الرئيسية / احدث التدوينات / الإصلاح الديني … لماذا ؟

الإصلاح الديني … لماذا ؟

orient6

لا يستطيع أي أحد أن يوضح على وجه الدقة متى نشأ الدين أو متى كانت بداية ظهوره ؛ وذلك لأن الدين بمعناه الشامل وباعتباره أحد أهم مكونات الثقافة الإنسانية ومحدداتها كان ولا يزال جزءًا لا يتجزأ من عناصر الحياة الإنسانية بمختلف تَمَظهُراتِها، بل ويشكل أساسًا لا يمكن التخلص منه في حياة كثيرٍ من الناس حتى اليوم، فهم قد اكتسبوا وعيهم وإدراكهم ومنظومتهم القِيَميةِ من خلال المفاهيم والمعارف والتصورات التي يقدمها لهم الدين عن الحياة والكون والوجود ككل، ووفقا لذلك تشكلت أنماطهم السلوكية والحياتية التي أصبحوا يتوارثونها عبر الأجيال ويستميتون في المحافظة عليها والدفاع عنها، وذلك لأنهم يعتبرون أن جوهر حياتهم مرتبط بها وأنه لن يكون لها أي معنى إذا هم تخلوا عنها، وبالتالي هم يرفضون أي محاولةٍ لإعادة التفكير في ما يحملونه ويعتبرون ذلك تعديًا وتجديفًا على معتقداتهم ومقدساتهم، وأنه يجب أن يستمر الحال هكذا للأبد، لأن هذه هي إرادة الإله أو الآلهة التي يعبدونها ومشيئتها، وأن أي محاولة لنقدها أو تغييرها ستجلب سخط تلك الآلهة وستودي لهلاكهم عاجلًا أم آجلًا. ومن هنا يتضح تمامًا لماذا يستمر الكثيرون في الاقتناع بمجموعة من الخرافات والأساطير ويعتبرون أنها حقائق لا تقبل التبديل والتحويل والنقد وذلك لا لشيء إلا لأنها تتمتع ببعدٍ غيبيٍ لن يستطيع أولئك المؤمنون أن يقدموا برهانًا علميًا واحدًا على وجوده، فهم يَتَمترَسون خلف الاعتقاد بأن ما لديهم هو الصواب المطلق، وذلك لاقتناعهم التام بأن ما عندهم أعطته لهم الآلهة عن طريق الوحي للأنبياء أو التلقي المباشر للأصفياء والمختارين، ولكن مع مرور الزمن وتقدم الحياة الإنسانية وازدهارها بالعلوم والمعارف الناتجة عن التجربة والمدعومة بالبراهين والأدلة الواقعية بدأ التفكير الغيبي والخرافي يتراجع شيئًا فشيئًا ويَحل مَحله التفكير العقلاني والعلمي، فلم تعد الظواهر الطبيعية كالأمطار والبراكين والزلازل ونمو النباتات والأمراض وغيرها تفسر على أنها ناتجة بسبب قوى عظمى خفية تريد إرهاب الإنسان وإنما بسبب تحرك وتفاعل العناصر الطبيعية مع بعضها، فأصبح من الممكن تجنب الأضرار الناتجة عن الصواعق بموانع الصواعق وتلك الناتجة عن الأمراض باستخدام اللقاحات والأدوية وهكذا، فكلما تقدم التفكير العلمي تراجع التفكير الغيبي وأضمحل أثره، ولكن هذا لا يعني أنه سينتهي تمامًا، فهو سيظل ملازمًا للوجود الإنساني ما دام هنالك مجهولٌ وغيبٌ، ولكن فقط سيقل أثره وسينحصر في نطاق ضيق لن يتعداه ولن يعيق تطور الحياة الإنسانية بعد الآن ؛ لأن العلم بأدواته المتقدمة وكشوفاته المتلاحقة هو المنوط به ذلك، فلا مكان في المستقبل لمن يحاول أن يفسر خبايا الكون ومَجهولاته عن طريق التفكير الخرافي والغيبي والذي لا يفيد الإنسانية في أي شيء سوى إعاقتها عن التقدم والتطور .

ظل الدين على مدى الحياة الإنسانية منذ نشأتها وحتى الآن يشكل أحد أهم مصادر الثبات والجمود والتخلف، وذلك لرفض الكثيرين من أتباع الديانات المختلفة لكل مظاهر التطور والتقدم ، ظنا منهم بأن هذه المظاهر منافية ومخالفة لجوهر الدين في حقيقتها، وهذا إن دل إنما يدل على أن هؤلاء الأتباع ما هم إلا مجرد أشخاص ملقنين، يقومون باجترار مجموعة من التعليمات التي تلقوها من أشخاصٍ يولونهم كامل ثقتهم، ويعتقدون بصلاحهم التام وتفوقهم عليهم، فهم طائعون لهم ومنصاعون لأوامرهم، فلا يمكنهم أبدًا مخالفتهم أو الاعتراض عليهم، وقد أدت هذه الحالة من الخضوع والتسليم إلى ظهور فئةٍ من الناس قامت باحتكار الدين وأعلنت نفسها كوصية عليه وحافظة له، ولا يحق لأي شخص آخر أن يتكلم باسم الدين أو أن ينشر تعاليمه أو حتى أن يقدم فهمًا جديدًا له إلا بالرجوع لهم وأخذ موافقتهم ونيل مباركتهم، وفي الغالب لم تكن هذه الفئة تعمل من أجل خدمة الدين في الحقيقة ولا من أجل المحافظة عليه، وإنما من أجل خدمة مصالحها الذاتية عن طريق التحالف مع السلطة السياسية وخدمة أغراضها لضمان سيطرتها واستمراريتها في الحكم، فعادة ما تقوم هذه السلطة السياسية بالتخلص من المخالفين لها عن طريق تأليب الشعب عليهم بواسطة رجال الدين، وذلك بعد اتهامهم بعصيان الآلهة والخروج عن الدين، وهؤلاء المخالفين عادة ما يكونون من الشخصيات المؤثرة كالفلاسفة والعلماء والمفكرين أمثال سقراط  وهيباتيا وديموقرطس وابن رشد وابن سيناء وجيردان و برينو وجاليلو في القرون السابقة و نصر حامد أبو زيد ومحمود محمد طه في العصر الحديث، والمتتبع لسيرة هؤلاء الفلاسفة والمفكرين يجد انهم لم يجرموا ويحاربوا للحد الذي أوصل بعضهم إلى حبل المشنقة إلا بسبب رفضهم للجهل والظلم والفساد وحرصهم على نشر المعرفة والوعي والاستنارة ، مما أدى لسخط السلطة السياسية الفاسدة واستخدامها لرجال الدين من أجل إخضاعهم والسيطرة عليهم ولكنها فشلت في ذلك، كما وأنها فشلت في إلغاء فكرهم وإتلاف مؤلفاتهم بشكل كامل، فنور المعرفة والعلم كاشف لظلام الجهل ونافي له، فمعظم نظريات وأفكار هؤلاء الفلاسفة والعلماء والمفكرين تضمنها الجزء الذي نجا من مؤلفاتهم وأصبحت أساساً لنهضةٍ معرفيةٍ شاملةٍ أدت إلى تطور الحياة الإنسانية بشكل كبير. وليس هذا فحسب، بل تعدى استبداد السلطة الدينية المتحالفة مع السلطة السياسية إلى أبعد من ذلك؛ حيث قامت الكثير من الحروب التي أدت إلى إزهاق ملايين الأرواح إن لم يكن المليارات على أساس ديني وذلك متمثلاً في حروب إسبارطة القديمة وحروب الملوك المسلمين والحملات الصليبية في القرون السابقة وكذلك الحروب التي افتعلها التنظيم الصهيوني العالمي وتنظيم القاعدة بفروعه المختلفة وداعش حاليًا، والمتتبع لمسيرة هذه الحروب عبر التاريخ يجد أنها في الأساس ما هي إلا حروب سياسية مغلفة بغطاء ديني لكي تكتسب شرعيتها ، فهي في الأساس لم تكن من أجل الإله أو الدين وإنما من أجل ضمان استمرار حكم الملوك والحكام والسلاطين. وحاليًا مع كل التقدم الذي تشهده مختلف مناحي الحياة الإنسانية في مجتمعات مختلفة ومتنوعة تعيش في دولٍ متقدمةٍ ومتطورةٍ استطاعت تحقيق نهضتها عن طريق الثورة المعرفية والعلمية أولًا والثورة السياسية والتكنولوجية ثانيًا نجد أن هنالك مجتمعات ترزح تحت نير الجهل والتخلف والتعصب ، ويرجع تخلف معظم هذه المجتمعات إلى تبني رؤى ومفاهيم غيبية وخرافية لا تواكب التطور الحادث حاليًا ولا تتقبله، وهذه الرؤى والمفاهيم في الغالب ناتجة من تبنيها لتصورات دينية رجعية وبالية، مما شكل حاجزًا بينها وبين تبني مختلف أشكال المعارف والعلوم الحديثة، فهذه المجتمعات في الغالب تحكمها حكومات فاسدة وتتفشى فيها الطائفية والصراعات العنصرية، كما وأنها ترفض وتحارب كل الأشخاص الذين يدعون للتقدم والتطور وتعتبرهم ناشزين وعاقين ومخالفين، وعليه لكي تخرج هذه المجتمعات من حالة القصور التي تعتريها ومن ثم تلحق بركب الحضارة والتقدم لابد لها من حركة إصلاح شاملة يكون في أولها حركة إصلاح ديني تنبذ التفكير الغيبي والخرافي وتتبني التفكير العقلاني والعلمي في فهم الدين والحياة ككل ومن ثم إنتاج معرفة تصلح لحل كل الإشكالات المحيطة بها وذلك للتخلص منها وتجاوزها.

استطاعت كثير من المجتمعات التي كانت تتبنى نمط تدين متخلف في السابق التخلص من هذا النمط وتبني نمطٍ أكثر انفتاحًا وعقلانيةً، وذلك يظهر بجلاءٍ في المجتمع المسيحي الذي كان يعيش في أوربا في القرون الوسطى؛ حيث تمكن هذا المجتمع وبعد صراعاتٍ طويلةٍ ومريرةٍ مع السلطة الدينية وحليفتها السلطة السياسية من التخلص من الفساد والاستبداد الذي كان شائعًا باسم الدين، والذي نصبت من أجله المشانق والمقاصل وعقدت محاكم التفتيش وحصدت الحروب أرواح الآلاف، وذلك بمجهودات الفلاسفة والعلماء والمفكرين ونضالهم ضد هذه السلطة وكشفهم لزيفها وادعائها وعدم أحقيتها في هذه السيطرة، فليس هنالك أي سندٍ أو مبررٍ ديني يمكن أن يبيح الظلم والفساد والطغيان من أجل إرضاء الرب، بل إن الحرية والعدالة والمساواة هي ما يجب توافره لكل معتنقي الأديان وسواهم، فالتجربة الدينية نفسها تفقد فاعليتها وخصائصها المميزة إذا أخضعت للقسر والإجبار، ولكي يكون الشخص مؤمنًا حقيقيًا يجب أن يختار دينه ومعتقده وفقًا لقناعته الذاتية ومعرفته المكتسبة وليس نتيجة للضغط والإرهاب الواقعين عليه، كما ولا يحق لأي شخصٍ أن يفرض نمط تدينه على شخصٍ آخر مهما كانت الأسباب والمبررات، فكل شخص يختار النمط الملائم والمناسب لحياته، وبهذا تكون الحرية الدينية مكفولة للجميع، وأما الحقوق السياسية والقانونية للمواطنين فهي تحدد وفق للدستور العلماني الذي ينص على حيادية الدولة تجاه الأديان، ويقرر الحقوق والواجبات للكل وفقا للمواطنة ولا شيء آخر، فلا تمييز ولا اضطهاد ولا إقصاء لأحد، فالكل يمارس شعائره التعبدية وطقوسه الدينية تحت حماية القانون ما لم يعتدي أو يتجاوز الحدود الموضوعة له. وهذا تمامًا ما تحتاجه المجتمعات الإسلامية اليوم، فهذه المجتمعات والتي يشكل سكانها أكثر من سدس سكان العالم ما زالت تعيش في حالة من التخلف المزري والجهل المشين والخنوع المخزي بالرغم من بعض حالات التطور والتقدم التكنولوجي  المظهري هنا وهنالك، وكل ذلك بسبب رضوخها واستسلامها لسيطرة السلطة الدينية التي تحميها وتدعمها السلطة السياسية، فمعظم أفراد هذه المجتمعات ما زالت تُسَيرُ حياتهم الرؤية الغيبية وتتفشى فيهم الاتكالية والقَدرية، ويُعلِقون مُعظم خيباتهم وفشلهم على الظروف الخارجة عن إرادتهم، فهم لا يسعون لاكتساب المعرفة العلمية الحقيقية ولا يخططون لتطوير أنفسهم أو مجتمعاتهم أو دولهم، مما جعلهم استهلاكيين غير منتجين حتى لأبسط أشكال التقنية الضرورية، وكل ذلك بسبب رفضهم وعجزهم عن استيعاب منتجات الحضارة الإنسانية من معارف وعلوم، بل حتى في بعض الأحيان يتكبرون عليها بدعوى أن ما لديهم يغنيهم، ولكن للأسف هم لا يعرفون حتى هذا الذي لديهم والذي هو أيضًا جزءٌ لا يتجزأ من التراث الإنساني ككل، فالمعرفة الإنسانية مشاعة للجميع وليس لأحد حق احتكارها حتى ولو كانت تنسب إليه، فما يدعي هؤلاء أنه مِلكٌ لهم من نظرياتٍ فلسفيةٍ وعلميةٍ تم رفضها من قبل السلطة الدينية والسياسية قديمًا وتم رفض أصحابها واتهامهم بالزندقة والكفر، وهو ما أدى إلى هذا التخلف الذي يعيشه هؤلاء اليوم، بينما أخذت هذه النظريات وتمت دراستها وتطويرها من قبل نفس الفلاسفة والمفكرين الذين يرفضون هؤلاء إنتاجهم حاليًا، وحققوا بها هذا التطور الحادث اليوم، فليس لهؤلاء أي حق في ادعاء ملكيتها أو أحقيتهم فيها، لأنهم عجزوا عن فهمها واستيعابها وتطويرها، وإنما بذلك يكون امتلاك العلم وليس عن طريق الادعاءات الجوفاء. وعليه إذا كانوا يريدون تحقيق نهضة حقيقية عنوانها التقدم والتطور العلمي أن يقوموا أولًا بحركة إصلاح ديني تقوم بتخليص الدين من سيطرة رجال الدين واحتكارهم، وذلك بتبني حركة تفكير عقلاني علمي تقوم بتنقيح هذا الكم الهائل من التراث والمتمثل في كتب الأحاديث والتفاسير والفتاوى والاجتهادات الفقهية والذي أصبح جزءٌ كبيرٌ منه لا لزوم له بل ويشكل عقبة في طريق التقدم والتطور، وهذا لن يتم إلا باستيعاب كاملٍ لضرورة هذه الحركة وأهميتها، فهي الكفيلة بإخراج هذه المجتمعات من حالة القصور التي تعتريها، بعد أن تُزيل عن عقول أفرادها غشاوة التفكير الغيبي وعجز التفكير الخرافي، فبتقبل هذه المجتمعات لهذه الحركة النقدية التصحيحية سيتم وضع أولى اللبنات في سلم ترقيها وتطورها العلمي والمعرفي، فهي بذلك ستعلن رفضها للخضوع والاستسلام وستتحرر من أسر الماضي وقيوده، وستسعى نحو المستقبل بهمة ونشاط، فكل ما هو معين لها على نهضتها وتطورها متوفر رهن إشارتها إن هي أرادت ذلك، فكل المعارف والعلوم الإنسانية التي كان حصيلة لتراكم مسيرة التطور والتقدم متاحة لها، فما عليها إلا أن تستوعبه وتهضمه ومن ثم تنتج نظريات مماثلة أو مقاربة أو حتى مختلفة تكون هي الأساس لنهضتها وتقدمها، فليس بالضرورة أن تعيد كل تلك السيناريوهات التي سبقتها إليها المجتمعات المتقدمة، وذلك مراعاة للاختلافات الثقافية والاجتماعية بينها، ولكن أيضًا يجب تضمين الأسس العامة التي ارتكزت عليها تلك المجتمعات لتحقيق نهضتها، فالتطور والتقدم لا يأتيان من فراغ، وإنما هما حصيلة تجاربٍ ونظرياتٍ يتم نقدها أو ضحدها باستمرار وبشكلٍ علميٍ ومنهجيٍ وصولًا لتلك الحالة الأكثر صوابًا من المعرفة، وهنا تظهر المهمة الأساسية للفلاسفة والعلماء والمفكرين الأساسية، فهم وحدهم المنوط بهم ممارسة هذه العملية بكفاءة وفاعلية، وعلى الآخرين تبني نظرياتهم والعمل بها حتى تتحقق النهضة الشاملة، فكل ما هو عدى ذلك لن يكون إلا تهويم وعبث لا طائلة منه، وسيؤدي إلى مزيدٍ من التردي والتخلف كما هو حادثٌ الآن. وعليه فلنحاول جميعًا أن نكون عقلانيين وعلميين في نظرتنا للحياة وتعاملنا معها، ولا نتبنى إلا المعرفة التي تمكننا من تحقيق التقدم والتطور والمستمدة من التجربة والممارسة المنهجية والسلمية.

عن محمد عمر جادين

mm
كاتب سوداني مهتم بالأدب والفكر وقضايا الإستنارة .

أضف تعليقاً