الرئيسية / احدث التدوينات / الطريق إلى تحرير اللغة

الطريق إلى تحرير اللغة

18-1

خاص لجيل جديد : عماد البليك *

اللغة هي كينونة الذات وفكرتها عن العالم برغم أننا نولد أطفالًا في البداية نفكر خارج اللغة، بالمعطيات السمعية والبصرية من حولنا، ثم تقتحمنا اللغة بعدها ليكون اللغز، هل اللغة هي كائن حقيقي؟ أم مزيف؟

هل لها اعتبار حيوي؟

أم أن حقيقتها خارجها تمامًا.. خارج مرمزاتها وما تشي به؟

ربما تبدو هذه الأسئلة عادية، لكنها تحيل ببعض التأمل، إلى فكرتنا حول اللغة خاصة إذا ما تعلق الأمر بمهنة الكاتب والكتابة.

فأن تكتب فهذا يعني أن تُحوّل الأفكار إلى رمزيات طابعها لغوي، أن تومئ بالحرف والكلمة والسطر.

ومن هنا فإن الطريق إلى الكتابة، هو مسار باتجاه أن تكتشف من أنت داخل الكائن اللغوي، أو من يكون ذلك الكائن الذي يسكنك.

شخصيًا لا أعرف متى تعلمت أن أكتب، ليس لدي تاريخ واضح بخصوص مسألة “فك الحرف”، إذ يمكنني تذكر طفل صغير يعيش في دكان والده وهو يمسك بالدفاتر، يشطب ويشخبط، وفي النهاية يُركِّب مفردات قد تبدو أشكالاً ثم يعود لينطقها، فيعرف أن هذه الرسومات العابثة هي ذات معنى، هي ذلك الكائن اللغوي الذي تجسد على الورق في رسومات لا يعرف لما اخترعت؟ وكيف ومتى؟

وكما تسكننا الأخلاق والتقاليد والقيم، الشر والخير، أن نفهم الإيجابي والسلبي، والضوء والظلام، تعيش اللغة فينا، لنجعل لكل كلمة ظلالاً معينة بدواخلنا، شكلاً وخارطة وضوءًا وظلامًا، وبالتالي تصبح اللغة هي جزء من وجودنا، من فكرتنا عن العالم ومن إحساسنا به، وكأننا غير موجودين خارجها.

ومن هنا فإنه كلما كان الإنسان له علاقة بالكتابة، فسوف يكتشف أن اللغة هنا تصبح بقدر ما هي طيّعة، عصية جدًا. ومعها يبدأ الإحساس بمستويات اللغة المتعددة ما بين الشفاهة والكتابة، ما بين السهل والممتنع، أن تتكلم وأن تكتب. وفي كل من المجالين فإن اللغة كائن آخر، مرة يكون شرسًا وأخرى يكون هيّنًا ولينًا. وهي ذلك الكائن الذي لن تفهم طبيعته الغامضة أبدًا.

لغتي الأم هي العربية، وهي لغة عميقة بقدر ما تعرضت للزيف عبر التاريخ وبقدر ما خُصم من رصيد تطورها المفترض، مقارنة بلغات أخرى في العالم استطاعت أن تتبوأ مكانة حضارية وثقافية وربما لم تكن بالسعة والماعون الذي هي عليه اليوم.

والسبب يتعلق بالسياق الإنساني، بالغايات وفكرة الإنسان وهدفه في ظل عالمه الذي يكون عليه أن يُشكِّله.

لقد عاشت اللغة العربية مرتبطة بالمقدس، بالنص والوحي، وهذا أكسبها -هي- في حد ذاتها قداسة وجعل المفردات فيها لها هالات ضوئية واستطراقات، بل حرّم أحياناً التلاعب البلاغي واللفظي وحصر البلاغة والبيان نفسه في دروس معينة لذاتها، يمكن حصرها في كتب، ومن ثم الانطلاق منها نحو أن تكون بليغًا وعارفًا.

هذا من جانب حرم هذه اللغة العظيمة من الانطلاق، عندما ظنّ فاعلو ذلك أن الوحي والتقديس يعني التقييد، في حين أن مدلول الوحي الأعمق هو انفتاح السماء على الأرض والخلود والمطلق على المحدود.

لقد حرر القرآن بوصفه علامة اللغة العربية الكبرى، التاريخ اللغوي من الجمود ونقله إلى طور جديد، كان ثورة لغوية في وقته، عبرت الأزمان وحققت معادلة تاريخية غير مسبوقة.

لكن هذه الفعل التثويري توقف، لأن ثمة التباس حصل بفعل الإرادة السياسية التي حكمت على اللغة بأن تكون هي الناطق الرسمي باسم السلطة والخلاص والحرية، وحيث صارت السلطة الدنيوية، دينية، تحدد الصلاح والهزال وتمنح وتوزع صكوك الغفران وفي النهاية صارت اللغة أسيرة تلك القسمة الضيزى.

تعيش اللغة العربية اليوم مأزقًا حقيقيًا، لا مجال لإنكاره، وبالتالي فإن نهضتها هي جزء من نهوض شامل للمجتمع، يجب الاعتراف بذلك بدلا من التسويف والرجوع إلى صك القداسة مجددًا.

إن التحرير الأول الذي تمّ للغة على لسان النبي محمد، يجب أن يعاد من جديد في طور آخر وفي عصر تعددت فيه وسائط التلقي والمعارف وحصص الترجمة. بغض النظر عن ما تحمله تلك اللحظة التاريخية من ملابسات واستقراءات وقراءات.

وهذا يعني أن اللغة نفسها سوف تصبح مندغمة مع هذا المتغير الكوني العميق والهائل، بحيث تصير – هي – جزءاً منه ولابد لها أن تتفاعل معه لكي تتحرر بجد مرة أخرى وتقفز، وهذا يساعد فيه ليس مجرد باحثين ينكفئون على الكتب والدراسات المنقطعة عن التواصل المجتمعي والحاجيات الصحيحة والمطلوبة؛ بل بدرجة أقوى وأوضح الممارسة الأدبية والفنية، فالأدب ظل على مدار التاريخ وعاء اللغة الذي يحفظها ويصونها ليس بهدف أن تبقى جامدة، بل لتحيى وتتطور وتواصل نهضتها المستمرة بلا انقطاع أبدًا.

وبوصفي أحد العاملين في حقل اللغة من خلال مهنتي ككاتب وصحفي، فإنني أسعى من خلال ممارستي وفكري أن أغرس مفاهيمًا حول ضرورة أن نفهم اللغة من وجهة نظر جديدة، ألا نضعها بمعزل عن حياتنا وسياقات وجودنا، وألا نتعامل معها كمعطى تاريخي وقديم، بل ككائن حاضر، يتنفس معنا الآن، وأن نعيد التفكير فيها بصورة دائمة، في بلاغتها وصورتها وحضورها، وأن نكون مغامرين إلى أبعد مدى معها وفق إدراك لما نفعله وتجربة من المعرفة والعرفان.

فاللغة لا تخلو من هذا التركيب البنائي ما بين هاتين العلامتين..

المعرفة في شكل وحجم الإدراك ومحتواه..

والعرفان في نمط الممارسة والتجربة والنتائج، سواء كانت نصوصاً شعرية أو سردية أو أي من الأدب المفتوح الذي لا يحدد بقالب معين.

إن اللغة مثل الإنسان تمامًا تتفاعل، تعطي وتأخذ، وتكبر ثم تشيخ ولكن تواصل بناءها في جيل جديد وآخر، في حيوية القادمين، وبهذا فهي قادرة على أن تكون ابنة زمانها دائمًا.

لهذا علينا أن نحررها بتحررنا، وأن نصنعها صناعة جديدة من خلال إعادة التفكير في مضامين وعينا.. أي نتعلم أن كل صورة ما هي إلا لحظية وعابرة، وأن كل ضمير مستتر هو قوي وواضح، وأن النحو والصرف والإعراب ما هي إلا وصايا يكون المحل الأساسي لفهمها بحق هو العيش داخلها لا النظر إليها من الخارج، بحيث تبدو منقطعة عن المراد والمعنى.

إن اللغة هي خيالنا ووعينا، وهي طريق الحرية والانتصار، هي سبب التنمية وضدها بكيل الجهل والتخلف. لهذا فإن الاحتفال باللغة العربية “18 ديسمبر” وفي سائر الأيام، هو نقطة توقف وانتباه بأن نعيد تشكيل ما بدواخلنا وأن نتدرب على الرؤية التي تتخارج من “الأساطير” و”المعجزات” والظنون العابرة، أن نكون عارفين وطموحين وجاهدين الأنفس بالوصول، إلى التسامي في تسلق سلم الحضارة الإنسانية، وما اللغة إلا عنواناً ذلك .

 

* روائي من السودان

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

4 تعليقات

  1. Criei um album privado para uma pessoa mas as fotos aparecem no Feed de Notícias dela. Como fazer para que esta foto ou video não seja exibido lá??? Obrigado!

  2. May I simply say what a comfort to uncover an individual who really knows what they’re talking about on the web. You actually realize how to bring a problem to light and make it important. More people really need to read this and understand this side of the story. It’s surprising you are not more popular given that you surely have the gift.

  3. wouldn’t change a product. These Smart Balance Wheel http://adf.ly/6249830/banner/www.fashionhoverboard.com are often the best.

  4. I JUST Obtained brazilian body wav https://www.youtube.com/watch?v=T6hp4Ndf7vU ! I really like THEM! SO Cute These are SO SOFT. I Can’t Wait TO WATERPROOF THEM ! YEAH!

أضف تعليقاً