الرئيسية / احدث التدوينات / ابو ذكرى ايقونة في عصر الفجيعة

ابو ذكرى ايقونة في عصر الفجيعة

18a-na-57125

لم يعد للشعر صلاحية لارتياد المعاني فقد اصبح ابو ذكرى هو الذي لا ندري من الشعر ..كانت كلمته توصيف جبري لأنانية الحياة ، اقتفى اثر المدن واتخذ خطوة باتجاه الظلال. حيث العطش في رحلة البحث عن ماء ، وحيث الشوق والوحش والسيف والمسرح وامتلاك الماضي بشرف واحتقار الحاضر بعفة ثم قافية موسيقية تبلل دفاترنا بعطر السفر..

الحال لا يخفى عليك
وأنت ترحل كل يوم
موغلاً خلف الحدود
منذ الصباح إلى المساء
وفي الخريف وفي الشتاء
(يا أيها الطير الكنود)
الحال لا يخفى عليك وأنت ترحل
في الأقاليم القصية
تاركاً قلبي وراءك في الحديد
الآن ها أنذا أحاول أن أطير
مثل العصافير التي تتعلم الطيران
لكن الجناح
رخو وشوق القلب يبعد ألف ميل

لقد كان ابو ذكرى يختزن المواقف التي ارهقت رغبته في الدهشة وهو رجل مطلق الفحولة في التجلي و الخصوبة الأدبية كانت كلمته نافذه شعرية ثرة حين يقشعر بدن الحروف بومضة من حبره….طاف بعينه باحثا عن وفاء الإنسانية في مدامع البلاء ومدن الشتاء وضع اكليله الاسود على جفن الوجود المحتضر واسترخى للوحش في الانسان مقابل عبادته التي في تأمل الجمال والعنف والطبيعة والصراخ..

قفي وانظري !
أليست هذه الشموس الساطعة الساطعة
والنجوم الباهرة الباهرة
والغيوم السديمية الرائعة الرائعة
تشع من بين عينيك أنت
معلنة بدايات جديدة
ومشاعل لم تمت جذوتها يوماً
وأن لا شيء يفنى إلاّ ليعود
في زي آخر
وزمن آخر
وأن كل هذا العذاب
هو مفتتح سيمفونية قادمة
وأنباء غير هذه سوف تأتي
وأننا لا نسير إلى نهاية الزمان
وأننا سنسمع طبلاً له صوت جديد متفرد
لن يسمعه أحد
إلا في المستقبل القريب البعيد

تحدى آهاتنا المسموعة امتدح شقاءنا وعاصفة الوجع التي في قلب القرى ..ارهق التمدد في سيكولوجيا العلائق واساطيرها لكننا نمنحه التصفيق المغيب حين اخذ نواصينا وكؤوسنا واكمل دورة الانتشاء وانتهى دون انتظام..
لم يلتزم بدواعي الارهاص في مواعين الحقائق ولم يلتزم بانتظام اللون الذي في النخل والاحاجي والضفاف والسفر الجامح في اللغات هناك كان انتماءه خارج مؤسسة الحياه حيث لا ختام ولا صحو لذاكرة متعبة مترهلة بفعل الطفولة ووهنها لذلك صارت رحلته بحثا عن اشتعالات النضوج الشعري في اوردة الكلام الطازج خارج أطلس الأدب الجنائزي وارتجاف القافية
انفلت في لحظه وطنية ممزوجة بتطلعات الشيخوخة  والواقعية مرتهنة بأسبقية الارض والطلقة .. حتى ديمومة اهتمامه ومفهومنا الصخري .. اجلسنا علي قصر المقام بطول المقال عندما تحسس  خلايانا واحتوى انشودة الطفل فينا فانهمر العشق واهتز قديس الحب في فراغ العاطفة اهدر احساسنا حين كنا نبحث عن الحزن في ليل مستباح ومره اخرى كان الدمع يقهقر الارض ادراجها ليتجسد لنا غيبوبة وحلم فجاءت المأساة تأسيسا لمثواه الحضوري الى جانب جرح اضافي في قلب الأسئلة وعبارات التورط  في الانتماء الى التبرك بالاعتلال

والنشوء المعمد بالانفعال
أنتِ يا مركبات الشروق التي تتحرك
بين السهول الغربية
والسهوب السفاح التي لا يراها سوانا
والتي فرشتها أيدينا
وأنت وحدك لا تجهلين
لماذا نخوض البحار معا
ونغشى النجوم البعيدة
ولماذا نحب الجبال التي لم تطلها قدم
والأماني التي بعد لسنا نراها
والعيون التي تتمازج فيها
الجسارة والحب والغربة الهائلة

ارتوى منه الشرود وضرب موعدا في الخاطر تمهيدا لاصطياد النار من قلب البحار .. نادى في القيامة بآخر كلمة حرة .. واحتفى بالطين والأفئدة والتجاعيد ..ومثل كل نهاية تنفس فينا مرتين ..مرة بإيماءة منه التزاما بالمبادئ . وأخرى لست ادري كيف كانت.. لم ينتحر ولكنه غادر منتشيا بالانتحار مستسلما للانهيار الفذ في سماوات الغياب منتظرا كفا ملائكيا يلتقطه من وحل الديار .

 

عن راشد محمد عبد الوهاب

mm
صحفي وكاتب من السودان

أضف تعليقاً