حلم الدرويش

6bbc516f808f052961913cbb0d51f727

**

قبل أن ينطق عابد بالحلم الذي تذكره البارحة لم يكن ﻷحد من السكان المحليين المخيلة الجريئة كمخيلات المراهقين ليقولها، بل مجرد التفكير في ذلك كان يبدو جنوناً بالنسبة لهم: زوجة الملك الصغرى ذبحت بناته. قالها نبي المساكين العاطل بفمه الخالي من الأسنان كرضيع، حاسمة ونهائية كمراسم دفن، بينما لمعت عيناه ببريق فاضح رغم غشاوة العمش التي تلتصق بهما منذ الميلاد كعار والتي بسببها نادراً ما تريان لكنهما لا تخطئان الأحلام على ما يبدو.

ثم لم يكن ﻷحد أن يصدق ذلك، فبالإضافة إلى أن لا أحد يصغي عادة لما يقوله المخابيل الفقراء فان حكيم البلاد نفسه الطاعن في حكمة قوست ظهره حتى بدا كسيف عربي سيعتبر مجنوناً ببساطة لو أنه قال شيئاً كهذا: رأيت مرام ذاهبة في اتجاه آبار القلعة فجراً وهي تهش أمامها بنات الملك كثيران مطيعة في طريق العودة إلى الحظيرة دون أن تعرف أنها في الطريق إلى الذبح. صحيح أنه لم ير نصلاً لكنه قال بأنه قد رأى الموت محلقاً على رؤوسهن الخمسة: خفيف و شفاف بصفرة تثقله، واضح كشعاع الأصيل الأول عندما لمع على شعورهن المسترسلة، قاطع وحاد كشفرة.

ولولا أنه في اليوم اللاحق وجدت الفتيات شاحبات و منقوعات في مجرى ضيق على الجانب المقابل لحقل البصل الغربي كأعشاب بحرية ذابلة بشعورهن المموجة و نحورهن البيضاء المجروحة لما أصغت آذان أهل السوق والمدينة السفلية لهضربات الدرويش، ولما أيده بإلحاح البعض لتأكيد نظرتهم القديمة التي ادعت المعرفة الجيدة بالناس ولو كانت من خلف الأسوار العالية للقصور أو الستائر المسدلة على الشبابيك المذهبة لعربات الموكب الملكي. ليقولوا وقتها و برغم الوداعة اللاذعة لملامحها بأن الزوجة الجديدة للملك شريرة و دون أية أسباب واضحة.. فقط كأفعى.

وعلى الرغم من أن ما حدث بعدها يؤكد نبوءة الدرويش لا جنونه إلا أن شعب القلعة العالية لم يكن ليتخيل في أسوأ كوابيسه أن الأميرة بخدودها المتوردة كتفاح طازج هي قاتلة بدم بارد، قبل أن يصحو بطمأنينة القيلولات القصيرة كنغمة منخفضة و يحولوا القصة إلى خرافة لا تميل لقصها الجدات على الصغار الذين لم تخطئ أعينهم في الطريق للحقول أشجار اللبلاب البري والورد المتوحش الذي نما على أربعة قبور فخمة بالحجم الصغير في ساحة القلعة الخلفية، حتى بات من التعصب المرضي مجرد التفكير بأن مرام الفراشة المحترقة في هشاشتها قادرة على الذبح كجزار مديون، رغم نفيها الذي تم إلى ما وراء الصحراء في الساعات الأولى من الصباح الذي جاء حاملاً أضخم جنازة في تاريخ ممالك القلاع العليا على أكتاف هزيلة لحكمة متخثرة تفوح منها رائحة الدم الملكي تقول بأن الملوك لا يقومون بإعدام زوجاتهم، خصوصاً و لو كن صغيرات. في الحقيقة أغلبية الناس لم تعتقد قط أن مرام قاتلة، و لاسيما العقلاء منهم فقد كانت الأميرة امرأة كاملة و مذهلة كمخيلة فاسقة، منحوتة إلهية بديعة و جميلة جداً حتى لتظن أن الله قد خلقها بيديه العاريتين.

عن الفاتح طه

mm
قاص من السودان

أضف تعليقاً