الرئيسية / احدث التدوينات / إننا ضعفاء فكريًا ، ضعفنا في لغتنا العربية

إننا ضعفاء فكريًا ، ضعفنا في لغتنا العربية

753-5020%d8%ad%d8%b1%d9%88%d9%81-%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9

وكيف تقرأ..؟

.. اقرأ بلسان عربي مبين

ثم ماذا..؟

الإبانة فكرة ..

ثم ماذا..؟

لغة الضاد لغتي..

كان النقاش بينهما كذلك..

غير أنهما مازالا يتهامسان..

هل ضعفنا في اللغة العربية..؟

قالا : نعم..

ولكن لماذا..؟

لأننا ضعفاء فكريًا،ضعفنا في لغتنا العربية ، ثم ضعفنا حضاريًا وإنسانيًا،اللغة هي تعبيرنا، فإن ضَعُفتْ ضعف كل شيء فينا..

في الخلوة ، ترتبط باللغة العربية وتجويدها ،إن عشقتها فأنت قارئ بفهم عالٍ للقرآن الكريم ، هكذا قال لنا شيخ الخلوة الماحي السبكي ، فهم عالٍ للجملة التي مازالت معي ، إذن لتعرف القرآن الكريم عليك باللغة العربية ، أعرفها بفهم عالٍ ، ثم رؤية ثم انطلاق بها لكل المعارف العربية ،هي النصيحة التي كانت رمزية في معنى وإشارة في مبنى

اللغة العربية صعبة في كل شيء ، العقل يقول هذا ، القلب يكذبه ويهمس هي لغة القرآن الكريم  من هنا فمحبة كل لغة إن كانت من القلب فهي الراسخة وهي الراجحة ، تعرفها بالقلب لتنجح فيها ، ثم تقول للعقل هي لغتي ، كانت تلك فلسفتي وأنا أقرأ اللغة العربية معارفًا وبلاغة ونحوًا وبديعًا ، قراءة لتعرف ثم تكتشف ، اللغة يتم تعلمها بعمق هكذا ، بغير ذلك فأنت قارئ فقط ولست عارفًا بها ، وكان يقيني المعرفة هي الطريق ، ثم قلت لنفسي وهل اللغة العربية إلا شعرًا ثم بلاغة ، وكان مدخلي الشعر والأدب وبهما تكتشف اللغة بكل اتجاهاتها ، وتفاصيلها ، الشعر الجاهلي ثراء اللغة العربية مفردةً وتركيبًا ومعاني ، كنت أقرأه بدهشة ، كانت حياتهم لغة فصيحة ، كيف تحقق لهم ذلك ، سؤال ليس للإجابة ، بل لمزيد من الاكتشاف ، قرأت المعلقات وتاريخها وشعراءها ، هي عشرة بإضافاتها ، وهي :

قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ ومَنْزِلِ (امرؤ القيس)

لخولة أطلال ببرقة ثهمد، لـ (طرفة بن العبد)

آذَنَتنَـا بِبَينهـا أَسـمَــاءُ (الحارث بن حلزة)

أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَـةٌ لَمْ تَكَلَّـمِ (زهير بن ابي سلمى)

أَلاَ هُبِّي بِصَحْنِكِ فَاصْبَحِيْنَـا (عمرو بن كلثوم)

هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ منْ مُتَـرَدَّمِ (عنترة بن شداد)

عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَـا (لبيد بن ربيعة)

ودع هريرة إن الركب مرتحل، ل (الأعشى)

أقفر منا أهله ملحوب، لـ (عبيد بن الأبرص)

يا دارمية بالعلياء والسند لـ (النابغة الذبياني)

فيها تكتشف عمق الشاعر اللغوي من موقف ، صراع أو مدح وهجاء وفخر، والبكاء أيضًا ، منها تعرف كيف تمارس التعليل شرحًا ، والشعر تذوقًا ، واللغة إبانة والنحو ضبطًا ، وكل واحدة لها من الإشارات ما هو أجمل ، أو جميل لغة وتعبيرًا ومحاولة قراءة تأريخ عبر معلقة ، ومعرفة لغة ومعنى كلمة وكيف تكون في سياقات مختلفة .

لكل معلقة طعم تذوق خاص بها للغة العربية ، ولكل شاعر طَرفٌ من اللغة العربية ، يحدث انحياز لمعلقة ما ، لفكرة ما ، لكن لما تقول لنفسك والثانية أجمل ، تأتي الثالثة لتقول لك : (وهل اكتشفتني أنا) ، كل معلقة فيها خاصية جذب للقراءة والاكتشاف ، لن تعرف لغة إلا بخاصية أنك مكتشف ، كن مكتشفًا تكن عالمًا في اللغة ، ثم حين تكون بين ثنايا كل معلقة اكتشف صخب هذا ، تجليات ذاك ، حكمة هذا وفخر ذاك ، صياغة اللغة بمعرفية راسخة وبلاغة ونحو وصرف وهكذا كلها.

وفي مدرسة النيل الثانوية بعطبرة ، يومًا ما سألت معلم اللغة العربية هاشم البشير عن سياقات في معلقة عمرو بن كلثوم ، وكان يعلم قراءتي للمعلقات ، وتصنيفي لها وتساؤلاتي فيها وعنها وعن تفاصيل تكوينها التأريخي واللغوي والمعرفي ، كنت أكتب له مدارسة عن أبيات معينة ، ليناقشني فيها ويعطيني إجابات لغوية تعليلاً لتراكيب أو تشبيه أو غير ذلك.

قلت له : أحس أن في معلقة عمرو بن كلثوم إشارات تستحق الدراسة لغويًا ووصفيًا ، يمكن أن نخرج بذلك من قراءتنا للآتي :

تُريك إذا دخلت على خلاءٍ وقد أمِنتْ عيون الكاشحينا

ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينا

وثديًا مثل حُق العاج رَخصًا حَصانًا من أكف اللامسينا

المُتحدَث عنها أنثى ، ودلالة السؤال عندي عن مدى صدق الشاعر في كلمتي (رَخصًا وحَصانًا) ، فالأولى تعني لينًا ، والثانية اسم فاعل من الفعل حَصَن ، فكيف يستقيم المعنى ضمنيًا هنا ، كان سؤالي له ، فكانت إجابته : هذا (نعتٌ على التوهم) في وصف الثدي بوصف رَخصًا وتعليل بكلمة حَصانًا

من هذه النقطة ، دخلت محراب اللغة العربية كلغة لها القدرة على التوصيف والإيجاز بكثافة شرط أن تقرأها بفهم أنها كذلك ، تقرأ لتكتشف ، وهذه هي الميزة الايجابية ، ولو تركناها لضعفنا ، مشكلتنا أننا نقرأ اللغة العربية كلغتنا ، نمارسها ، نقولها ، نتخاطب بها ، نتناقش ، لكننا للأسف لا نعرف قيمتها الحقيقية كلغة ، لذلك لم نكتشف ميزاتها وضعف تناولنا لها كلغة لنا

ضعفنا وضعُفتْ فينا ثم في خطابنا ، لأننا لا نقرأها بعمق حقيقي ، ولا ندخلها في مناهجنا التعليمية بكثافة إنها لغة إبداع معرفي وتواصلي ، وتراجعنا مفاهيميًا في ذلك ، غابت دلالتها في إعلامنا ومناهج جامعاتنا ولغة دراستنا كلها ، غابت بشكلها الحقيقي وأصبحت لغة فقط وليست منهاج معرفي ولذلك يكتب طلابنا لغة عربية بلا معرفة وبلا علمية وبلا ممارسة لغوية فيها نحو وصرف وبلاغة وبديع.

إشكاليتنا في مناهجنا ، هي أنها عاجزة عن اكتشاف اللغة العربية ، لا تعرف قيمة تعليم اللغة كلغة أم بالنسبة لنا ، اللغة الأم هي لغة حضارة ولذلك معرفتنا بها يجب أن تكون كذلك ، تعريف كل الأجيال بها من هذا الباب ، ليس لتجويدها فقط ، بل لتكون تعبيرًا عن فهم حضاري راسخ في وجداننا جميعًا وأنها باب لمعرفة معارفنا الأخرى ، بمنطلق فهم حضاري باذخ حول اللغة العربية نستطيع إضافة معارفنا العربية للإنسانية ، معرفتنا بها كذلك هو الطريق لإعلام العالم من حولنا بها ، لكن بضعفنا هذا كانت معرفة العالم بنا ضعيفة ، العالم من وجهة نظري يحتاج لمعرفة اللغة العربية كلغة حضارية ولكن كيف..؟

كيف ، هذه ، لا تجيب عليها إلا رؤيتنا لها كلغة لنا ، من واقع ترسيخنا لها في الأجيال كمعارف ومناهج ، ضعُف مستوى اللغة العربية لأن مناهج تعليمنا الأساسية لا تعبر عن فهم تذوقي لجمالها ، وهذا هو بداية ضعفنا ، ثم في مناهجنا المتوالية لا ندرسها بوعي معرفي واكتشافي ولذلك يكون الدارس لها بين ضعف حقيقي في اتجاهاتها الجمالية وضعفٌ بائن في استخدامه لها لاحقًا كلغة تعبيرية في معارفة علمية أخرى

إشكاليتنا لن نستطيع حلها إلا بوعي أهمية اللغة العربية كلغة حضارية ، وهي لغة تستطيع الإسهام عالميًا وإنسانيًا في مجالات العلم والمعرفة ، فهل الوعي عندنا مكتمل بذلك ، هنا السؤال ، واقعنا ضعيف في دراسة هذه الإشكالية نفسها وعلى ذلك فطريقة معالجتها لن تأتي بالصورة المطلوبة ، مناهجًا ودراسات ورؤية ، ثم لغة تعبيرية بيننا وبين العالم .

عن هيثم الطيب الفقي

mm
صحافي وناقد سوداني متخصص في الفنون الأدائية...دبلوم عالي في الصحافة التنموية.. معهد البنك الدولي،واشنطن

أضف تعليقاً