الرئيسية / احدث التدوينات / الفتاة ذات الصوت الضوئي

الفتاة ذات الصوت الضوئي

 ed0684ec48ad57803a78a45efaeee54f

 

لايشبهها ولا هي تماثله ،إلتقيا في زمن التناقضات وسارا صوب الضوء، صارت هي الضوء وتغير هو للكتمان، تعانقا فأفصحا عما بجوفهما فاشتعل الزمن.

حريقٌ ما يخرج من بين الكتفين أبخرته تتصارع وتترافع مع بعضها لتبلغ حواف هذا الجو بينهما بمنتهاه…

– تعرفي أنا بالجد ما بقدر أواصل معاكي بالشكل دا!!!

الآن تعيره أقصى انتباه ممكنٌ كنتاج لأقصى قسوة متطرفة بينهما (الرجل حين يقسو يتشكل تابوتاً للموت).

تهبه الضوء الباكي منها (الحزن الحقيقي لا تظهره الدموع)،وبسخاء العينين تكالمه قسراً،وتفضل الإحتفاظ بصوتها الضوئي فلا تتحدث..

يصبح الكلام بلا أي معاني حقة، (نشوى) تميل للصمت حينما لا يجدي إستنباط الكلمات، المشاحنات معه تدفعها للصراخ والعصبية، وبالكاد يضج حلقها بالصوت النادر…

صوتها يشع بالضوء ويبث النور في المكان،وهذا الشخص الجالس على الطاولة المقابلة لها يرمقها بنظرات بلهاء …   

كركركركركركركركركركر…صوت آخر يصر على التحدث في عزلتها المتعبة.

الآن تشعر بعدم الإتزان،شيء ما يتهالك بداخلها لا تستطيع تسميته أو تحديده، جسدها يرتبك والرجفة البثراء التعسة تغمرها بالكامل، ربما هي كذلك (تتمتم مع نفسها – لعلها حالة انعدام وزني الحقيقية)، يعلو دخان الكلمات التي ألقاها(عز الدين)على مسامعها كعصيب الطرق الصرف الجاف العميق على سطح الأذنين،(تسترجع نصيحة خالتها سمية الحكيمة لها – لا تستعجلي بالحديث فبعض المفردات تحدث موتاً)، كلماته أحدثت حريقاً داخلياً وأزمة عجلى،الآن لديها إحساس قوي بالشرخ العميق بقلبها،وكعادتها (نشوى) حين تمتلئ بالهم وتحيط بها المشاكل وتزمجر فوقها رعود الضيق وتبدأ يديها في الرعشة،تقرر الهروب وعدم المواجهة وتفضل الصمت رغماً على ألمها الحقيقي(الأنثى حين تصاب بالإحباط إما أن تهاجمك أو تلوذ بالفرار).

  • أنا ما قادرة أتكلم لأني ما حاسة بنفسي وممكن أقول كلام فارغ أندم عليهو…حأمشي منك وماحتشوفني تاني!؟

  • ماممكن نتفاهم أسه؟

  • لااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا أفتكر أنا قلتا إني ماقادرة.(ذوق الرجل مؤلمٌ ومعدوم حين يصر على الطعن)

أصابها هذا الشخص بالتوتر، فقد ظل يلاحقها بنظره كمن يبحث عن شيء ما فيها، تعمدت هذه المرة التحديق في وجهه حتى تتمعنه، فشلت في التعرف على سحنته البعيدة عنها،(البعض من البشر غوغاء ومتخمون بالبلاهة حتماً).

كركركركركركركركركركر ….. كركركركركركركر

ترفع بصرها وهي مستلقية على سرير التنهدات بغرفتها لتقابلها المروحة الحمقاء العنيدة بصوتها الموحش.

(نشوى) لديها ذاك الهوس الذاتي بوجود تعب داخلي بها ومن النوع المستديم،تعاستها تنبع  من عدم تصالحها مع تلك الذات،حديث (عزو) أرهقها كثيراً وأخرج لواعجها التي تجاهد لتخفيها وتخبئها عنه منذ سنوات، مكتئبة بالفطرة منذ عامها العاشر على ما تذكر، ألا يكفي بالحب أن يحدث النقلة الكافية لتناسي حرائق الماضي؟؟

قلبها محترق بالكامل…

  • قديماً (يعني زمااان) كنتا بتساهر معاي لصلاة الفجر! أسسه تلفوناتك بقيت تقفلها من بدري وتحاول تبرر لي أنك بتكون مرهق؟؟

  • بقيت ما بتتعامل معاي زي زمان وماعارفه العيب فيني ولافيك ولا حتى عندي السبب؟

  • لندع هذا الأمر لقابل الأيام!

  • هو إنتا خليت فيها باقي أيام؟

جدلية المناقشة مع(عزالدين)باهظة الثمن ودائما تخرج خاسرة منها…ترهقها هذه القسوة منه على الردود الجافة الرعناء فلا شيء سيسكت هذا القلب حين تغوص الكلمة كالسكين بعمقه الساكن فتحرك الأحمر ليخرج نزفاً وألماً وقطعا لنثار حكاية حزينة لا عقل لها سوى تناقضات بداياتها..(كل الرجال سواسية وجالبون للخراب)..

حيث يقع الحريق تشتعل بقعة ما بالقلب ولن تنطفئ باليسير من الماء..

تدور بها حقيبة الذاكرة لسابق العهد الجميل (قناعاتها أن الذي مضى من عمريهما هو الأجمل ولن يتكرر)، تسترجع كلماته الأولى حين يقول لها (أينما كانت أو ستكون فهو سيتواجد معها؟)، لعل كل الرجال كذلك يمتازون بالوعود الصدئة ولا يحققونها؟.

حانت منها التفاتة جانبية لذاك الشخص الغريب، أيقنت أنه يتأملها بعيون شاهقة كالمخلوع ترسل عينيه رسائل من دهشة سماوية، كمن يتأمل قطعة أثرية اكتشفها للتو وسط مئات القطع الأخرى، تود لو تذهب إليه وتصفعه على خده بكف من غضب.

تأثير صوتها على سمعه لم يعد كالبداية (والبدايات دائمة جميلة وتفضي لفخاخ مخبوءة على مر الطريق)، اختفت تلك الهزة الرصينة  التي تكاد تفصل حلقه عن حنجرته، كان يقول لها ذلك فصوتها يكاد يقتله، هي تبلغ انتشاءها ولذتها حين تلقاه وتمسك بيدها على يده، لديه حيث يقطن الأمن ويتناسل الأمان.

أذنه تأقلمت على نبرة صوتها الثمين، حدث لها تباين الآن حين تتذكر ما يقوله فقد غدت أذنها تنغلق ذاتياً عن باقي الأصوات وتلك النبرات، هل يمكن أن تتدرب أذن ما على صوت محدد فتهواه وتعيش عليه وتكتفي به عما عداه من الأصوات بهذا العالم؟ يبدو جلياً أنه يحدث معها.

كركركركركركركركركركركركركر الصوت المعدني وأزيرها يستعمر السقف عنفاً….

(نشوى) تعلم أنها تمتلك نبرة صوتية فذة تسمى بالصوت الضوئي، الجميع أخبروها بذلك، حين تكون مصاباً بالعتمة ومحاطاً بالوحشة فيكيفك أن تسمع صوتها فتحل عليك سكينة النور وبشائر الضوء، (نشوى) كائن من الإشراق يمشي على قدمين وتهتز له تربة المدينة حين تخطو عليها، تستلقي على رفات فراشها الآن (السرير بدون مطر الحب هو رفات ونعش غير معلن لم يتم إعداده بعد، وربما هي مسألة للوقت لكي ما يقرر متى)، مهمومة بآلاف الكلمات والحوارات وممعنة بالتحديق إلى السقف الأسمنتي البارد، أزير مروحة الغرفة يمنعها من تبين الأصوات من حولها، كركركركركركر، حين عانت في رمضان الماضي (حوالي شهرين من الآن) من ارتفاع حرارة الجو بسبب تعطل مكيفها (بتاع الموية)، باشر (عاطف) شقيقها بحزمة تبرعاته السخية عليها وقام بتركيب مروحة جديدة لها من حسابه على السقف لحين قبولها فك هذا المكيف وتبديله (صيانته تقع عليها)، أنفقت زهاء الاثني ألف من الجنيهات ولم يكفيها لإكمال الصيانة، عليها الآن أن تتعايش مع هذا الطقس العقيم..

كركركركركركركركركركر، هدير صوت المروحة بالغرفة هو الشيء الثابت بحياتها منذ رمضان…

الرجال أشقياء ومصابون بالحماقة ولا جدوى منهم !!!

فضاء شاسع على امتداد العمر، وغلاف قاتم لا يسمح بمرور الحس منها لأعضاء الجسد، لعلها ستصاب بالشلل في مرحلة ما من عمرها الرث البائس كما ترى، بقلبها فالمقدرة الشبقة والمرونة على منح العاطفة الدافئة قد تعرضتا لعدة صدمات أخرستهما، كمالية ملاذ دنيتها به (عز الدين) والآن غدت بأسرها تمثل فرحته الحمقاء وفتات أحلامه، يتمزق داخلها حين تغمض عينيها وتتذكر.. حين تمارس الهروب من أحدهم بالبدء يغدو الأمر عادياً لكنك حين توغل فيه وتكثر منه يصبح واقعاً مؤلماً، لا يوجد أكثر إدراراً للدمع المقفى خلف الجفنين من جفاء الحبيب وتغيبه المتعمد…

كركركركركركركركركركركركركر…

  • استلهم ضوئي بعمري من حديثي معكٍ يا(نشوى)….

لعله من أبلغ ما سمعته في حياتها، لديه إفراطٌ بالتعبير يسكرها ويجلب لها الدوخة والدوشة. الآن وبعد مرور كل هذا السنوات من الفيضان الأخير بينهما، يسألها غض ضوء البصر والصوت

  • إذا ممكن نتلاقى في ذات مساء يا (نشوى)؟

سمراء حين تنهض تراقص الأشياء من حولها، عيونها مكحولة بالطبع ذاتياً ورمشاها آسرينِ من سواد حالك صامت وغارق في لحاء الليل حين يبلغ ذروته لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه، قوامها كاسر كشعلة من الصلب تنذر بالحريق، لديها أنف كأنه القيامة حين تستقيم ساعتها، وجهها سكون العمر وفرج الحياة بعد ضيقها..

(نشوى) ذات الصوت الذي لم يفارق مخيلته،لها هيبة واقتدار بجمال غير عادي، لكنني حين رأيتها تخرج قداحتها وتشعل سيجارتها الرجولية البضة، أيقنت أنها سكيرة لرجل ما قد حولها من زهرة يافعة صباحية ومشرقة إلى كومة من ارتدادات الأثر الذاتي حين تنهار عليك الحياة وتقسو بك فيفتك بك ضوءك ويحرقك منك وإليك، الآن هي أسيرة لذاك الرجل.

رأيتها على طاولة منزوية في مقهى (………)، بداية لم أتعرف عليها حين أبصرتها

أحزنني هذا المنظر وأثار حفيظتي بشدة…تحركت نحوه متشدقة بغضب السنوات، وطيف (عزو) البائس يحوم حولها، وكلماته الصادمة تتراتب في عقلها وقلبها، صفعته بقوة واستدارت عنه و و

  • ما عرفتيني؟ أنا (محمد) ود جيرانكم في الحلة زمان (يانشوى)؟

عن محمد حامد محمد

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً