الرئيسية / احدث التدوينات / الترجمة كفرشاة والعربية كلوحة

الترجمة كفرشاة والعربية كلوحة

site-86

 

” ولا يزال الكتابُ تتداوله الأيدي الجانية.. حتى يصير غلطًا صرفًا..

فما ظنكم بكتاب تتعاقبه المترجمون بالإفساد”

الجاحظ

مما لا يخفى على أي ناطق بالعربية أو دارس لها مكانة هذه اللغة ومزايها، فهو يعلم أنها اللغة الوحيدة التي تحوي حرف الضاد، وهي لغة التشريع الإسلامي ولغة القرآن الكريم،ولكن ما لا يعرفه معظم العرب أن اللغة العربية حتى في أصولها وحتى في كلماتها القرآنية تحوي كلمات ردفت إليها من لغات ولهجات أخرى. فالعرب لم تعرف البناء ولم يكن عندها مهندس التي كانت في أصلها الفارسي (مهندز) ولم تعرف الجص ولا السراديق ولا التنور،فالخلاء كان أرض العربي وموطنه والخيام كانت منزله ومسكنه، وكان لباس العربي الصوف والوبر فلم يعرف السندس والديباج وهذه كلها كلمات دخلت العربية من الفارسية لما احتكت الشعوب ببعضها سواء كان ذلك على صعيد التجارة أو الفتوحات، ومثلها من الهندية كانت الكلمات:قرنفل، فلفل وكافور وحتى الشطرنج. ولم يعتمد العربي على مقاييس وموازيين في صحرائه ولكنه حكم سليقته حتى باغته الرطل والأوقية والقيراط والدينار من اللاتينية ولحقها الصابون. وكان العربي على موعد مع اللبن والتمر في طبيعة كالطبيعة التي عاش فيها فلم يعرف الرمان ولا الزيت ولا الخمر ولا الكبريت التي اُقتبست كلها من الآرمنية، ولو أردنا أن نعدد كل تلك الكلمات التي قد يسميها البعض دخيلة لطال بنا الأمر وما انتهينا، ولكن هذه الدخيلة والتي يحاربها المتزمتون والمتشددون في العربية ما هي إلا نتيجة لتطور فطري نتيجة محصلة لتفاعل انساني سيمتد أبد الدهر.

ومع أن تعريف الترجمة كفرع علمي رسمي كان حديثًا إلا أن الترجمة كانت وستظل أداة تواصل وتخاطب على مستوى الشعوب و الدول، وقد كانت وما زالت وستبقى ضرورة وأهمية قبل أن تكون ترفًا كما يصفها البعض أو شغفًا كما يعاملها البعض الآخر، فكلمات كالسابقة لم تحتج سوى إلى تجار يحملون بضائعهم ويسافرون بها ويعودون ببديل عنها ولم يفكر كل منهم بأنه سيعود تلقائيًا بتجارة لغوية تستشري بلا مقابل مادي في بلده.

عين على التاريخ :

سيصعب علينا تتبع تاريخ الترجمة إلى العربية بدقة وكذلك غيرها من اللغات،فالمحاولات الشخصية والعابرة التي لربما كان لها أثر بسيط لا يُعتد بها ولكننا سنتدرج بلمحات سريعة على تاريخها ابتداءً بعصر صدر الإسلام. فبعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وحاجته لمخاطبة أمراء البلاد الأخرى ودعوتهم بدأت الحاجة الحقيقية لوجود مترجم يترجم من وإلى العربية فكان بطل تلك المرحلة هو زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه الذي قيل بأنه لازم النبي صلى الله عليه وسلم وبقي بين يديه يكتب الوحي ويتعلم ما يطلبه منه من لغات. ثم يأتي عصر الفتوحات وتوحيد الأقطار الإسلامية والمسلمون في حال حرب ولا يسلطون الضوء على الترجمة ويرفض عمر بن الخطاب رضي الله عنه تخصيص وقت لترجمة الكتب والمخطوطات لانشغال الصحابة بالفتح والقتال.

ثم تنتقل الدولة الإسلامية إلى نقطة فاصلة:الدولة الأموية،فالأوضاع مستقرة والبلاد بمعظمها موحدة وعندها ينتبه الخلفاء إلى أهمية العمل على فتوح من نوعٍ آخر ألا وهي الفتوح العقلية. ومع وجود مدرسة الإسكندرية بعلمائها اليونانين وبشتى أنواع العلوم التي لم تكن قد بلغت العرب كاملة يأمر خالد بن يزيد بحمل المواد والمخطوطات وترجمتها إلى العربية ويلحقه عبد الملك بن مروان وغيرهم ولنا أن نقول بأن الجهود الأموية كانت ممهدة وفاتحة الطريق لبداية عصر الترجمة العربية الذهبي: العصر العباسي، حيث أن التاريخ العربي لم يسجل ازدهارًا وتطورًا في عملية الترجمة على مدى العصور كلها كما في العصر العباسي،وأشهر سمات هذا العصر تلك المقولة الشائعة عن مكافأة الترجمة –التي يتمناها كل مترجم بلا استثناء- وهي أن توزن ترجمته ذهبًا ويصرف له. ومنذ وضع هارون الرشيد حجر أساس بيت الحكمة و من ثم طورها المأمون كان الهدف منها أن تكون منارةً ومنبعًا للعلوم والفنون، فالعرب في ذلك العصر عرفت الطب والكيمياء والفلك والخيمياء وأبقراط وسقراط وأرستو وغيرهم الكثير والكثير. ولم تقتصر الجهود على الترجمة فقط بل والتأليف والتصحيح والتعديل لتدور الدائرة ويقول من أخذوا عن العرب أن هذه الإضافات كانت عظيمة وأساس لعلوم الشق الآخر من العالم،ولما كانت الترجمة والمؤلفات في ذلك العصر ذات وزن في مجتمع فإن الأمر بلغ ببعض الأعيان أن تترجم الأعمال له وتنشر باسمه كما لو أنه ترجمها، ولم تقتصر الجهود على الدولة فقد أسس كبار المترجمون في ذلك العصر مدارس و وكالات لترجمة مختلف العلوم. والحديث عن هذا العصر لا تكفيه صفحات معدودة ولكننا نستطيع أن نقول بأن هذا العصر كان عصرًا مشرفًا للترجمة خاصةً والعلم عمومًا، فالجهود التي بُذلت سواء عبى المستوى العلمي أو اللغوي كانت لا تحصى ولو فقدنا منها الكثير،فالذين ترجموا عن تلك اللغات لم تقتصر جهودهم على المحتوى العلمي ولكنهم أيضًا صاغوا لنا أوزانًا لكل حقل علمي بناء على الجذور العربية الغنية ورصفوا لنا الطريق بأساليب ترجمة كانت الأساس والبناء لجهودنا الحالية.  ونختم الحديث عن هذا العصر بذكر أهم ميزاته أولها: أن الاهتمام بالعلوم وتفضيلها كان بناءً على اهتمام الحاكم واختياره، فالعصر الذي كان للخليفة فيه اهتمام بالفلك كانت تغمر الرفوف الترجمات في الفلك وهكذا، وثانيها: أن كل فرد كان يترجم حسب تخصصه، فالطبيب كان يترجم مخطوطات أبقراط الطبية والفيلسوف يترجم عن أرسطو وسقراط وهو  يُشابه ما ينادي به بعض مختصي الترجمة في العصر الحديث من أن يسلك المترجم مسلكًا ويحترفه .

أثر الفراشة :

 

لم يدون النحو وقواعد اللغة العربية إلا عند دخول غير العرب الإسلام،وكان العربي يدرس اللغة عن أبيه وجده وعن البادية، فلم يحتاج النابغة مثلًا لمعجم لسان العرب ليقيم قصيدة الخنساء في قبته في سوق عكاظ،ولم يحتج عثمان بن عفان إلى مدقق لغوي لرسائله إلى ملوك الأقطار والممالك ليدعوهم إلى الإسلام، ولما دخل غير العرب الإسلام وبدأوا يلحنون باللغة انتفض العرب ودونوا القواعد ووضعوا النقاط على الحروف ويمكن أن نعد هذا أول أثر من آثار الترجمة والاحتكاك اللغوي بين العربية وأخواتها. فعلى الرغم من الوجه المشرق للترجمة وازدهارها إلا أنها تخفي وجهًا آخر يهدد بافتراس العربية، فمنذ اشتعلت شرارة الترجمة إلى العربية و المترجمون واللغوين يحاولون سن صيغ وأوزان تناسب العربية ولا تخفي عذوبتها، فالأوائل وضعوا مقاييس للعجمة وكانوا يترجمون الألفاظ سماعيًا بنطقها اللاتيني وم ثم يسهبون في شرحها وآخرون لجأوا إلى التعريب والذي عده البعض خطرًا محدقًا بالعربية بل وقرر محاربته وتحرميه كونه يعبث بلغة القرآن، فيما وقف آخرون منه موقف الحياد فأقروا بضرورته حال الحاجة الملحة واستغنوا عنه حال ما أمكن، فيما سلك آخرون طريقًا ثالثًا كان أفدح فنعتوا العربية بعدم قدرتها على مجاراة التطور والرقي، وبكونها بالية و “أولد فاشن” وأن علينا أن نستبدلها بالانجليزية لنصل إلى مصاف الدول المتقدمة بل ونكتبها بأرقام وحروف لاتينية كما حدث في أقطار أخرى .

ونرد على كل هؤلاء قائلين: غدت الترجمة ضرورة وحاجة،والتعريب جزءٌ أكثر حاجة ونحن لا نستطيع أن ندرس مثلًا الكيمياء بدون أن نوجد متردافات للكبريت والصوديوم ولا الفيزياء بدون بديل للشغل ومكانيكا الكم و لا غيرها من العلوم، ولكننا يجب أن نحذر قدر استطاعتنا،فهل من المعقول أن لغة كالعربية بجذورها التي تُقارب الستة عشر ألف جذر تعجز عن تعريب أو ترجمة أي مصطلح كان؟ ولمَ يجب علينا دومًا أن نتخذ قرارات قاطعة كهذه ونوقف في وجه الموجة؟ فنحن لا ننكر ما ارتكبه المترجمون من جرائم لغوية بحق العربية:فمتى استخدمت العرب كلمة بواسطة وتم للتحدث عن الفاعل؟ ومتى عرفت قريش يلعب دورًا هامًا؟ وقام بالفعل؟ وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي صعبت العربية التي لطالما كانت سلسلة وموسيقية. نحن الخائفون على اللغة نطالب المترجمين بقدر أمانتهم في إيصال النص الأصلي أن يكونوا أمناء على العربية وألا يؤذوها ويؤذونا معشر القراء، لمَ استخدام كمبيوتر وهناك حاسب؟ لمَ بنك وهناك مصرف؟ ولا أنكر أن الضغط الواقع على المترجم طاحن فهو يبحث ويبحث ولا يجد كلمة مما يضطره إلا حلول تشعره بالذنب، فلو تجاوزنا مشكلة التعريب أو الترجمة لانتقلنا إلى مشكلة اعتماد المصطلحات وتعددها واختلافها باختلاف الأقطار وهو ما يُظهر التقصير الحاصل بحق اللغة،ونقص المصادر والمراجع والمعاجم،فالخطأ كله لا يقع على عاتق المترجم وحده :فهو المسؤول عن الترجمة وعن إيجاد المصطلحات وعن إيصال المعاني المبطنة والمظهرة في النص والحفاظ على اللغة بدون أن يزود هو نفسها بوقود ومتاع خلال رحلته الشاقة هذه وهو من يتلقى اللوم والسخط في نهاية الأمر دون تذكر أنه اجتهد وله أجر اجتهاده .

حاورنا عددًا من المترجمين أصحاب الشأن والحل والعقد في الترجمة فكانت الإجابات كالتالي :

 

كان ضيفنا الأول المترجم الأدبي والشاعر سامر أبو هواش والذي كان له بصمة في الأدب المترجم وتحديدًا الشعر الأجنبي لعددٍ من الشعراء غير العرب منهم : تشارلز بوكوفسكي، دوريان لوكس وغيرهم

‏كيف أثرت اللغة الترجمة على اللغة العربية وأصالتها سواء بالسلب أو الإيجاب ؟

لطالما كانت الترجمة جزءًا أصيلاً وتكوينياً في النتاج الإبداعي والعلمي العربي، وعطفًا بطبيعة الحال، في تطور اللغة العربية، فيجب ألا ننسى في هذا الإطار أن العرب هم أول من قادوا جهود الترجمة في العالم، حين انكبوا على ترجمة الآثار والأعمال الكلاسيكية اليونانية والفارسية والهندية وغيرها، وبدأوا ذلك الاحتكاك الملهم باللغات الأخرى، فأنتجوا للعالم مكتبة ضخمة ساهمت كما هو معروف في تمهيد الطريق لتطور العلوم والفنون كما نراها في عالمنا المعاصر. هذا الانتباه المبكر لأهمية اللغات الأخرى جعل العرب، وطوال عقود من الزمن، أكثر انفتاحاً على تلك اللغات وتفاعلاً معها، وانعكس ذلك ثراء جلياً في اللغة العربية نفسها، التي تحرّرت من البلاغة الكلاسيكية وانفتحت إمكانياتها الكامنة على آفاق أوسع جعلت اللغة العربية أكثر مرونة من كثير من اللغات في التعامل مع اللغات الأخرى.

ما العوائق التي تحد وتعيق من عمل المترجم إلى العربية ؟

لعلّ أبرز العوائق اليوم تتعلق بغياب المشاريع الثقافية التي يمكن أن تندرج الترجمة في سياقها. فنحن نجد الكثير من الفوضى والارتجال، إضافة إلى غلبة لغة السوق ومنطقه، وهذا يحدّ كثيرًا من فعالية الترجمة بما هي مشروع ثقافي في المقام الأول. الأمر الآخر هو أن الواقع الحالي، ليس في الترجمة فحسب، بل في النشر بصورة عامة، لا يمكّن المترجم أو الكاتب، من التفرغ لعمله، وبالتالي إنجازه بمزيد من الاتقان والارتقاء به وتطويره، إضافة إلى إنجاز المزيد من الأعمال، فهو يجد نفسه في الغالب مضطرًا إلى تنكّب أعمال ووظائف أخرى تعينه على العيش وتوفير رزقه ورزق عائلته، لتصبح الترجمة والحال هذه أقرب إلى الهواية منها إلى الحرفة أو المهنة، وهذا يتفاقم في ظلّ قلة أو ندرة مشاريع الترجمة الكبرى التي تدعمها دول أو حكومات أو منظمات، كما تتجلى المشكلة في غياب المعايير الحقوقية بين دور النشر المتنافسة، التي في الغالب تنتقص من حقوق المترجم، بدلاً من أن دعمه وتوفير مناخ صحي له للعمل والإنتاج .

أما من الناحية التقنية، فيمكن القول إن المترجم في زمننا هذا محظوظ أكثر من أيّ زمن آخر. إذ تتوافر له وسائل لم تكن متوافرة للأجيال السابقة، سواء من حيث توافر المعلومات وسرعتها، أو إمكانية الوصول إلى المراجع والكتب والدراسات التي تعينه في عمله كمترجم، أو كمّ البيانات والصور الموجودة على الإنترنت والتي تتيح له البحث عن حلول لمعضلات قد تواجهه في عمله كمترجم، فعلى سبيل المثال قد يجد المترجم مفردة بعينها في كتاب بعينه، فلا يجد لها مقابلاً واضحًا بالعربية، وبعملية بحث بسيطة عبر الإنترنت يتعرّف تمامًا إلى المعنى المحدد لهذه المفردة بما يساعده على نحت بديل مناسب باللغة العربية .

ما الأسرار التي اكتشفتها في اللغة العربية وفقاً لتجربتك كمترجم ؟

لا أستطيع الزعم أنني اكتشفت أية أسرار في اللغة العربية، إلا أنني اكتشفت مدى طواعية هذه اللغة للترجمة ومدى قدرتها على معالجة التحديات والمعضلات التي تطرأ. ولعلّ أبرز ما تعلمته من الترجمة إلى اللغة العربية هو الدقة والانضباط اللغويين، فالعربيّة لغة مترادفات في المقام الأول، لكنك لن تجد كلمة لها المعنى نفسه الذي لكلمة أخرى ولو أوحت ذلك أو لو فرض الفهم العام أو لغة الصحافة اليومية ذلك أحياناً، وهذه الدقة تعين على فهم أعمق للنص المنقول عنه، وتساعد كثيراً على إيجاد حلول حقيقية للمشكلات التي قد تواجه المترجم خلال عمله على نصّ معين .

اذكر لنا مواقف مرت بك خلال تجربتك ولم ينتبه لها الآخرون ؟

ليس هناك مواقف بعينها، بقدر ما هناك خلاصات واستنتاجات. فقد تعلمت من تجربتي في الترجمة حتى الآن، أن الترجمة لا يمكن أن تكون مجرد عملية “نقل” لغوي، بل هي حكمًا عملية ثقافية وفنية متكاملة، وما لم يفهم المترجم هذا الأمر فإن عمله سيبقى محكومًا إما بالترجمة الحرفية الجامدة وإما بإهمال الكثير من الجوانب المهنية التي تمنح عمله مصداقية أكبر. إذ كيف لمترجم على سبيل المثال أن يترجم نصًا عن الحرب الأهلية الأمريكية، دون أن يتزود بفهم كاف عن تلك الحرب وتفاصيلها، وبالمثل يستحيل التعامل مع نص بسيط من الناحية اللغوية مثل “كتاب الشاي” الذي ترجمته سابقًا ، من دون فهم العوامل الثقافية والتاريخية المتشابكة التي أدّت إلى إنتاج هذا الكتاب؛ فالترجمة كما أقول دوماً هي عملية متكاملة، وهي رحلة ثقافية في الوقت نفسه، وجزء من متعتها يكمن في خوض غمار هذه الرحلة، وعدم البقاء على السطح أو في الهوامش الخارجية، ومن المفيد هنا التأكيد أن أيّ جهد يبذله المترجم، خارج العملية التقنية للترجمة المباشرة، سوف ينعكس بصورة أو بأخرى على النص الذي يعمل على ترجمته ويمنحه المزيد من العمق والجمال، حتى وإن لم يكن ذلك ظاهرًا بصورة مباشرة .

ضيفنا الثاني كان الباحث والمترجم ظافر طحيطح وطالب الدكتوراة في دراسات الترجمة مانشستر فكانت إجابته على أسئلتنا :

ما الأسرار التي اكتشفتها في اللغة العربية وفقاً لتجربتك كمترجم ؟

كنت -ومثلي الكثير- أظن أن اللغة العربية لغة استثنائية في بلاغتها ومفرداتها وأصالتها. لعل ذلك كان نابعًا من تحيّزي للغتي ولعروبتي، ولكن بعد المزيد من الإطلاع على اللغات الأخرى وصفاتها وعلى علوم اللغويات المقارنة رأيت جوانب الاختلاف والتشابه بين العربية وغيرها فأدركت أن معظم آرائي كانت مبنية على أمنيات لا على دراسات وأبحاث، حاولت اختبار الفرضية لفترة من الزمن، فوجدتني أبحث عن ما يؤكد تحيزي هذا. وكما هو معروف في فلسفة العلوم فإن من أراد أن يختبر فرضية ما فليحاول تفنيدها، لا أن يحاول إثباتها. وعند محاولة تفنيد هذه الفرضية وجدت مدى هشاشتها وتهافتها، وللأسف كانت الترجمة أحد الأمور التطبيقية البارزة التي تظهر هذا التحيّز. لعل من الأمور التي أدركتها عن العربية أيضًا هي مدى تغيرها وتحولها تاريخيًا ، ومدى تأثرها وتأثيرها على غيرها من اللغات، فمفهوم الاحتكاك اللغوي (language contact) مثلاً يظهر لنا كيف أن أي لغة – بما ذلك العربية – هي كالكائن الحي الذي يتفاعل مع محيطه وسياقه التاريخي والسياسي والاجتماعي ويتغير باستمرار. وأيضًا فإن حركة الإنسان العربي المتجددة عبر التاريخ بحاجة لتحديث مستمر للغته بشكل يتناسب مع تطور الحياة والعلم والتقنية، فنرى ذلك مثلاً في التطوّرات الدلالية للألفاظ العربية حيث نجد ألفاظ قرآنية مثل (سيّارة) التي تطوّر معناها الدلالي من المعنى المشار إليه في سورة يوسف إلى أن أصبح مستخدماً للدلالة على المركبات الحديثة في عصرنا هذا، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا . فالترجمة في رأيي هي أداة تبيّن حقيقة اللغة العربية ومكانتها وجوانب ضعفها وقوتها لأنها توفّر معيار عملي لاختبارها .

كيف أثرت اللغة الترجمة على اللغة العربية وأصالتها سواء بالسلب أو الإيجاب ؟

تعاني حركة الترجمة إلى اللغة العربية حاليًا من ثلاث أمور رئيسية : تخلّف الحالة الثقافية للعرب، وضعف أدوات المترجم، والنظرة التاريخية لطبيعة الترجمة. أما بالنسبة لتردي الوسط الثقافي فهو أحد مظاهر تخلّف العرب الحضاري والذي يظهر في شتى المجالات كالفكر والعلم والسياسة والاقتصاد والمستوى المعيشي وغيرها. ولا يخفى على الجميع أن العديد من معايير التنافسية الدولية  تشير إلى هذا التخلف الثقافي بشكل صارخ، فكثير من الاحصائيات والاستطلاعات التي تنظر في نسبة أمية العرب ومعدل ما ينتجه ويقرأه العرب من كتب تظهر أرقامًا بائسة، والترجمة ليست باستثناء من ذلك، فنجد مثلاً أن اللغة العربية في فهرس الترجمة لليونيسكو تقع في المركز التاسع والعشرون على مستوى العالم كلغة مترجم إليها، وفي المركز السادس عشر كلغة مترجم منها، رغم أنها تعتبر من أولى اللغات عالميًا بحسب عدد المتحدثين بها. هذا الترتيب يشكّل مؤشر بسيط إلى مدى الانعزال الترجمي مع لغات العالم، خاصةً عندما نجد لغات مثل التشيكية والهولندية والنرويجية تتفوق علينا في الترتيب .
أما بالنسبة لأدوات المترجم، فالمترجم العربي ما زال يعاني من تخلّف المعاجم والقواميس العربية، رغم أن المجامع اللغوية الحديثة حاولت وتحاول ردم الفجوة التاريخية بين معاجمها وواقعها واستدراك ما فاتها ومجاراة غيرها من اللغات الحية معجميًا إلا أن العقبات التي تواجه تلك الجهود تدعو للإحباط، فالمصطلحات المترجمة مثلاً تجد تضاربًا لا ينتهي إلا ليبدأ بين مختلف الاقتراحات، فينتهي المطاف بالمصطلح إلى الخضوع لأمزجة المترجمين والمستخدمين لتلك المفردات، فيرفضون هذا المقترح الترجمي ويستثقلون ذاك، وكثيرًا ما ينتهي بهم المطاف إلى استخدام المصطلح الأجنبي لكيلا يتوه المعنى .
أما بالنسبة للنظرة التاريخية للترجمة فهي ترى الترجمة كجهدٌ لفردٍ متطوع منعزلٌ في صومعته مع قواميسه. وهذه النظرة التي ترسبت لعقليتنا المعاصرة، زهّدت الناس في هذا المجال وتأثيره والاستثمار فيه والإقبال عليه. وعلى الرغم من أن هناك كثير من المبادرات التي تنظر للترجمة كعمل جماعي مؤسسي إلا أنها لازم تحبي خطواتها الأولى، ويبدو لي أن النظرة الاستثمارية للترجمة كرّست هذا الضعف، فلا يُخرج العرب من هذا المأزق الحضاري إلا مبادرات تنظر للمدى البعيد وتدرك أثر الترجمة على مستقبل الحضارات، وليس أدل على ذلك من تجربة العرب التاريخية الرائدة في عصر الانفتاح المعرفي العباسي . 

معادلة الانتشال :

إن حماية العربية ولو التفريط بها يقع على عاتقنا جميعًا بلا استثناء،فنحنُ المسؤولون عن تعليم أبنائنا العربية أولًا ثم غيرها من اللغات،ونحن المسؤولون عن كتابة رسائل البريد الالكتروني بالعربية طالما كان كلا الطرفان يجيدها، ونحن معشر المترجمين مسؤولون مسؤولية كاملة عن استخدام المصطلحات العربية وتقديمها على غيرها وهكذا هي سلسلة المسؤولية العامة. بينما هناك المسؤولية الخاصة والتي يجب على المختصين أن يمسكوا بزمامها مبادرةً وجهدًا وعملًا ليسددوا الخطأ ويقيموا الخلل ويمهدوا الطريق. فحماية العربية واستمرارها وازدهارها وتلبيتها لاحتياجاتنا الحالية والمستقبلية ليست ترفًا بل هي الضرورة الحياتية الرابعة.

 

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .

3 تعليقات

  1. replica christian louboutin louis vuitton speedy bag tory burch shoes sale

  2. I always was concerned in this topic and stock still am, appreciate it for putting up.

  3. I was just looking for this information for a while. After 6 hours of continuous Googleing, finally I got it in your web site. I wonder what’s the lack of Google strategy that do not rank this type of informative websites in top of the list. Normally the top websites are full of garbage.

أضف تعليقاً