الرئيسية / احدث التدوينات / الدال والمدلول في اللغة

الدال والمدلول في اللغة

436x328_12431_125278

إلى سن العاشرة كان لدي ذلك الاعتقاد أن الكلمة (الدال) هي تَمثُل للشيء (المدلول)، بمعنى أن كلمة “جبل” مثلاً تنطوي على الجبل نفسه بكل محتوياته وأنها صادرة من الجبل نفسه . وحتى بعد تبيني لخطأ هذه الفكرة إلا أنها ما تزال مدهشة عند معالجتها أدبيًا ، وهو الشيء الذي إهتم به بورخيس وعالجه في أدبيات كثيرة ، أو خوان ماياس في قصته التي تحمل عنوان “بوبريما ” حيث يتتبع رحلة نشوء الكلمة على مستويين ؛ المستوى البنائي ؛ المتمثل في كيفية تشكل الحروف بالإضافة إلى سرد تاريخ الكلمة . ومستوى المعنى ما تصبح عليه دلالة الكلمة بعد أن كانت لا تحمل معنى معين . أو إبراهيم مكرم في قصته “كلمة غير قابلة للنطق” – والتي هي معالجة بديعة للفكرة البورخيسية – التي تبدأ بإقتباس من إحدي قصائد بورخيس نفسه يقول فيها : ( لو أن الإسم (كما يزعم الإغريقي في الكراتيلو) عبارة عن هيكل الشيء، إذن لكانت الوردة في الحروف التي تتهجى “الوردة ” ، ولتدفق كل النيل في كلمة “النيل” ) ففي هذه القصة يؤثر البطل الصمت لفترة منتظرًا تخلق كلماته التي ليست مجرد كلمات بل تمثل حقيقي لما تدل عليه ، وبعد مدة يقرر معاودة الحديث مجددًا وعند نطقه للكلمات تتخلق مدلولاتها أمامه فمثلاً عند نطق كلمة محيط يتدفق سيل جارف من الماء مكونًا المحيط بكل أشيائه، لكنه يفشل تمامًا في البوح بالعشق وبدلاً عن نطقه لتلك الكلمة التي يحاول التعبير بها عن حبه تتفتح زهرة بنفسج .

وعندما قرأت قصيدة بورخيس المعنونة ب”سعادة” لأول مرة والأبيات التي تحويها شعرت بال”سعادة” حقًا ففي أبيات القصيدة يقول : ” رأيت شيئًا أبيض في السماء . يقولون لي أنه القمر، لكن ما علي أن أفعله بهذه الكلمة ، بهذه الميثلوجيا كلها ؟ ” فكأنه يؤكد على ضرورة ارتباط/استشعار الكلمة عند النطق بها. حتى وفي حال استعملنا تعريف رولان بارت بأن اللغة معطى اجتماعي كل ما يستطيع الكاتب فعله حيالها هو أن يخلق سياقات/دلالات جديدة خارجة عن الإستعمال المألوف. وفي التراث الديني ففي فكرة الخلق وكيفية استعمال الإله لكلمة “كن” لخلق العالم تأكيدًا على قوة الكلمة وفي نفس السياق يقول الكتاب المقدس “في البدء كانت الكلمة”.

ومن الأشياء التي تجعل عدة تأويلات للأعمال الأدبية هي أن العمل الأدبي يمر عبر سلسلة من التحولات، ابتداءًا من كون العمل فكرة لدى الكاتب وتحويله تلك الفكرة إلى رموز لغوية ممثلة في عالم الكلمات والجمل ذاك ، وحتى وصول العمل إلى القارئ الذي يقوم بفك وتحليل هذه الرموز وفهما حسب خصائصه اللغوية الذاتية والدلالات اللغوية التي تعنيها تلك الكلمات بالنسبة إليه.

أما بعيدًا عن الحقل الأدبي و بإعتبار أن اللغة تستند على خصائص ثقافية وطبيعية تتعلق بالإنسان وأنها شئ منتج كغيره من المنتجات الإنسانية . وعن هذا الأمر بالذات دارت الكثير من المناقشات خلال منتصف القرن التاسع عشر عن ماهية اللغة وهل اللغة ثمة ثقافية أم طبيعية تختص بتكوين الإنسان وذلك بعد ملاحظة غلادستون أن هوميروس في كل أعماله لم يستخدم أسم صفة اللون الأزرق بتاتًا ، ولاحقًا ومع تعميم النظرية على نطاقات واسعة وجد أن كثير من الثقافات مثل قبيلة تيدا في شاد أو سكان قبيلة لاري يواجهون نفس الأمر لكن السبب ليس كما أعتقده غلادستون بأن لدى هوميروس قصور في إدراك اللون الأزرق وأنه إلى ذلك الزمن لم تتطور قدرات الإنسان الإدراكية للون مثلما هي عليه الآن . بل لأنهم يعتبرون الأزرق كدرجة لونية مندرجة تحت اللون الأخضر .

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

4 تعليقات

  1. My wife and i ended up being absolutely joyful Chris managed to finish off his researching from the ideas he obtained from your own blog. It is now and again perplexing to just possibly be giving out secrets that some other people have been making money from. And now we discover we have got you to give thanks to for this. The main illustrations you have made, the straightforward blog navigation, the relationships your site make it possible to promote – it is many awesome, and it’s making our son in addition to us believe that that issue is enjoyable, which is certainly exceedingly fundamental. Thanks for everything!

  2. These are definitely awesome Smart Balance Wheel http://adf.ly/6249830/banner/www.fashionhoverboard.com when you’d like an additional dressed seem. I purchase many flatters really.

  3. Thanks , I’ve recently been searching for information approximately this subject for a long time and yours is the greatest I’ve found out till now. But, what about the conclusion? Are you sure in regards to the source?

أضف تعليقاً