حميميّة

%d9%83%d8%a7%d8%b1%d9%81%d8%b1

• تأليف: ريموند كارفر*

• ترجمة: محمد عبدالنبي

لديّ بعض العمل في الغرب بالمصادفة ، وهكذا أتوقّف في هذه البلدة الصغيرة ، حيث تعيش زوجتي السابقة. لم يـرَّ أحدنا الآخر خلال أربعة أعوام. لكن بين الحين والآخر ، كلما ظهر شيءٌ لي ، أو كُتب عني في المجلات والصحف – بورتيه أو حوار صحفي – أرسلتُ لها تلك الأشياء. لا أدري ماذا كانت نيتي وراء ذلك ، لكني فكّـرتُ أنها قد تكون مهتمة. وعلى كل حال ، فهي لم تردّ عليّ قط.
إنها التاسعة صباحاً ، لم أتصل تلفونياً ، والواقع أنني لا أدري ماذا سأجد.
لكنها تدخلني. لا تبدو متفاجئة. لا نتصافح ، طبعاً لا نتبادل القُبَل. تأخذني إلى داخل غرفة الجلوس. ما إن أجلس حتى تحضر لي القهوة. ثم تمضي بأفكارها. تقول إنني تسبّبتُ في حسرتها ، جعلتها تشعر أنها مفضوحة ومُهانة.
من دون أدنى شك أشعرُ أنني في البيت تماماً.

تقول : ”ثُـم إنك تورطتَ في الخيانة مبكراً. دائماً ما كنتَ معتاداً على الخيانة“. ”كلّا“ ، تقول. ”ليس صحيحاً. ليس في البداية ، على الأقل. كنتَ مختلفاً حينذاك. ولكني أظن أنني كنت أيضاً مختلفة. كل شيء كان مختلفاً“. ”كلا ، كان هذا بعد أن بلغت الخامسة والثلاثين ، أو السادسة والثلاثين ، أو متى ما كان ، في تلك الحدود عموماً ، موضع ما بعد منتصف ثلاثينياتك ، ثم انطلقتَ. انطلقتَ فعلاً. وأخذتَ تنتقدني وتوبّخني. كنتَ تُحسن القيام بذلك أيامها. لابدّ أن تكون فخوراً بنفسك“.
تقول : ”أحياناً يمكنني أن أصرخ“.
تقول ”أتمنى أن تنسى أنت الأوقات الصعبة ، الأوقات السيئة ، عندما أتحدث عن تلك الأيام. اقض بعض الوقت مع الأوقات الحلوة. ألم تكن هنالك بعض الأوقات الحلوة ؟“ ، ”أتمنى أن تتخلص من ذلك الموضوع الآخر. مللّت منه. سئمت السمع عنه. موضوعك المفضل“. تقول : ”ما فات مات ، وتحت الجسر مياهٌ جديدة ، مأساة ، نعم. يعلم الله أنها كانت مأساة وأكثر. ولكن لماذا نتركها تستمر ؟ ألا تتعب أبداً من النبش في تلك المسائل القديمة ؟“
تقول : ”اعتق الماضي ، بحق المسيح. تلك الجراح القديمة. لابدّ أنّ في جرابك بعض السهام الأخرى“.
تقول : ”أتعرف شيئاً ؟ أعتقد أنك مريض. أعتقدُ أنك مجنون جنون البق في السرير. «هاي» ، أنت لا تصدق الأشياء التي يقولونها عنك ، أم تصدقها ؟ لا تصدقهم ولو دقيقة واحدة“. ”اسمع ، يمكنني أن أخبرهم بأمر أو اثنين. دعهم يتحدثون إليّ عن هذا ، لو يريدون الاستماع إلى قصة بجَد“.
تقول : ”هل تنصت إليّ ؟“
”أنا مُنصت“ ، أقول. ”كلي آذان مصغية“.
تقول : ”لقد طفح كيلي حقاً ، يا مغفل ! مَن استدعاك إلى هُنا على كل حال ؟ لستُ أنا بكل تأكيد. ظهرتَ ببساطة ودخلت. ماذا تريد مني بحق الجحيم ؟ دم ؟ تريد مزيداً من الدم ؟ حسبتُك الآن قد شبعت“.
تقول : ”اعتبرني ميتة. أريد أن أُترك في حالي الآن. ذلك كل ما أريده حالياً ، أن أترك في سلام وأن أُنسى. «هاي» ، عندي خمسة وأربعون عاماً. خمسة وأربعون سوف تصير خمسة وخمسين ، أو خمسة وستين. دعني وشأني لو سمحت“.
تقول : ”لماذا لا تمسح السُّبورة وتنظفها وترى ما الذي تبقى لك بعدئذٍ ؟ لماذا لا تفتح صفحة جديدة ؟ واكتشف إلى أين قد يأخذك ذلك“.

تغلبها ضحكة عند هذا. أضحك أنا أيضاً ، ولكنه ضحك مُتوتر.

تقول : ”أتعرف شيئاً ؟ لقد واتتني فرصتي مرَّة ، ولكنني أضعتها. فقط أضعتها. لا أظن أنني أخبرتك بهذا من قبل. لكن الآن انظر إليّ. انظر ! تأملني جيداً بينما تسمع. أنتَ رميتني يا ….“.
تقول : ”لقد أحببتُك كثيراً ذات مرة. أحببتك إلى درجة الخبل. أحببتك أكثر من أي شيء آخر في كل هذه الدنيا. تخيّل ذلك. كم أصبح هذا مضحكاً الآن. أيمكنك أن تتخيّل ؟ كنا على درجة من الحميمية ذات مرة في الماضي لا يمكنني أن أصدقها الآن. أعتقد أن ذلك أغرب الأمور الآن. ذكرى أن تكون بتلك الحميمية مع شخص ما. كنا حميمين بما يدفعني إلى التقيؤ. لا يمكنني أن أتخيل أن أبلغ هذا القدر من الحميمية مع شخص آخر. لم أمر بهذا قط“.
تقول : ”بصراحة ، وأعني ما أقوله ، أريد أن أُجنَّب هذا من الآن فصاعداً. من تحسبُ نفسكَ بأي حال ؟ أتحسب أنك شخص مقدس أو شيء كهذا ؟ أنت لا ترقي لأن تلعق حذاءه ، أو حذاء أي شخص آخر. لقد كنت تقضي وقتك مع الأشخاص غير الصالحين يا مُحترم. ولكن ما أدراني أنا ؟ أنا حتى لم أعد أعرف ما الذي أعرفه ؟ أعرف أنني لم يعجبني ما كنتَ تواصل تقديمه من لومٍ وانتقاد“.
”أعرف ذلك جيداً. تعرف ما الذي أتحدث عنه ، صحّ ؟ كلامي صحيح ؟“
”صحيح“ ، أقول. ”صحيح مئة في المئة“.
تقول : ”سوف توافق على أي شيء ، أليس كذلك ؟ تسلّم بمنتهى السهولة. كنت دائماً هكذا. ليس لديك مبادئ ، ولا حتى مبدأ واحد. تقدم أي شيء لتجنب مشاجرة. لكن لا أهمية لذلك“.
تقول : ”أتذكر ذلك الوقت الذي رفعتُ فيه عليك السكين ؟“

تقول هذا بصورة عابرة ، كما لو كان هذا غير مهم.

”ليس بوضوح“ ، أرد. ”لابد أنني كنت أستحق هذا ، ولكني لا أذكر الأمر جيداً. هيّا ذكريني أنتِ ، احكِ لي عنه“.
تقول : ”بدأت أفهم شيئاً ما الآن. أعتقد أنني أعرف سبب وجودك هنا. نعم ، أعرف سبب مجيئك إلى هنا ، حتى ولو لم تعرف أنت. لكنك مكّار خبيث. تعرف سبب وجودك هنا. أنت في رحلة جمع المعلومات. أنتَ تتصيّد مواد لعملك. هل أقتربُ من التخمين الصحيح ؟ كلامي صحيح ؟“
”احكِ لي عن السكين“ ، أقول.
تقول : ”مادمت تريد أن تعرف ، فأنا في منتهى الندم لأنني لم أستخدم تلك السكين. فعلاً. نادمة حقاً وصدقاً. فكرتُ في ذلك وأعدتُ التفكير ، وأنا في غاية الأسف لأنني لم استخدمها. كانت الفرصة أمامي. لكنّي ترددت. ترددت فخسرت ، كما يقولون. ولكن كان عليّ أن أستخدمها ، وإلى الجحيم بكل شيء وكل إنسان. كان عليّ أن أحزّ ذراعك بها على الأقل. ذلك على الأقل“.
”حسنٌ ، لم تفعلي ذلك“ ، أقول. ”ظننتُ أنك سوف تجرحيني بها ، لكنك لم تفعلي. لقد أخذتها منك“.
تقول : ”لقد كنت دائماً محظوظاً ، أخذتها مني ثم صفعتني. ومع ذلك ، فأنا نادمة لأنني لم أستخدم تلك السكين ولو قليلاً جداً ، لكان هذا شيئاً تتذكرني به“.
”أتذكر الكثير“ ، أقول ، ثم أتمنى لو لم أقله.
تقول هي : ”ذلك هو محل الخلاف هنا ، إن لم تكن لاحظتَ. تلك هي المشكلة بكاملها. ولكن كما قلتُ ، في رأيي أنك تتذكر الأشياء الخطأ. تتذكر الأمور السافلة ، المخزية. لذلك ثار اهتمامك حين ذكرتُ مسألة السكين“.
”أتساءل إن كان يساورك الندم على الإطلاق. إن كان لهذا أي سعر في السوق في أيامنا هذه. ليس كثيراً ، على ما أحسب. لكن لابدّ أن تكون متخصصاً فيه الآن“.
”الندم“ ، أقول. ”لا يثير فيّ اهتماماً كبيراً ، لأقول الحق. الندم ليس كلمة أكثرُ من استعمالها. لا أعتقد بامتلاكها من الأساس. أعترف بأنني أحتفظ بمنظورٍ كئيب للأمور. أحياناً ، على أي حال. ولكن الندم لا أظن ذلك“.
تقول : ”أكنتَ تعلم ذلك ؟ أنت متحجّر ، وبارد القلب. هل سبق أن أخبرك أي شخصٍ بذلك ؟“
”أنت فعلت“ِ ، أقول. ”مرات لا تُعد“.
تقول : ”أنا دائماً أقول الحق. حتى ولو كان مؤلماً. لن تمسك عليّ كذبةً واحدة أبدا“ً.
تقول : ”كانت عيناي مفتوحتين منذ فترة طويلة ، ولكن كان الأوان قد فات حينها. أتيحت لي الفرصة لكني تركتها تترسرب من بين أصابعي. بل لقد فكرتُ لفترة أنك سوف ترجع. لماذا قد أفكر بذلك على أي حال ؟ لابدّ أنني جُننت. يمكن أن أبكي حتى أصفيّ ماء عينيّ الآن. ولكنني لن أمنحك ذلك الرضا“.
تقول : ”أتعلم شيئاً ؟ أحسبُ لو أنك تحترق بالنار الآن ، وأنك فجأة انفجرت باللهب في هذه الدقيقة ، فلن أرمي عليك دلو ماء“.

تضحك على هذا ، ثم ينغلق وجهها عابساً من جديد.

تقول : ”ما سبب وجودك هنا بحق الجحيم ؟ أتريد أن تسمع المزيد ؟ يمكنني أن أواصل لأيام. أظنني أعلم سبب ظهورك ، ولكني أريد أن أسمعه منك أنت“.

عندما لا أجيب ، عندما أبقى جالساً هناك وحسب ، تواصل هي.

تقول : ”بعد ذلك الوقت ، حينما رحلتَ ، لم يعد لشيء أهمية تُذكَـر. أي شيء. كما لو أنني لم أدرِ ما الذي خبطني فجأة. كأنني توقفتُ عن العيش. كانت حياتي تمضي ، وتمضي ، ثم توقفت وحسب. لم تتوقف تدريجياً ، بل صرخت متوقفة كالفرامل. فكرت إن لم أكن أساوي شيئاً بالنسبة له ، إذن ، فأنا لا أساوي شيئاً لنفسي أو لأي شخص آخر أيضاً. كان ذلك أسوأ ما شعرتُ به. ظننتُ أن قلبي سيتحطم. ماذا أقول ؟ لقد تحطم فعلاً. طبعاً تحطّم. هكذا ببساطة ، تحطّم. ومازال محطماً ، لو تريد أن تعرف. وهذا كل ما هنالك في كلمة وردّ غطاها. بيضي كله في سلة واحدة“ ، ”سلة أو دلّة. بيضي الفاسد كلّه في سلة واحدة“.
تقول : ”وجدتَ لنفسك شخصاً آخر ، أليس كذلك ؟ لم يلزمك وقتٌ طويل. وأنت سعيدٌ الآن. هذا ما يقولونه عنك على كل حال : «إنه سعيدٌ الآن». نعم ، أقرأ كل شيء ترسله! تظنني لا أفعل ؟ اسمع ، أنا أعرف قلبك ، أيها السيّد. طالما عرفتُه. عرفته حينذاك في الماضي ، وأعرفه الآن. أعرف قلبك من الداخل والخارج ، ولا تنسَ ذلك أبداً. قلبك دغلٌ ، غابة معتمة ، سطل نفايات ، لو تريد أن تعرف. فلتقل دعهم يتحدثوا إليَّ لو أرادوا أن يسألوا شخصاً عن شيء ما. أعرف طريقتك. فقط دعهم يأتون إلى هنا. وسوف أعطيهم ما يملأ آذانهم. فقد كنت شاهدةً هناك. قدمتُ خدماتي ، يا صاحبي. ثم كشفتني للفرجة والسخرية في ما تسميه عملك. بحيث يمكن لكل من هبّ ودبّ أن يشفق أو يدين. اسألني إذا ما اكترثت بذلك. اسألني إذا ما أحرجني هذا. هيّا ، اسألني“.
”لا“ ، أقول ، ”لن أسألك. لا أريد الخوض في ذلك“.
”لا تريد ، بكل وضوح ملعون !“ ، تقول. ”وأنت تعرف لماذا ، أيضاً !“
تقول : ”حبيبي ، بلا إساءة ، ولكن أحياناً أعتقد أن بوسعي أن أضربك رصاصة وأراقبك تركل“.
تقول ، لا تستطيع أن تنظر في عينيّ ، صحيح ؟
تقول : ”وهذا ما تقوله بالضبط ، لا تستطيع حتى أن تنظر في عينيّ حين أتحدث إليك“.
وهكذا ، لا بأس ، أنظر في عينيها.
تقول : ”تمام. لا بأس. الآن وصلنا إلى لموضع ما ، ربما. ذلك أفضل ، يمكن للواحد أن يعرف الكثير عن الشخص الذي يتحدث إليه من عينيه. الجميع يعرف ذلك. لكن أتعرف شيئاً آخر ؟ ما من أحدٍ في هذا العالم كله سيقول لك هذا ، ولكني أقوله لك. إن لديّ الحق. لقد اكتسبت ذلك الحق ، يا صغيري. اختلط الأمر عليك ، فظننت نفسكَ شخصاً آخر. وتلك هي الحقيقة البسيطة. ولكن ما أدراني أنا ؟ سوف يقولون هذا بعد مئة عام. سوف يقولون ، مَن تكون هي على أي حال ؟“
تقول : ”على أي حال ، لا شك عندي في أنك تظنني شخصاً آخر. أفق ، لم يعد لي حتى الاسم نفسه ! لا الاسم الذي ولدتُ به ، ولا الاسم الذي عشتُ به معك ، ولا حتى الاسم الذي كان لي قبل عامين. فما هذا ؟ عمّ يدور هذا كله ؟ دعني أقل شيئاً. أريد أن أُترك بمفردي الآن. أرجوك. تلك ليست جريمة“.
تقول : ”أليس لديك مكان آخر ينبغي أن تكون فيه ؟ طائرة ما تلحقها ؟ ألا يجب عليك أن تكون في مكان هو أبعد ما يكون عن هنا في هذه الدقيقة ذاتها ؟“
”لا“ ، أقول. ثم أقولها من جديد : ”لا ، لا مكان آخر. ليس لديّ أي مكان يجب أن أكون فيه“.

وعندئذٍ أفعل شيئاً ما. أمدّ يدي وأمسك بكم بلوزتها ما بين إبهامي وسبابتي. فقط ذلك. أمسّه فقط على هذا النحو ، ثم أسحب يدي من جديد. لا تتراجع هي بعيداً ، لا تتحرك.

ثم ها هو ما أفعله تالياً. أخرّ على ركبتيّ ، رجل ضخم مثلي ، وأتناول طرف ثوبها. ما الذي أفعله على الأرضية ؟ وددتُ لو عندي إجابة. لكني أعرف أنه الموضوع الذي يجب أن أكون فيه ، وها أنـذا هناك على ركبتيّ أمسك طرف ثوبها.

تظل ثابتة لدقيقة. ولكنها تقول : ”«هاي» ، لا بأس ، يا مغفل. تكون في غاية الغباء ، أحياناً. انهض الآن. أقول لك انهض. اسمع ، لا بأس. اجتزتُ ذلك الآن. لزمني وقت لأجتازه. ماذا تظن ؟ أظننتَ أنه لم ينتهِ ؟ ثم تدخل عليّ هنا وفجأة ترجع كل تلك الحكاية المقرفة كما كانت. شعرتُ بحاجة للتنفيس. لكنك تعرف ، وأنا أعرف ، أن المسألة خلصت وانتهت الآن“.
تقول : ”لفترة أطول من الـلازم ، يا حبيبي ، كنتُ بلا عزاء. بلا عزاء. ضع تلك العبارة في دفترك الصغير. يمكنني أن أؤكد لك أنها العبارة الأشـد بؤساً في اللغة الإنجليزية. على أي حال ، اجتزتُ الأمر أخيراً. الزمن سيّد نبيل ، هكذا قال رجل حكيم. أو لعلّها سيدة عجوز منهكة ، واحد منهما“.
تقول : ”عندي الآن حياة. إنها حياة من نوع مختلف عن حياتك ، ولكن أحسب أنه ليس علينا أن نقارن. إنها حياتي ، وذلك هو الشيء المهم الذي عليّ أن أدركه وأنا أتقدم في السن. لا تستاء أكثر مما يجب ، على كلٍّ. أعني ، لا بأس في أن تستاء قليلاً ، ربما. لن يضرك ذلك ، ذلك هو المتوقع بعد ذلك كله. حتى لو لم تستطع أن تحمل نفسك نحو الندم“.
تقول : ”الآن عليك أن تنهض وتخرج من هنا. سوف يصل زوجي قريباً لتناول غدائه. كيف أشرح له شيئاً كهذا ؟“

إنه لجنون ، ولكني ما زلتُ على ركبتيّ ممسكاً بطرف ثوبها. لن أفلته. كأنني كلب «تريير» صغير ، ملتصق بأرض الحجرة. كما لو كنت لا أستطيع الحركة.

تقول : ”انهض الآن. ما الأمر ؟ مازلتَ تريد شيئاً مني. ماذا تريد ؟ تريدني أن أسامحك ؟ ألذلك السبب تفعل ما تفعله ؟ أهو كذلك ، صحيح ؟ لذلك السبب قطعت كل هذا الطريق. ومسألة السكين أنعشتك ، أيضاً. أعتقد أنك كنت قد نسيت ذلك. لكنك احتجت إليّ لتذكيرك. «أوكي» ، سأقول شيئاً إذا كنت ستذهب فورا“ً.
تقول : ”أنا أسامحك“.
تقول : ”هل أنت راضٍ الآن ؟ عليك أن تذهب. هيا يا مغفّل. قلتُ إنني أسامحك ، يا حبيبي. بل لقد ذكّرتك بحكاية السكين. لا أستطيع أن أجد شيئاً آخر يمكنني فعله الآن. كل أمورك طيّبة. كفطيرة ساخنة ، يا صغيري. هيا الآن ، يجب أن تخرج من هنا. انهض. لا بأس. مازلت صبياً ضخماً ، صحيح. إليكَ قبعتك ، لا تنسَ قبعتك. لم تعتد قط أن تضع قبعة. لم يسبق لي في حياتي كلها أن رأيتك تضع قبعة من قبل“.
تقول : ”أنصت إليَّ الآن. انظر إليّ. أنصت بانتباه لما سأخبرك به“.

تقترب. إنها على مسافة ثلاث بوصات من وجهي. منذ زمن طويل لم نكن بهذا القرب. أتنفس تلك الأنفاس الصغيرة التي لا يمكنها سماعها ، وأنتظر. أظن أن قلبي يتباطأ قليلاً ، أظن.

تقول : ”فقط احكِ هذا كما يجب عليك ، أحسبُ ذلك وانسَ ما تبقى. كما كان الأمر دائماً. كنت تفعل ذلك لفترة طويلة ، والآن يجب ألّا يكون صعباً عليك“.
تقول : ”خلاص ، لقد انتهيت. أنت حر ، صحيح ؟ على الأقل أنت تعتقد ذلك. حرٌ أخيراً. تلك نكتة ، لكنك لا تضحك. على أي حال ، تشعر بأنك أفضل حالاً صحيح؟“

تسير معي في الردهة.

تقول : ”لا يمكنني أن أتخيّل كيف أشرح هذا لزوجي إذا وصل في هذه الدقيقة ذاتها. ولكن مَن مازال يكترث لهذا حقاً ، صح ؟ في التحليل النهائي ، ما من أحد يهتم بعد. علاوة على ذلك ، أعتقد أن كل ما يمكنه أن يحدث على ذلك النحو قد حدث بالفعل. اسمه «فِرد» ، بالمناسبة. إنه رجل محترم ويكدح لكسب عيشه. إنه يهتم بي“.

تسير بي نحو الباب الأمامي ، الذي بقي مفتوحاً طوال هذا الوقت. الباب الذي كان يسرّب النور إلى الداخل والهواء الطلق لهذا الصباح ، وأصوات الشارع ، كل ما تقدم تجاهلناه. أنظرُ إلى الخارج ثم ، يا يسوع ، هنالك هذا القمر الأبيض معلّق في سماء النهار. لا يسعني أن أتذكر متى رأيتُ شيئاً بديعاً كهذا. لكني أخشى أن أعلّق عليه. حقاً. لا أدري ما قد يحدث. ربما أنفجر في البكاء حتى. ربما لا أعي كلمة أقولها.

تقول : ”ربما ستعود ذات وقت ، وربما لا تعود. سوف يتلاشى هذا ويذوي ، أنت تعرف. قريباً جداً سوف تبدأ الشعور بالاستياء من جديد. ربما سوف تجعل من هذه قصة جيدة. لكنني لا أريد أن أعرف ذلك إن حدث“.
أقول : ”وداعاً“. لا تقول هي أي شيء. تنظر نحو يديها ، ثم تضعهما في جيبي ثوبها. تهز رأسها. تعود إلى الداخل، وهذه المرة تغلق الباب.

أسير مبتعداً على طول الرصيف. بعض الصغار يتقاذفون كرة في طرف الشارع. لكنهم ليسوا صغاري ، ولا هم صغارها أيضاً. أوراق الشجر تلك في كل موضع ، حتى في قنوات المزاريب. أكداسٌ من أوراق الشجر حيثما نظرت. تتساقط عن الأغصان بينما أسير. لا أستطيع أن أخطو خطوة من دون أن أضع حذائي في أوراق الشجر. شخصٌ ما سيكون عليه أن يبذل جهداً ما هُنا. شخص ما عليه أن يحضّر مجرفة ويعتني بهذا.

 

 

*روائي وقاص أمريكي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً