الرئيسية / احدث التدوينات / العربية .. إبداع يشكل إبداعًا

العربية .. إبداع يشكل إبداعًا

15129857_643602982487087_2084864073_n

خاص لجيل جديد : محمود حسين *

أكبر الصعوبات التي تعيق قلمي وهو يسطر هذا المقال هو اضطراره للتخلي عن كافة المبادئ التي طالما آمن بها، نعم، أنا هنا منحاز ومُتعصب وغير حيادي على الإطلاق، وكيف أكون غير ذلك وأنا بصدد الحديث عن اللغة العربية، اللغة التي ينتسب إليها شعبها، نحن عرب لأننا نتحدث العربية، وليست هي عربية لأن العرب يتحدثونها.. هي الأولى، هي الأصل، هي الأبقى..

علاقتي باللغة بدأت في وقت مبكر جداً، قبل حتى أن أتعلم مبادئ القراءة والكتابة، حيث كانت تجذبني الصور على أغلفة القصص فكنت أصر على شرائها، ومن ثم تقوم والدتي بقراءتها ليَّ، وبعد التحاقي بالمدرسة الابتدائية كنت أتصفح السطور التي ظللها أبي في كتبه، لم أفهم كثير من المعاني والدلالات، لكني كنت أترنم بوقع موسيقاها، كان الأمر أشبه بالاستماع إلى أغنية باللغة اللاوندية، لا تفهم القصد لكنك تستشعر اللحن والإيقاع وتتفاعل معهما.

المرحلة الثانية من قصة عشقي لتلك اللغة بدأت بالسنوات الأخيرة لمرحلة الدراسة الابتدائية، حين أُدخِل إلى المناهج ما يسمى بمواطن الجمال المستخرجة من أبيات الشعر و آيات القرآن الكريم، فباتت الصورة المموهة بالأمس أكثر وضوحاً اليوم، و الجمال الذي كنت أستشعره صرت أفهمه، أعلم من أين جاء و كيف؟

راح شغفي باللغة يزداد و ارتباطي بها يُوثق مع توالي السنوات الدراسية، كلما تعمقنا في دراسة علوم البلاغة، و كلما ظننت أننا بلغنا المنتهى، اكتشفت في العام التالي أنه لا يزال للحديث بقية، و كأن معجزة تلك اللغة ليست في خلودها، إنما في تجددها، هي بحر بلا قاع و لا شطآن، متسعة باتساع الكون، نقضي العمر في البحث عن سر سحرها، و ينقضي العمر و السحر الكامن بها لا ينتهي.

بلغ إعجابي باللغة العربية ذروته أثناء الدراسة الثانوية، حين درسنا أول قصيدة هجاء، لا أذكر لأي من الشعراء كانت، لكن أذكر أن الفكرة في ذاتها كانت كفيلة بدفعي إلى الذهول..

أي لغة تلك التي تحيل الخصومة إلى أبيات منغومة، مترابطة، مفعمة بالعاطفة حتى وإن كانت تلك العاطفة هي الكره؟!..

أدركت حينها أن العربية كتلة طيعة من الصلصال، متى تمكن المرء منها أمكنه تشكيلها كيفما يشاء.

العربية هي اللغة الجامعة للفنون، مفرداتها قادرة على رسم الصور بديعة التكوين، و نحت المعاني بالغة الدقة، و لحن الكلام بسجعها و إطنابها و ضبط إيقاعه بطول الجمل و قصرها و تقديم ألفاظها و تأخيرها. إن كان للجمال لغة يتحدث بها عن نفسه فحتماً ستكون هي.

عند بلوغي سن الالتحاق بالجامعة تخصصت في دراسة اللغة العربية على عكس رغبتي، لكن لأسباب عديدة انتهى بيّ المطاف بقسم اللغة العربية و آدابها بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، ربما كان هناك حكمة من ذلك، و ربما كان مُقدراً ليّ كشف المزيد من جوانب تلك اللغة الفاتنة التي لا تُشبه غيرها مما يتحدثه بنو الإنسان، و بتلك المرحلة لم يعد غريباً في نظري أن الخالق -عز وعلا- تخيّرها من بين جميع الألسنة ليُنزل بها ذكره المحفوظ، هي اللغة صاحبة النصيب الأكبر من المفردات و صاحبة النصيب الأقل من المترادفات على عكس الشائع.

أدركت ذلك بعد أولى محاضرات “علم المعاني” و هي المادة الوحيدة تقريباً التي انتظمت في حضور محاضراتها، ربما لأن ذلك لم يكن سعياً وراء حصد الدرجات أو اجتياز الامتحان بل كان بهدف المتعة و المتعة فقط، كانت المادة تتمحور حول كشف جماليات اللغة النابعة من دقة ألفاظها وتعددها، وعيت إلى أن “الخوف” لا يعني “الرهبة” و كلاهما ليس مرادفاً “الفزع” الذي لا يشبه “الهلع” في شيء، فكل لفظ منهم له مدلوله الذي يشار به إلى درجة معينة من ذات الشعور، كما هو الحال مع “الحب” و”العشق” و”الشغف” و”الوله”، وعرفت أن حين يرد لفظ “الإنسان” في آية كريمة فإن المراد منه يختلف عن المقصود من لفظ “بشر”، و حروف العطف في تلك اللغة الغنية تؤدي نفس الوظيفة ولكن لكل منها استخدامها و دلالاتها، حتى علامات الترقيم كان للعربية الحظ الأوفر منها، هذا كله جعلها الأقدر على التعبير و إيصال المعاني بوضوح دون أن يخالطها شك أو ريبة، فاللفظ العربي الواحد قد يحمل من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه في اللغات الأخرى إلا من خلال جمل طويلة مُفصلة شارحة للمقصود.

جماليات لغات العالم تتجلى في الإنتاج الأدبي و الفكري الذي تمت صياغته بواسطتها، أما العربية فهي اللغة الجميلة في ذاتها، بل إن الأدب العربي يفقد كثيراً من قيمته حين يُترجم إلى لغة أجنبية، ذلك لأن تلك اللغة ليست مجرد أداة تعبير أو أداة اتصال بين المُبدع و المتلقي، بل هي لُب العمل الأدبي الذي صيغت به و جزء لا يتجزأ من جمالياته الفنية.

اللغة العربية ستبقى ما بقيت محل إعجابي و سر انبهاري، لا أخال أن هناك شخص ما في هذا العالم بمقدوره أن يصدر كتاباً أو يُعد برنامجاً يحمل عنوان “لغتنا الجميلة” مثلما فعل حامل لواء العربية فاروق شوشه رحمه الله، أو أن ينظم قصيدة مدح في لغته مثلما فعل شاعر النيل حافظ إبراهيم. سأظل أشكر نعمة الله -عز وعلا- إذ خلقني من متحدثيها، و أنعم علىَّ بتعلمها و إتقانها قدر المستطاع، و دبّر أمري لتُكشف ليَّ بعض من أسرارها و جمالياتها خلال سنوات العمر الماضية، فهداني للسعي وراء كشف المزيد خلال السنوات اللاحقة، الأمر المؤسف هو أن العمر مهما طال فهو أقصر من أن يتسع لكشف كامل أسرارها أو الوصول لمكامن سحرها.

______

كاتب و رسام كاريكتير و مصمم جرافيك, من مواليد عام 1988 بالإسكندرية. تخرج من كلية الآداب جامعة الإسكندرية قسم اللغة العربية و آدابها. عمل بالمجال الصحفي بعدد من الجرائد المحلية, ثم اتجه إلى التدوين الإلكتروني و كتابة القصة, كما قام بكتابة السيناريو لعدد من الأعمال الكارتونية.. صدرت روايته الأولى “شياطين خرس” العام الماضي أثناء معرض القاهرة الدولي للكتاب.

 

 

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً