الرئيسية / احدث التدوينات / الكيبورد محرك للشارع

الكيبورد محرك للشارع

hqdefault

ما إن نالت مواقع التواصل الاجتماعي موقعًا متقدمًا كوسائط إعلامية حتى حاول بعض كبار كتاب الصحافة الورقية في السودان وتماشيًا مع روح العصر الانطلاق عبرها بعمل بإنشاء صفحات عليها– فيسبوك تحديدًا – ينشرون عبرها نفس مقالاتهم التي تنشر عبر الصحف الورقية، ونسبة لتميز هذه الوسائط بخاصية التفاعل المباشر مع القراء التي لا تتوفر في الإعلام الورقي فإن عدد كبير من هؤلاء الصحفيين لم يتمكنوا من الاستمرار في الإطلال عبر هذه الوسائط بمقالاتهم لعدم مقدرتهم على مواجهة النقد المباشر الذي يوجهه القراء عليهم والذي قد يصل أحيانًا إلى حد ما قد يراه البعض إساءة في وسط ينزع القدسية عن كل ما هو تقليدي، أصيبوا ربما بصدمة التفاعل المباشر ذاك الذي نزع غطاء المجاملات الذي كانت تتم مقابلتهم بها واقعًا، استطاع بعضهم امتصاص الصدمة تدريجيًا والاستمرار على هذه الوسائل بينما انزوى البعض عن الإسفير منكفيًا على عموده الورقي بعد أن تحولت اغلب مقالاتهم إلى سجالات في محاولات للرد على اتهامات القراء الإسفيريين، كان بعضهم يستخدم – في معاركه مع الاسفيريين – مصطلح مناضلي الكيبورد في سياق يحمل إستهوانا بمقدرات قراء وكتاب الإسفير ومقدرتهم على إحداث تغيير على أرض الواقع، ولكن هل ما زال مصطلح النضال الكيبوردي يحمل نفس مدلوله السلبي ؟ .

لابد من الإشارة إلى أن المنصات الإسفيرية تحل وبتسارع محل وسائل الإعلام التقليدية، مما يعني عدم امتلاك أي جهة إعلامية لمنصة اسفيرية يجعلها تفقد رويدًا محلها في صناعة الخبر، وعليه فان الصحفيين الورقيين مهما كانوا كبارًا أو مشهورين فإن عدم امتلاكهم لنوافذ اسفيرية تتيح لهم التواصل مع القراء سيجعلهم يفقدون موضعهم كصانعين ومؤثرين على الرأي العام، ليس فقط لان وسائل الإعلام التقليدية تفقد موضعها تدريجيًا لصالح وسائل التواصل الاجتماعي بل أيضًا لان الأجيال الحالية لا تعطي أدنى اهتمام لتلك الوسائل التقليدية مما يعني استنتاجًا انه بعد عقد أو أكثر بقليل فان كل المؤثرين على الساحة والمشاهير في المجتمع غض النظر عن نشاطهم سيكونون قد خرجوا من وسط الاسفير بما فيهم الساسة والمناضلون، وحين يصبح الاسفير هو موضع التقاء الجميع فلن يكون هناك فرقًا بين من يتوقف في الأسواق مناديًا بالحرية وبين ينادي عبر نافذة اسفيرية، بل إن الاسفير يمضي في أن يصبح أكثر فعالية طالما توجد أساليب نضال لا تتطلب الخروج إلى الشوارع .

يمكننا قراءة مشهد التغيير في دور الكيبورد ودلالاته من خلال وقائع الأحداث في السودان ابتداءًا من ثورة سبتمبر وانتهاءًا بدعوات العصيان المدني التي أفرغت الشارع بنسبة ملحوظة خلال الأيام السابقة التي أعلن فيها العصيان، ويمكننا ملاحظة انه في أغلب الأحداث التي مرت خلال تلك الفترة كان الأسفير هو المحرك الأساسي ، فمناضلوا الكيبورد الآن هم الأقدر على تحريك الشارع بمقدرتهم على التأثير على عدد كبير من متابعي المواقع الاسفيرية باختلاف اهتماماتهم حتى تلك التي يرى البعض أنها تافهة، وتضرب وقفة الفتيات الاحتجاجية التي انطلقت دعواتها من مجموعة “منبرشات” الفيسبوكية ابلغ مثال بيد أن المجموعة كانت تواجه هجومًا عريضًا باعتبارها خروجًا عن الأعراف الاجتماعية والدينية، فبالإضافة للحرية التي توفرها هذه الوسائط التي تمكن روادها من تقديم أطروحات جريئة ومقنعة فإنها أيضًا تتميز بمقدرتها على إيصال رسائلها حتى إلى داخل الأوساط غير المهتمة بهذه الوسائط، فأمي ذات المستوى التعليمي اقل من الوسط والتي ليس لها أي اتصال بأي من وسائل الإعلام كانت قد نبهتني في صباح اليوم الأول للإضراب – حين ظنت أني سأخرج لمسافة ابعد من نطاق الحي – بأن الخروج والتجوال ممنوع اليوم لوجود إضراب عام، وحتى سائق الركشة الذي تحدثت معه في نفس اليوم والذي كان حانقًا جدا لضعف إيراده بسبب ضعف الحركة كان واعيًا لدور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الأخبار والتأثير على الشارع ” دا كلو من الواتساب، لو ما هو ما كان كلو زول عرف وقعد في بيتو.

ما هو جدير بالذكر أيضًا هو أن الإسفير يملك آليات تأثير تتجاوز جراءة الطرح ومنطقيته، فجيل الاسفير يمثل أيضًا قوة اقتصادية مؤثرة بحيث أنهم عملاء لشركات تقدم خدمات مختلقة وإجماعهم على مقاطعة سلعة قد يؤدي إلى خسائر كبيرة، مع مراعاة أن اغلب الشركات اليوم تستخدم الاسفير كمنصة دعائية لمنتجاتها وبالتالي فإنها تميل لنيل رضاء الاسفيريين باعتبارهم فئة ذات تأثير كبير بمقدرتهم على نشر أي رأي سلبي يختص بالخدمة المقدمة أو بتصرف المخدومون، ويمكن الاستدلال على ذلك بخبر انتشر في اليوم السابق للإضراب بأن مدير شركة منع عماله من الإضراب وهدد بخصم رواتبهم حال تغيبهم وحينها تعالت دعوات مقاطعة بضائع تلك الشركة إلى أن جاء رد من الشركة بان الخبر عار من الصحة، ولربما يتذكر البعض أيضًا قصة المطعم الشهير في إحدى أحياء الخرطوم الراقية والذي اشتكت إحدى زبوناته بسوء تعامل إدارته معها فانطلقت دعوات مقاطعة المطعم والتي كانت مؤثرة لدرجة لجوء إدارة المطعم للاعتذار. فالشركات وأصحاب الإعمال التجارية يتعاملون مع جيل الاسفير كعملاء مفترضون يملكون قوة شرائية مؤثرة وان أي رأي سلبي منهم قد يؤثر سلبًا على عملهم التجاري وهي بالتالي لا تكتفي فقط بتجويد منتجاتها بل أيضًا تكون اشد حرصًا على عدم إظهار مخالفتها للتوجه العام للاسفير بالقدر الذي تستطيع فيه الفعل.

ما يميز الاسفير هو مقدرته على إزالة الحواجز الطبقية الاجتماعية، فلا فرق في الاسفير بين من يسكن حيًا راقيًا ومن يسكن أطراف العاصمة والمدن، ففي ظل تفاعل افتراضي فان المواقف والآراء هي التي تميز فرد عن الآخر وتتكون العلاقات الاسفيرية والارتباطات أفقيًا بحيث تتقاطع كل القيم الاجتماعية التقليدية وتتكون مجموعات باهتمامات وقيم جديدة تجعل كل فرد من أفراد المجتمع عضوًا محتملا لمجموعة معينة غض النظر عن عرقه ودينه ووضعه الاجتماعي وهذا ما يوسع مساحة الساحة الاسفيرية يجعل الدعوات الاسفيرية هي الأقدر على الانتشار.

بطريقة أو بأخرى يبدو أن الاسفير قد قلب الطاولة الإعلامية فوقاً على عقب، ورويدًا ستتحول مخاوف السلطات إلى النشاط الاسفيري بدلاً عن النشاط المباشر في الشارع والساحات، ويمكن ملاحظة هذا التحول في أن الذين تم اعتقالهم في ما يخص الإضراب كانوا يمارسون نشاطاً اسفيريا بحتًا، مثل الشاب الذي تم اعتقاله من أمام جامعته وهو يقوم بتصوير الشارع الخالي من المارة والسيارات وكذلك المذيع الذي كان يقوم ببث برسائل تحرض وتدعو للعصيان والاثنان كانا يمارسان نشاطهم الإعلامي عبر فيسبوك لايف.

كما النقلة التي حدثت في تقنيات الحرب بحيث أن شخصًا من خلف شاشة يستطيع توجيه طائرة لتنفيذ عملياتها دون أن يبذل أي مجهود، فان مجموعة شباب من خلف شاشاتهم الإلكترونية يستطيعون تقليل الحركة في منتصف العاصمة بنسبة تريد عن ال 50%  في يوم ذروة وهي نسبة عالية ربما لم تكن لتتحقق لو أنهم حاولوا أن يعملوا على الشارع مباشرة، هؤلاء الشباب بكل بساطة يقلبون الطاولة على كل وسائل الحشد التقليدية وبذلك يزيحون الحمل السلبي على مصطلح نضال كيبوردي ويضفون  قيمة ايجابية عليه.

عن سانديوس كودي

mm
كاتب من السودان

2 تعليقات

  1. Bastien, arrête, tu fais pitié.

  2. Thank you Kris and Gabby. I really loved what you said about forgiveness. 3 years ago I sufferred a huge loss including a divorce after 35 years. At that time I did not feel I could ever forgive my ex husband. Now 3 years later and much work on myself I have forgiven him. REALLY and TRULY! I can see how energy does shift which inspires me even more to do deeper work on myself and forgive myself for what I am holding against myself and embrace my humanness. I am doing the best I can, I was doing the best I could at the time and you know what so is everyone else. So for 2013 I am willing to embrace my humanness and love myself as I am “warts” and all. Happy New Year to all. This is going to be a great year for us all.

أضف تعليقاً