألها عن المال ولا حضور زوجها فقد كان مهموماً بأمر دجاجته إذا ما اقفست بيضها أم لا. أراد أن يبحث عن دجاجته في أقبية المنزل، لكن ملامح المنزل المتغيرة لم تشجعه على ذلك، رفع رأسه ليتدارك سقوط أكسجين عاري من هيمنة الفضاء، وقتها يتقلب في عوالمه الخاصة، وثمة رغبة تلجلج في دواخله دون أن تستأذنه بمجيئها، أدخلته في هيام لحظي لم تكن ترجمته متكلفة، سوى أنه قام بإحضار كرسي وجلس منزوياً ينتظر خروج كتاكيته من احدى أطراف المنزل.

عن عبد الرحيم سعد

mm
كاتب من السودان

تعليق واحد

اترك تعليقاً