الرئيسية / احدث التدوينات / اللغة والرواية.. التكوِّين السردَّي والسياق الدلالي

اللغة والرواية.. التكوِّين السردَّي والسياق الدلالي

20160715-378

خاص لجيل جديد : ناصر السيد النور *

النصّ الروائي :

النصّ الروائي أحد التجليّات اللغوية، وتعبير عن مستوى من مستويات الأداء والتشكيل للغة ضمن مقاربة أشكال التعبير السّردي. ولكن تظلَّ حركة اللغة وأدواتها مقيَّدة بطبيعة النص الروائي وما يتضمنه من خاصيّة تعبيرية تتمثل في حركة الشخوص ومحتويات السرد؛ ومن ثَمَّ  تكتسب اللغة سمة تحددها ملفوظات النصّ الروائي، كما أن النص الروائي ليس حصرًا على الشخصيات الروائية الناطقة باللغة في بنيته التكوينية، فإن التعبير عن محتويات النص الروائي وعلاماته المتضمنة في السرد تخضع إلى معايير اللغة وقواعدها وتعمّق وتوسّع من المفردات اللغوية وذلك بالدلالات التي عادة ما تتشكل على المتن الروائي، فإذا كانت اللغة في العملية السردية هي الثابت من حيث وجودها القبلي، فإن الخيال مصدر النص الروائي متغير ومتجدّد. وتكون اللغة في ذات المستوى المعياري من قبل أن تستخدم قدراتها التعبيرية في جنس أو يتبناها شكل تعبيري ما، فوجودها في أكثر من حيز وشكل تعبيري يؤكد هيمنتها على لعب دورها الثابت في رسم الخطاب السردي المتطور تاريخيًا والمتعدد المستويات من الشعر والحكي والممارسات الطقوسية اللغوية وما إليها. ونجد أن اللغة قد ظلت كذلك في طائفة من أشكال التعبير الفني والجمالي والأدائي.

إنّ اللغة تحيل النص الروائي إلى نص لغوي إبداعي يحتمل المنطق السردي من وجه البنية السردية، والجمالية في مقاربته للنص الروائي وخصوصية الحركة السردية في سياق تطور مكوناته التي يدور حولها محور الخطاب الروائي واللغوي، وإذ يخضع النصُّ الروائي إلى آليات السرد من منطلق أن السياقات السردية تتعالق حولها نصوص مُهجنة للبنية المحورية للخطاب السردي ومن ثم تتناص مع نصوص أخرى أو بما يعرف بالتناص Intertextuality أي مجموعات الخطابات الأخرى الموظفة في الخطاب الروائي. ويكون الخطاب الروائي قد أفلت من محدَّدات اتجاهات النقد الموضوعي وبالتالي التحليل البنيوي المنغلق على العلامات والوحدات البنيوية للغة.

اتسع حقل علم السرد Narratology  في القرن العشرين متخذًا من تعدد العلوم الإنسانية والمناهج النقدية الحديثة أدوات للتعامل ومعاجلة النصوص اللغوية والأدبية. ومع أن الرواية تعدّ واحدة من نتاجات الفكر البشري التي تعتمد في بنيتها النصية على بنية اللغة،عن طريق شخوص وأحداث، فقد غشيها التغيير أو التطور بالنظر إلى الموضوعات والأنماط الأسلوبية ومعالجاتها السردية؛ فقد عبرت خلال مراحل متصاعدة في الرواية الكلاسيكية إلى الرومانسية والواقعية إلى الرواية الجديدة Nouevu Roman  ولم تخل مقارباتها النصية في نظريات تاريخ الآداب وفق منهج تطور النصوص. وعلى مدى هذا التصاعد التأريخي تمكن الخطاب الروائي من إنجاز مهامه السردية من تمثل وتجسيد وإدماج كافة الأجناس الأخرى ضمن حيزها النصيّ ومنطوقها السردي، ويتجلى ذلك في رواية القرن العشرين وما عبرت به رواية ما بعد الحداثة عن سرد الوعي الذاتي الروائي Self-conscious Narrative .

 وتبقى الإشكالية التي أثارتها أسئلة النقد السردي في الفصل بين العناصر السردية التخيلية وغير التخيلية، وهي أفعال الكلام، والخطاب وتحليل الخطاب والعلوم الإدراكية بأنها تصف الأفعال وتعبر عنها أكثر من الموضوعات؛ إذ أن الخطاب الروائي خطاب يعتمد الآنية في تسلسل الأحداث بالعمل على خصائص تتعلق بالشخصية وزمن السرد الذي تستغرقه الأحداث، وما تمثله من بنية فوقية ترتبط بالإشارة المرجعية. والأحداث التأريخية فقد عوملت كظاهرة ” نصية” بينما الأعمال الأدبية اعتبرت أحداث مادية. وكأن كتابة التاريخ شكل من السرد محكوم بتعصب السارد وتصوراته المسبقة وهو نفسه نوع من الخطابة أو الخيال[i].

تؤكد اللغة حضورها في النصَّ بما يستدعيه الرصَّد السردي في تفاعل العلاقات في الحياة الواقعية، ومتى ما اقترب الخطاب الروائي متموضعًا بين ثنايا السرد في وجوده النصيِّ لزم ذلك اختيارًا واعيًا لمقاصد الألفاظ والدلالات والاستعارات تأويلًا لمفردات خبيئة في النص تفصح عنها الجمل والعبارات بأصوات الشخصيات الروائية. ومثلما ارتبط دور اللغة في العالم الواقعي كأداة للتواصل بين الإنسان وتفاعله مع الوجود، كما الفرضية التي ترددت كثيرًا في بحوث الأنثروبولوجيا اللغوية والثقافية. فالخطاب الروائي ينحى إلى مفارقة هذا العالم دون التجرّد من معانيه التي يستقيم بها الفهم والإدراك. فإذا أخذنا بالنظرية القائلة بالعالم الموازي الذي يخلقه الخطاب الروائي فإن تمدد الآفاق التي يصلها السرد تتجاوز كثيرًا الخطوط المعيارية للغة، فهو – أي الخطاب الروائي – يخلق عالمًا لغويًا موازيًا أيضًا وثيق الصلة باللغة المتكونة في طبقات سردية أخرى.

إنّ اللغة لا تعمد إلى شرح النص الروائي وتحليل نسق البناء السردي وعلاقات المفردات والدلالات المعجمية والتركيبية، بل يتم استخدامها بالتطابق والموافقة الموضعية بين مستوى اللغات التي تستخدمها الشخصيات في الرواية والعلامات الأخرى التي توجد بقوة الفعل اللغوي نفسه في النص بتمثلها للأحداث. وبما أن الجدل النقدي قد احتدم حول مسوغات الاستخدام اللغوي ومستوى هوية الشخصية اللغوية وموقعها في النص ومدى مناسبة اللغة التي تنطق بها؛ خاصةً إذا كانت اللغة المستخدمة لا تناسب طبيعة الشخصية في أبعادها الطبقية والمهنية ! وإن كان الاتجاه الواقعي في الرواية في القرن العشرين فقد برّر لذلك بمبررات أيديولوجية لا تنتمي إلى النقد العلمي المنهجي. ولكن اللغة تؤسس لنظام، وفي هذه الحالة لا يكون اعتباطًا بما للنظام من عقلانية محددة[ii]. ونظرية اللغة لا تناقض السرد في تقاطعاته مع المركب الشخصي للمكون السردي.

الخطاب السردي:

الخطاب السردي بما يمثله كخطاب لديه منظومات وعلامات لغوية تفسر علاقاته بين النص والمتلقي؛ يكون الخطاب الروائي داخل وخارج الخطاب اللغوي المتشكل في السياق السردي العام، وذلك لأن عناصره الحوارية ولغته، وأداته التوصيلية في النص الروائي التي تسود في تفاعلاته المعقدة تجعل منه خطابًا مستقلًا وفق نسقه الخاص به. إذ يكوّن الخطاب الروائي رؤيته ويوجه عناصره السردية نحو اتجاه تفعيل الصور اللغوية وتأويل الأحداث وبناء شخصيات روائية ناطقة بجوهر رسالة الخطاب.

إنّ مصطلح تحليل الخطاب السردي باستخداماته المتعددة والذي يعنى بدراسة اللغة فيما وراء مستوى العبارة، هو الطريقة الوحيدة التي توّحِد حزمة المقاربات الأخرى[iii]. وكذلك الشأن بالنسبة للخطاب الروائي الذي يعيد انسجام العناصر السردية داخل سياق الخطاب الروائي بصياغة الأسلوب واللغة التي تحمل ملفوظاته. فدلالة الخطاب الروائي تتكشف عبر محاور البناء السردي المُتكون عن سياق يتبع التعبيرات الدلالية. فالرواية توظف اللغة كخطاب يتحرك سرديا في لغة حوارية متصلة مع عوالم الشخصيات الروائية.

اللغة والدلالة اللغوية:

تُشكِّل اللغة مصدرًا للفكر، أو هي الفكر عينه كما في مصادر اللغة والمنطق  ومقوماً للبحث عن دلالات معبر عنها بألفاظ تؤدي إلى معاني تفكك الرموز الصوتية ومن ثمًّ تعيد مراجعتها فيما تشكلت فيه من شعر ونصوص تحوّل من المعطى اللغوي القابل للتشكل  إلى النصِّ السردي. إن طبيعة البحث في اللغة هو بحث في طبيعة العقل والفكر كما يرى عالم اللغويات نعوم تشومسكي بدعوى أنها “…اللغات أفضل ما يمكن أن يعكس طبيعية العقل البشري” (لبتنز)”[iv]. ولما كان الخطاب السردي لا يأخذ موقعه الوظيفي بين الأجناس الأدبية وطبيعة أداؤه إلا عبر اللغة ودلالاتها السيمولوجية (العلامات)، فإن هذه الصفة لها قابلية التغير أو معيارًا متغيرًا حيثما كان التوظيف والاستخدام، وبعيداً عن طبيعة اللغة الفيزيولوجية ومواضعتها الإنسانية المشتركة، وقواعدها التركيبة والمورفولوجية (الصرفية) وعلاقاتها بالتصورات الذهنية والعاطفة والخيال إلا أن في بنيتها المعرفية تتم صياغة عالم الوجود الإنساني كما عبر الفيلسوف الألماني مارتن هيدغر بقوله: “إن كان حقًا أن الإنسان قد وجد مسكنه الأنسب في اللغة، أدرك ذلك أم لا، فإن الخبرة التي اكتسبناها مع اللغة ستعلمنا الرابط الأكثر عمقاً في وجودنا”[v]. وهكذا اللغة ليست فعلًا بشريًا خاضعًا لما أنتجته من أدوات، ولكن تأويلًا فلسفيًا ضمن المعارف الميتافيزيقية لتفسير ظواهر الوجود في أهم ظاهرة تحيط بالإنسان المخلوق العاقل Homo Sapiens  . أما في السرد فقد ارتقت وظيفتها السردية من حيث مستوياتها البنيوية بحسب تقسيمات السرد:

  • لغة ذات مستوى معياري (لغة الأدب، السلطة، المحاكم، ..إلخ).

  • لغة ذات مستوى عام (اللغة اليومية المحكّية غير المكتوبة).

المنظومة اللغوية التي تنتج الخطاب أو النصّ لا يحدها السياق الحامل لما تؤديه ألفاظها ومفاهيمها الدلالية، بالتالي يتوقف الأداء اللغوي بما هو نقل مستمر للأفكار التي تتشكل من وضعية المفردات داخل حيز النص. ولكن ارتبطت تلك المقدمات اللغوية بما يتنازعها من اصطلاحات ونظريات تجهد في تمكين النص اللغوي لإيضاح الأصول التي غالباً ما تتنازعها عوامل التغيير والتبديل أي التطور الذي تكتسبه بعض من المفردات والمفاهيم وفقاً للحاجة المعرفية. لا يحدث تداول للمعلومات والأفكار دون وسيط لغوي يختزن ما تودعه المعرفة الإنسانية وهي آخذة في التعقيد والتراكم. ومن ثم توصلت المحاولات المعرفية لفهم النصوص وما تحيل إليه من مفاهيم ومعارف ذات توجه لغوي وفكري لقراءة بيانية متداخلة المناهج لا تقف عند تمييز النصوص كما في النقد التقليدي؛ ولكن لدراسة هذه النصوص والارتقاء بها على ضوء المعرفة المستجدة في مسيرة الدراسات النقدية. واللغة في ماهيتها البنيوية تعمل على الإفصاح بمدلولاتها المجازية وحركة المفردات داخلها، فإن تبيان تلك الدلالات اللغوية دائماً ما تتطلب الإبانة المفصحة كما في البلاغة ومن ثم النقد والتفسير والتأويل؛ وهي مترادفات لا تشير إلى اصطلاح بعينه دون الآخر وإن كانت جميعاً تنتظم الإجراء النقدي واللغوي.

التعبير البلاغي للنص السردي:

وإذا كان النقد هو التشريح النقدي للنصوص السردية، أو نصوص أخرى تتوافق لغويًا مع اللغة وقواعدها كمصدر يتأسس على بينة منظومة دلالية قادرة على تركيب النصوص في نصِّ لغوي مسوغ لقدرة اللغة على التسرب بين طبقات التفكير المنطقي في إنتاج النص، فإن علم البلاغة في تطوره التاريخي الممتد في لغات العالم من اليونان إلى العربية ونظمها البلاغي،كما أن اللغة تحكمها، وتتحكم بها نظم تمنحها قدرتها في التعبير من بني ومعانٍ كالألفاظ، وبنية مورفورلجية مقيدة كالنحو وحركات الكلمات داخل السياق اللفظي؛ مما يعطيها بعدها البلاغي ومكونها الشرطي للاقتراب من مفهوم الكلام أو الضم بقول البلاغي العربي عبد القاهر الجرجاني. وعلى هذا السياق تطورت البلاغة كأداة كاشفة لمكنونات اللغة وإعادة مستمرة لصياغة المعنى وكشف دلالاته المتوارية باختلاف طرق التفكير. فالبيان سعي مركب لإجلاء أقصى طاقات اللغة في التفسير، فالنص المبين يشكل تحديا مستمرا للبعد البلاغي في المطابقة وحدود استعماله في ثنائية النظرية والتطبيق داخل انساق الواقع الديني والأدبي والفكري والجمالي. ويظلُّ محاولة مستمرة لإعادة فاعلية الاستواء اللفظي على الصورة التي تواضع عليها النص اللغوي، أو نظم اللغة، فكان أن تشكل التراث النقدي على هيمنة وسلطة بيانية مسيطرة لقرون على مختلف ضروب الإنتاج الإبداعي العربي البلاغي والنتاجات الأخرى (الأجناس) الأدبية لما كان منها سائداً ومستمراً كالشعر وموازناته النقدية قديماً كالآمدي في موازنته بين شعر أبي تمام والبحتري. وتوغلت البلاغة (البيان) بعمق في اللغة العربية حتى عدّ النص البياني إعجازاً كلما بلغ النص أو التعبير مدىً يقف عنده التفكير اللغوي موقفاً يتفاوت بين الحيرة والغرابة؛ وحيثما يزداد الأسلوب غموضا يقترب من البلاغة وإعجاز البيان. وبهذا تكون البلاغة أداة البيان في الخطاب النقدي منذ اعتمادها كمقوم للخطابة واللغة إجمالًا كما في المحاورات الفلسفية الإغريقية، ومن ثّم استخدام النقد في العصور التي ازدادت فيها الحاجة إلى إثبات أحقية النصوص في التمسك المطلق للحقيقة في تأويل النصوص الدينية. وبهذا يكون النص الروائي واقع في مسار التحقيب البلاغي بتاريخه، وإن يكن النص الروائي (الرواية) بشكلها المألوف جنساً أدبياً حديثاً ويخضع في الوقت نفسه لمعايير الأدوات اللغوية البلاغية.

اللغة والرواية:

تسعى اللغة إلى التحكم بالقدرة على استيعاب ما تصطلح عليه العلوم من اصطلاحات أو دلالات لفظية يتواضع عليها؛ أو يفرض استخدامها منهجيًا بما ينتهي إلى مفاهيم تقنية يحددها السياق التوظيفي أو بما يعرف بالنسق Paradigm. كل نظرية معرفية ومفهوم يستدعي لغة ليس بالضرورة اللغة من حيث بنيتها الطبيعة، ولكن اللغة بما تترجمه الإشارات والعلامات والرموز. فالآداب والفنون تتمحور حول الكلمة المفردة في الشعر أو النص الروائي، أما العلوم وتطبيقاتها التجريبية فتكتفي بالرموز والمعادلات الرياضية التي بالضرورة لغة تتسم بالثبات وحصينة ضد التأويل بما يوحي به اللفظ في غير موضع من نصوص الخطاب الثقافي للغة. فاللغة السردية طاقة لإنتاج تعبيرات خارج السياق البيئي للغة – مجال التداول- إلى أن اللغة التي تُسكن أو تطور  المفهوم أو ما تعبر عنه الشخصيات الروائية ويصبح دارجا في اللغة المتداولة. ولغة النص الروائي ليست هنا تعبير دارج لا يعتمد قواعد لغوية لإنتاج التعبير الذي ينتجه السرد في شكله اللغوي. ففي موازاة النص اللغوي السليم بالمحافظة على مفردات اللغة، تعمل كل من اللغة والسرد على إيداع شامل بإدخال المفردات والمسارد اللغوية إلى المعاجم كذاكرة لغوية ثنائية أو مفردة.

اللغة وتشكلات السرد الروائي:

تحاول اللغة السردية تقديم صورة لغوية سمتها العام لغة مبسطة ذات قاع شعري ودلالي أحياناً فتركيب الجملة ينساب متقطعًا ولا تخلو من نبرة ساخرة اتساقًا مع أحداث الرواية. إنها الصورة التي عبر عنها ميخائيل باختين “… وداخل كل ملفوظ تقريبًا، يحدث تفاعل متوتر، وصراع بين كلامه الخاص وكلام ” الآخر” كما تتم سيرورة دينامية مما يبدو عليه، إذا اكتفينا بالنظر إلى توجيه الغيري وتعبيراته أحادية الصوت المباشرة”[vi]. فالرواية تقتصد مستوىً لغويا تتباعد فيه دلالات الأسلوب في حين تبرز لغة المكان والشخصيات والأحداث متفاعلة مع مستوى اللغة التي تنتج نصًا لغويًا سرديًا.

على الباحث أن يراعي مبدأين أساسين للقيام بإجراء التحليل الأسلوبي بشكل “ديناميكي” يتغلب على الوصف الثابت خلال القراءة النقدية وهما:

أولًا: التحديد الكمي الذي يشمل جميع عمليات رصد الوسائل “التكنيكية” الأسلوبية المتمثلة في النص الأدبي وحصرها وتصنيفها، مما يعد خطوة أولى في القراءة النقدية. وينجم عنها نوعان من النتائج: أحدهما تقويم العناصر التي تمارس تأثيرًا أسلوبيًا فعليًا لا شك فيه على حسب العناصر الأخرى ذات الطابع الثانوي المترتب على فقدانها لمثل هذا التأثير. والثاني إبراز بعض الدلالات المركزة على تلك العناصر.

ثانيًا: تفسير هذه العناصر بتحديد جذورها الشخصية والموضوعية؛ أي تقويم الوسائل الأسلوبية باستحضار جذورها الذاتية في شخصية الكاتب من ناحية والشبكة الدلالية الموظفة لها من ناحية أخرى. ومن هنا فإن هذا التقدير الشامل لا يمكن القيام به إلا في مرحلة أدبية معينة أو في نطاق جنس أدبي خاص، محوط بوجهة موضوعية “أيديولوجية” تضفي على هذه المكونات الجمالية طابعها المتماسك[vii].

تستخدم الرواية الصور البلاغية استخدامًا واسعًا والمفردات الغنية بالتعابير المجازية، مما يوضح الصلة بين اللغة كأداة  لغوية توظف المفردة اللغوية ومطابقتها للنص الروائي، أي ما يعرف بلغة الرواية. ثمة تعبيرات ينفرد بصياغتها النص الروائي تفضي إلى جملة قصيرة موحية تجعل من النصّ الروائي نصًا مشوقًا بسبكه اللغوي المتين. وعليه، تبدو في مستوى ما شعرية وقد تخللت الأبيات الشعرية النص كأن يبرهن النص السردي على تمكنه من الأداء اللغوي. وقد تبين اللغة الفصيحة عن تعابير تبلغ بالنص الروائي مبلغًا رفيعًا من الناحية اللغوية، ومع وجود استخدام العامية في حيز ضيق على لسان بعض من الشخصيات الروائية يعقبها تدخل الراوي بشرح لغوي ناصع في إبانته. و لربما  باستخدام للصور المجازية أن يجعل المفردة تمنحنا أكثر من صورة سردية.

هذه التشبيهات الواردة في هذه الجمل، دقيقة في وصفها بإيجاز ولكنها تمتد في الذهن بالصور التي تتسع مداراتها في التصور اللغوي العام.وتشبع النص الروائي باللغة التصويرية الشاعرية التي تستند على الاستعارة والترميز والدلالة المضمرة، وتكثف كلها  المشاهد السردية في النص الروائي ليكمل الوظيفية اللغوية في السرد. إنَّ إنتاج نص روائي بعيدًا عن اللغة التقريرية أيًا يكن مستوى اللغة المستخدمة (العامية، الفصحى) دون تحميلها بالصور البلاغية والإيحائية؛ يفقد النص الروائي أهم عناصر الخطاب الروائي والتشكيل اللغوي الروائي. فالمعالجة الأسلوبية لمسألة اللغة في النص الروائي تعكس العلاقة بين معرفة الروائي وعوالمه التي يشكلها في النص، وإذا كان الوصف كآلية اللغة في محيطها الموضوعي لإضفاء الدلالات التي تشير إلى الموضوعات في وجودها الفعلي، فإن الوصف اللغوي في النص الروائي يتطلب ما فوق الوصف المباشر، ولذلك ينقاد السرد الروائي إلى اللغة إذا كانت من القوة بمكان هيمنتها ودقة نقلها.

 

ـــــــــ

إشارات مرجعية :

  • Terry Eagleton, Literary Theory.

  • Ferdinand Saussaure, General Linguistics Course.

  • Routledge Encyclopedia of Translation Studies.

  • Noam Chomsky, Knowledge of the Language Its Nature, Origin, & Use.

  • Martin Heidegger, On the Way of Language.

  •  مخيائل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة د. محمد برادة.

  •  د. صلاح فضل، علم الأسلوب مبادئه واجراءات.

  • ناصر السيد النور، الرؤية اللغوية للترجمة (دراسة)

 

nassir-alsayeid-alnour

* كاتب ومترجم .

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً