الرئيسية / احدث التدوينات / نرسيس الأكذوبة

نرسيس الأكذوبة

bhnmpcwcaait-_u

الموت أعجوبة من عجائب الحياة ، هكذا يراه البعض ، يمكنني أن أتفق مع تلك الرؤية ، أعجوبة هو حقاً كذلك ،لكن لا تسألني لماذا؟

فلابد أن هنالك الكثير من الأشياء التي تتقبلها دون أن تنتبه انك لم تطرح هذا السؤال ، أمور لا تقبض لها بمبرر، تحب ، تكره ، تضحك وتصاب بالخيبات كثيراً دون أن تتساءل لماذا يكتنفك هذا الشعور حيال أمر ما دون آخر قد ينتج شعوراً مختلفا لدى آخرين أو لا شيء على الإطلاق ، ولكنك تترك بعض الأشياء لتمضي ، أليس كذلك؟

مثلا يحدث أثناء مرورك بأي مكان أن ترى كلباً نافقاً على جانب الطريق ، فلا تتساءل لماذا قرر ذلك الكلب أن يموت هناك تحديداً ؟

ولكنك تكتفي بأن تضع يدك على انفك محاولاً تجنب تلك الرائحة الكريهة ومشيحاً بناظريك بعيداً لتتناسى ذلك المنظر الكئيب للكلب الميت .. ويحدث أيضاً أن ترى موكباً جنائزياً صادفته في طريقك إلى وجهة ما ، فتختلق تعارفاً عارضاً مع بقعة الأرض التي تقف عليها ، مفلتاً مسحة الحزن التي تجتاح دواخلك للحظات ، ثم تتركك لتلحق بالموكب ، علها تقتنص شخصاً أخر صادف الموكب وهو في طريقه إلى وجهة أخرى .. من الملاحظ أن ذلك يجري بتلقائية ، دون أن نواجه أنفسنا بالسؤال ، ولكن هنالك دائماً ذلك الشخص المسكون بروح الفضول والمهووس بطرح الأسئلة حتى لأكثر الأمور تفاهة ، يصدف أن يكون احد الآخرين الذين تعثروا بالموكب في طريقهم . لكنه لا يفعل كما فعلت ، إنما يقف للحظة ليصنع بناظريه نصف دائرة ، متابعاً الموكب من بداية الطريق إلى أن يختفي عند نهايته ، ثم يمضي متكدر المزاج ، لسبب لا يدرك كنهه.

يذكر أنه منذ وقت لا يمكن ذكره ، مر بنوبة أخرى مشابهة ، هادرة ، تلبست الجو، منعته اختلاس أسهل الخواطر بهجة ، بليلةٍ بدت طويلة ، باردة وأيضاً محرضة لاجترار كل ما يكتنفه العالم من أفكار وهواجس مثيرة للقلق ؛ ولأن الطريقة الوحيدة والممكنة ، والتي اعتاد أن يتجنب عبرها الوقوع في هذا المأزق ، كانت في الخلود إلى النوم ، قرر أن يهِب إلى الفراش .

ما لبث أن تمدد عليه مغمضاً عينيه ، مستهلاً بعد الخراف التي بدأت بالتقافز في خيالاته ، حتى تملكته حالة غامرة من السكون ، لقد كان يحلم بأنه يضحك .

بفضاءٍ هلامي غريب كغرابة المخيلة ، حيث بدأ السير على قدمين أشبه بالوقوف على حافة برجٍ شاهق في مواجهة ريح صريمية مستلهمة تحط برحالها في جوف العظم مباشرة .

رأى فيما يرى النائم أن مدينته التي ترعرع فيها قد خلعت رداءها المعتاد ، وأن الحقيقة التي ظن انه قد قبض عليها ، أضحت مجرد أثر ، فكل شيء قد انعتق عن ذاته ولم يعد عالقاً فيه ، حتى الكلمات الساخطة والمدببة التي ظن أنها لا تخرج عن خلد إنسان طالما انه لم يضق ذرعاً بالحياة رآها عاطلة عن العمل ، تتكئ على زاوية ما ، منطوية على نفسها وعن المارة الذين أعمتهم السعادة البادية على وجوههم عن الالتفات ، هكذا تبدل حال كل شيء ، الشوارع نظيفة والأبنية القديمة والمهملة صارت أكثر ألقاً ، وياللهالة الجامحة التي أغرقت كل شيء بالجمال وكأنما غسلت روح الأرض من كل دنس ، حتى أن الشمس الحارقة التي طالما ألفها، راحت تتوارى بخجل ، وعلى نحو رائع ، خلف الغيوم الزاهية التي بدت أشبه بكريات قطنٍ مشتتةً على صفحة السماء بتناثر جليل ، يبهج قلوب الصبيات، ليختلس العالم ابتساماتهن المترعة باللطف ، فيفيض بامتداد الدهشة المحيطة بكل ما فيه برونق ملائكي حميم .

تلصص النهر على المشهد ، تلصص لوهلة ثم أحتله بالكامل ، لم يدر كيف وجد نفسه يقف بمحاذاته ، النهر الذي اعتاد الركض فوق طبقة من الطمي معكراً صفوه ، كان رائقاً إلى حد يقود إلى الظن بأنه قد نضب فأضحى مجرد مجرى فارغ ، لولا الأسماك الملونة والكائنات اللدنة التي كانت تسبح فيه لرجح ذلك حتى حين لاحظ انعكاس صورته على سطح الماء ، والتي لما دقق النظر إليها أكثر، تبين أنها ليست له ، وهو الذي يقف على حافة اليابسة لا أحد سواه ، إنما انعكاس لشيء آخر حياة أخرى لم تكن تخصه ، وكخاطرة وميضية ، تذكر تلك الأسطورة التي تحكي عن فتى جميل ، يذهب كل يوم ليتأمل جمال وجهه في مياه إحدى البحيرات مفتوناً بصورته إلى درجة أنه يسقط ذات يوم في طرف البحيرة فيغرق ، وفي المكان الذي يسقط فيه تنبت زهرة .

تقدم بوجل مغادراً اليابسة نحو منتصف النهر وإذا بالنهر يبارك تلك الخطوات باحتوائه أكثر وأكثر ، حتى غطى منسوب الماء ما بين فخذيه حينها ، غمره شعور غريب، صحبته ارتعاشة مبهمة غزت كل ربوع الجسد، هنا تماماً كان لابد له أن يستيقظ .

لعله راح يتساءل حول ما رآه بهلع ، نحن أيضاً فعلنا ، ولكن ولسوء في التقدير وعلى نحو غير متوقع ، تفاجأ بأنه قد أضحى مجرد صورة مسطحة ، تضطجع على الفراش ، منعكسة على سقف الغرفة ، تلك الصورة تحديداً كانت تخصه ولكنها صورة بلا جسد أو تكاد تكون أقرب لهيئة الجسد ولكن ببعد واحد ، بصعوبة بالغة استطاع النهوض متخذاً وضع الجلوس ، أصحبت تلك المحاولة فرقعة خفيفة تلمظها جسده المسطح ، عندها بهت لانعكاس صورته وقد انتقلت إلى الحائط المقابل للفراش ، حدق نحوها مندهشاً لغرابة النظرة الباردة التي رمقته بها على خلافه ،فكر انه مازال يحلم ولكنه لاحظ أيضاً أن كل شيء رابضٌ في مكانه ، تماماً كما تركه بالأمس، خزانة الملابس المتهالكة المصنوعة من خشب الزان النافذة المشرعة ترحيباً بالنسيم البارد والذي ما عاد يشعر به ، كتبه الموضوعة على الطاولة بعشوائية دون ترتيب ، لا أدري كيف يمكنني أن اصف ذلك الشعور الذي اعتمر بنفسه ، حيرة ، خوف ، ضياع ، صدمة مرعبة تغتال كل محاولة للفهم ، لكنني أعلم أن أكثر الأشقياء فصاحة ودقة في الوصف لن يجد سوى أن يقول : اللعنة انه شعور لا يمكن وصفه .

في كل نظراته الحائرة من انعكاساته المتشكلة في كل ما يحدق فيه ، لا يمكنك سوى أن تخرج بشيء واحدٍ مرده الخوف أو ربما التعب، لقد ضجر من ملاحقة الإجابات ، قرر التسلل إلى الشارع إلى العالم الصاخب والوجوه المكفهرة في محاولة منه بأن لا يثير الرعب بين أفراد أسرته ، رمق المنزل بنظرة وداع أخيرة ثم مضى لا يدري إلى أين ولكن حسبه أن الشارع كان خالياً من المارة فالصباح في أوله والسماء بزرقتها الوادعة بدأت تكنس ظلمة الليل لتصطبغ بضوء الشمس الخجول ، ومنذ تلك اللحظة لم يشعر بالوقت ولا بالأميال التي قطعها سيراً عابراً الأزقة ، الممرات ، الأنفاق ، الميادين ، السكك الحديدية ، ولأول مرة فعل ذلك بمحبة خالصة وهو يرى انعكاساته تتخلق في كل حائط وجدار يمر بجواره ، وبتعابير مختلفةٍ في كل مرة ، كان ذلك قبل أن يكتشف فجأة أن المدينة قد خلت من كل بشر ، عندها خاب ظنه ، لما تملكته من رغبة في أن يرى تلك التعابير التي سترتسم على وجوه الخلق بمجرد رؤيتهم له ، متناسياً عد انعكاساته التي خلفها طوال مسيرته ، حتى بلغ مجرى النهر .

كان ذلك قبل أن يتفاجأ بمشهد مهيب أيقظ كل تساؤل في نفسه لدرجة انه قد تناسى حالته الراهنة ، عشرات ..مئات ربما آلاف المواكب الجنائزية بلا مشيعين ، بل مجرد جنائز تشيع جنائز تغادر اليابسة نحو منتصف النهر في صف زمني طويل لا منتهي ، لقد أدرك بذلك أنه خلف وراءه دون أن يدري مدينةً ممتلئةً بشخص واحد، أظنه حقاً لم يكن فخوراً بمدينته .

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً