الرئيسية / احدث التدوينات / العربية.. لغة موسيقية

العربية.. لغة موسيقية

arabic-letters

حاتم الكناني :

 

فَإِنَّ لِثالِثِ الحالَينِ مَعنىً       سِوى مَعنى اِنتِباهِكَ وَالمَنامِ

أبو الطيب المتنبي

يلهج المُدرِّس عباس الشلاتي، بصوتٍ قويٍّ وصبرِ أيوب مُنشداً: (أَ إِي أُو إِإْ – بَا بِي بُو إِبْ – تَا تِي تُو إِتْ..)، فنلتقطُ موسيقى الحرف ونحنُ حينها لم نتجاوز السادسة، كان ذلك في العام 1989م بمدرسة اليرموك الابتدائية بصفوى – بلدة صغيرة تقع على سواحل الخليج العربي – ها نحن نُردِّد: (ثَا ثِي ثُو إِثْ – جَا جِي جُو إِجْ – حَا حِي حُو إِحْ)، هكذا كان يُلقمُنا إياها، صوتًا صوتًا، ورسمًا رسمًا.

تكبرُ اللغة في خيال الطفل مُشكِّلةً تصوُّراته الأولى، وفي حال اللغة العربية خاصةً فإن طبيعتها تفرضُ فهمَها من خلال موسيقى الجملة كاملة (لا، لم أقصد “فهمها” بل أعني تحديدًا “هضمها”)، لا من خلال بنية التركيب النحوي أو الميزان الصرفي فحسب؛ بل تجدهما يتآزران لتحقيق موسيقى الجملة العربية. لغة موسيقية، إنْ قلت إنها لغة شعر، نعم هي لغة الشعر.

 أصِخْ إلى قراءة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، لتستبينَ وهو ينتقل من مقامٍ مُوسيقيٍّ إلى آخر، أنه ينحت في صخر اللغة القرآنية معنىً جديد-.

 ولأن اللغة عامةً لا تستقر على مخزون ثابت من الكلمات، ولأنها وليدة الاستعمال والحاجة، فإن العربية منذ عقودٍ آخذةٌ في استضافة مفردات نتيجة لأسباب متعلقة بموقعها الحضاري الراهن، فيجهد حُرَّاسُها ممثلين في مجامع اللغة العربية في الأقطار العربية في استنباط مفردات من اللسان العربي لما يطرأ على راهن الحياة، وينسون أو يتجاهلون بداهةَ أنَّ اللغة وليدة الحدث اليومي المشحون بلحظات كثيفة من تحولات المعرفة والتاريخ والايدولوجيا والأسطورة، فلا لغة صافية أصيلة، وإلا فقدت سمة تواصليَّتها.

 هو الإيمان بقداسة العربية عند حُرَّاسها. ولعل تحوَّل اللغة إلى علم مرتبطٍ بالقرآن والعقائد والشرائع، في الحضارة الإسلامية، كان سببًا في قرار تلك النظرة إلى اللغة.

 وقد مرّت ألفاظ المفردات العربية ومعانيها بتاريخ طويل من استضافة كلمات أصولها فارسية أو آكدية أو سيريانية أو سومرية، كما يلحظُ باحثٌ كبيرٌ في اللغة مثل علي الشوك في كتابه (كيمياء الكلمات) إضافتها إلى اللغات اللاتينية والإنجليزية والفرنسية.

 الآن، في عصب الحياة أنشبت التكنولوجيا أظفارها، وعصب الحياةِ اللغة. ومن البداهة أن يكونَ مُنتج التكنولوجيا هو مُنتج لغتها، وبهذا فنحن نشهد الآن هذا الاندماجَ بين الإنجليزية وكل لغات العالم بما فيها العربية. فكيف لنا أن نُوجد معادلاً لكلمات مثل (سَيَّفْ – مُوتْسِب) وهي مفهومة أصلاً في سياق الاستعمال اليومي؟

تُرافقُ تلك التحولاتِ تحولاتٌ أخرى تنحتُها قوَّةُ الشعر منذ آزالٍ من حياة اللغة، إنه ما أُسمِّيه التنقيبَ الذريَّ للكلمات، حين يُعمِلُ الشاعرُ جسدَه ورُوحَه في محيط اللغة: بيته، وبيت الوجود – كما يُعلن مارتن هيدجر وهو يُنقِّب في الجسد الشعري لهولدرلن.

الشاعرُ يتخلَّق داخل الذرات المُوسيقية للُّغة، فيبدأ الشعر بموسيقى الحرف وينتهي بموسيقى الجملة الكاملة. وبهذا المعنى فإن المُغنِّين هم شعراء الصوت، كما وصفَ يومًا ما أنسي الحاج، السيدةَ فيروز. الشاعر يجعل الكلمات مُغنَّاةً بذاتها والمُغنِّي يجعلها مُغنَّاةً بصوته. هذه الدِّقَّةُ الموسيقيةُ خليقةٌ بالعربية التي تحتفي بحركاتِ الإعراب، والتي هي سببٌ في الفهم، كما إنها تَعْتَبِرُ إشباعَها حتى تماثل حروفَ المدِّ عيبًا عروضيًا واضحًا في بعض حالات الشعر أو على الأقل ضرورة شعرية.

تأمَّلِ الفرق بين رسوم (الحَمام) و(الحِمام) و(الحُمام)، وستجد في تبادلية الحركات في الحرف الواحد معنى لكل منها.

منذ ما يقرب من عشرين سنة أو أزيد، لا أزال ذاهلًا بالسيلان الموسيقي في قصيدة (وصف الحُمَّى) لأبي الطيب المتنبي، قصيدة تسيل كالماء في جسد المغتسل. حرف الميم المُشْبُع في القافية يتركك بلا إرادة غير إرادة الانسياق إلى هول اللغة، حرف الميم الصافي في القافية يُتِمُّ المعنى في القصيدة، ويشرح ما لا يُشرح من غربة شاعرية.

هذا السيلان الموسيقي ممتدٌّ من دريد ابن الصمة حتى عيون شعر ابن زيدون والموشحات، وواصلٌ إلى منابع ابن الفارض والنابلسي والبوصيري ومَجْمَعِهم الشعري، وفائضٌ على قصيدة التفعيلة التي احتفظت بالبنية الوزنية المُفردَة لبيتِ الشعر العربي، وليس قاصرًا عن قصيدة النثر. 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً