الرئيسية / احدث التدوينات / اللغة العربية تكتبني

اللغة العربية تكتبني

background

 لم تكن “مس تهاني” مُعلمة اللغة العربية بالذات ، إنما كانت تقوم بتدريسنا كل مواد الصف الأول الابتدائي ، لازلتُ أذكُر صوتها و هي تقرأ علينا القطع المقررّة علينا في كتاب المُطالعة .

كيف تنطقُ كل حرف ، و كل استراحة خاطفة تأخُذها بين جُملةٍ و أخرى و كيف تشملنا بتلك النظرة المُحبّة ، تشجيعها الدائم لي على القراءة ، إطراؤها على طريقة قراءتي ، و لفظي الصحيح لمخارج الحروف .

برنامج المناهل .. و مؤدي الأدوار به :

نصر عناني ، أمل دبّاس ، عبير عيسى ، قمر الصفدي ، ريم سعادة و شفيقة الطّل حينما قالت : شرابُ الخرّوب المُحلى ثم تلتها ابتسامه بعينين مُتسعتين .

أبو الحروف الأهدأ من “السكون” و أقوى من “الشدّة” و أسرع من لمح “العين” .

و كل شخصيات الكارتون التي أحببتُها .

كل ما سبق جعلني بطريقةٍ ما وثيقة الارتباط باللغة العربية .. أُحبها كلغةٍ مقروءة أو مكتوبة .. رُغم أني في بداياتي كنتُ أُصّر على أن أقلب كُراستي و أكتُب بخطٍ عموديّ يتقاطعُ مع الخطوط العرضية المُخصصة للكتابة .

كعبُ كشكول المدرسة بعد نهاية العام الدراسي ، أظنُه كان محظوظاً برسومات العين و الشمس و الورد التي أُشخبطها في ساعات الضجر فيما تبقى من وُريقاتٍ فارغة .. و بين هذه و تلك أنثُر بعض الكلمات الغير مُترابطة ولا شأن لها بشيء .

مر الوقت .. و كبُرت أكثر مما ظننت ،و لما لازمتني عادةُ الصمت ، صرتُ أُثرثر بأناملي .

أفتحُ صفحةً بيضاء و أكتُب في مُنتصفها تمامًا ( إنه يومٌ جميل ) و عندما يُساورني الشك في أني بالغتُ في حُسن الظن .. أُتبعُ العبارة بكلمة (رُبما ) مسبوقةً بنُقطتين هكذا ( إنه يومٌ جميل .. رُبما)

ثُم أكتب عباراتٍ لا شأن لها باليوم أو شكي به !

لابُد و أن يكون للإنسان صديقٌ ما .. صديقٌ جيد .

ليس بالضرورة أن يكون إنسانًا .. قد يكون طائرًا أو حيوانًا أليفًا .. شجرة وسادة أو دفتر .

من بين كُل تلك الأشياء وجدتُني أكثر سعادةً مع الحروف ، لا أعرفُ على وجه التحديد كيف نما الأمرُ بيننا إلا أنهُ أزهر و أينع .

أعني أنا و الكلمات ..أظُننا أحببنا بعضنا .

تارةً أكتُبها و تارةً تأخُذني بين يديها و تكتُبني .

ما زلتُ سيئةً في النحو و البلاغة رُغم أني أستخدم القاعدة بطريقةٍ صحيحة دون أن أعرف لماذا نصبتُ هذا و جررتُ ذاك .. فقط أنظرُ للعبارة فأقول : نعم يجبُ عليها أن تكون هكذا .

(دفترُك الحميم )..

ليس مخبأ لحظاتك السريّة و مشاعرك الاستثنائية فحسب ،هي تلك الصفحات التي كانت لصيقةً بك في أكثر أوقات مزاجيتك حدهً ، و أكثرها دفئًا و نُعومة .. و حتى فوضاك .. و كُل ما أسقطتهُ عليها حتى دون اهتمام ، بخطٍ يصعُب عليك لاحقاً قراءتُه و تظلُ لساعاتٍ طوال تُفكر .. تُرى ما الذي كُنت أقصدُه حينها بهذا الهُراء !!

(الصمت ، التأمُل ، الخيال) متى اجتمعوا في إنسان حسب نظرتي للأمر ، لابُد و أن يُصبح كاتبًا .

حتى و إن كان مغمورًا مُهمشًا و لا يقرأ لهُ أي شخصٍ عدا نفسه .

و هكذا بدأتُ كتاباتي الأكثر جديّة ..كان على الورق أن يُشاركني أوقات صمتي الطويلة ، و مُتابعاتي الدقيقة لما حولي ، ثُم نسج دائرةٍ من وهمي تُفسر لي الأشياء و تربطُها ببعضها و إن كان هذا الربط لا يمتُّ للواقع بصله .

أن يُشاركني حماقاتي و أشيائي التي لا أتشاركُها بالعادة مع الآخرين .

كلُّ التلفيقات التي لفقتُّها لوجوهٍ عبرتني في الزُحام .. كأن أقترح بأن هذا الرجُل فظّ و قاسي ف أُلفق له حياةً من مُخيلتي .. أو أنّ هذه السيّدة تبدو أرملة .. و هكذا

بعشوائيةٍ تامة عثرتُ مُصادفةً على فضاء الفيس بوك ، مُربعات صغيرة بلا أسطُر ، و خطٍ مُوحّد يُمكنك أن تقرأهُ بوضوحٍ في أي وقتٍ و لكن مع جفافٍ أكبر ..

فهُنا لا يظهرُ الخط مُتعرجًا مُظهرًا ارتباك يديك .

لا يُصبح لونُ الحبر أثقل عندما تضغطُ بشدّة على الحرف .

لا صوت لتقليب الأوراق و بالطبع لا رائحة .

و مع ذلك تعايشتُ بسلمية مع كيفيه الكتابة الجديدة .

و حين وجدتُ أن الخيارات تُتيحُ لي أن يطلّع أحدٌ ما على خربشاتي .. قُلت في سري : لا ضير

و هكذا صار بإمكان الآخرين أن يطلعوا عليها مُبدين إعجابهُم أو امتعاضهم أو أياً كان شُعورهم حيال ما قرءوه .

و بدون ترتيبٍ مُسبق .. أو تعمُّد

وجدتُ أن هذياني يروقُ للبعض .

و بلغ الإعجابُ لدى جزءٍ منهم الحد الذي جعلهم يصفونني ب (كاتبة) .

و هذا أمرٌ مُبهج و مُقلق .. لكن ليس كثيرًا

عن تغريد علي

mm
كاتبة من السودان

أضف تعليقاً