الرئيسية / احدث التدوينات / اللُغَة .. كأداة للخَلقِ

اللُغَة .. كأداة للخَلقِ

%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a2%d9%86

دائمًا ما أقف عاجزًا أمام اللُغة، وذلك أثناء محاولتي استجلاء كُنهها وفهم ماهيتها وصولاً لمعرفة أسرارها وكشف خباياها، وهي من أعقد الأشياء وأصعبها. فإذا كنت تجهل لغة ما، ستبدو لك حروفها وكلماتها كالطلاسم الغامضة، وستصبح النصوص المكتوبة بها ألغازًا من المستحيل فهمها، ولذلك دائمًا ما تُحيرني الأسئلة التي تحاول البحث عن بدايتها والكيفية التي نشأت بها تراكيبها، ومن ثم تكاثرها لتبلغ حوالي سبعة آلف لُغة في عصرنا الحالي ! هذا غير ملايين اللهجات التي تتفرع منها، فهل كانت لُغةً واحدةً في الأساس؟ أم أن أصلها يعود إلى لغاتٍ متعددةٍ نشأت بالتزامن وبمعزلٍ عن بعضها؟

 لا أحد يستطيع معرفة ذلك حاليًا، فكل الذي نعرفه أن هنالك رموزًا تحولت إلى لغاتٍ مع مرور الزمن، ولكنا نجهل كيفية هذا التحول، ومقدار الزمن الذي استغرقه بالتحديد. كما وأن هذه الرموز تتوزع في الكرة الأرضية بشكل لا يمكن معه معرفة إلى أيها تنتمي اللُغة أو اللُغات الأولى، كل ذلك لعدم وجود وثائق تُخبرنا بالتّشكُل الأول للّغة، فهي في الغالب قد نشأت شفاهية ثم دونت بعد ذلك، فمعظم النقوش والكتابات على جدران الكهوف والمعابد والتي تحمل رموزًا يمكن أن نُطلق عليها أبجديات لغوية وجد أن تاريخ ظهورها متأخر جدًا مقارنة بتاريخ وجود الإنسان. فقد ظل الإنسان لوقت طويل لا يَعرف الكتابة والتدوين، واقتصرت وسائل التواصل بينه وبين بني جنسه على الإشارات والمفردات البسيطة جدًا، بتراكيبها المحدودة، ثم أخذت اللغة تنمو وتتطور شيئًا فشيئًا بتطور الحياة الإنسانية، فهي تُعتبر من محفزات هذا التطور أيضًا، فلولا اللغات المكتوبة لما كان هنالك تدوين وحفظ لمختلف المعارف والعلوم المكتشفة، ولكانت خبرة الإنسان ستقتصر على الفترة الزمنية التي يعيشها فقط، ولما أستطاع نقل هذه الخبرة إلى الذين سيأتون بعده إلا بقدرٍ ضئيلٍ جدًا، ومن خلال الإطار الذي يسمح به الاحتكاك المباشر بينه وبينهم. فالتّميُز الذي ناله الإنسان على الحيوان كان بفضل امتلاكه لمهارة النطق، والتي تتطلب وجود اللُغة، والتي تعمل هي الأخرى على اكتساب الإنسان للمعرفة، فالعقل لا يمكن أن يعد عقلًا إلا باحتوائه على المعرفة، وبتأملنا الفاحص الدقيق للحياة الإنسانية منذ نشأتها وحتى الآن، نجد أنها قد تطورت بتسارعٍ هائلٍ جدًا نتيجةً لتطور اللُغة، وكأنها تعمل بشكل أو بآخر على خلق هذه الحياة، فحتى الأديان نفسها نجدها تتحدث عن اللُغة كأداةٍ من أدوات الخلق والسيطرة والتغيير، فهي تصور التأثير الحادث من الآلهة التي تمت عبادتها قديمًا وحديثًا على الموجودات والكائنات بأنه يتم بواسطة استخدام لغات معينة لها مفردات شديدة التأثير وليس بالضرورة أن يتم إدراكها من قبل البشر، كما ونجد أن هذه الأديان في الأساس ترتكز على نصوص مكتوبة بلغات متفرقة لإيصال رسالتها وكذلك تستخدم لغات متفرقة للتواصل بين الآلهة ومن يعبدونها خلال أدائهم للطقوس التعبدية مع وجود أشكال حركية في هذا التعبد، فلولا هذه اللغات لما كانت هنالك أديان ولما كان هنالك مؤمنين. وحتى القوى الغامضة التي يمكن أن نسميها مجازًا سحرًا، ما هي في الأساس إلا استخدام لكلمات وعبارات مركبة بصورة معينة لتعطي دلالات خاصة جدًا، تحدث بها هذا الأثر القوي الناتج عنها. فالكلمات ليست مجرد رسم وإنما هي قوى حيةٌ تتحرك وتتفاعل وتؤثر بصورٍ مختلفةٍ جدًا.

يتعلم الإنسان اللُغة بشكلٍ لا واعيٍ، وهو ما يزال طفلاً، ويمكنه بعد ذلك أن يفهم ما يسمعه،وينطق به، ليتواصل مع غيره بكل سهولة ويسر عبر الكلام المكتسب عن طريق هذه اللُغة، ولكنه لن يستطيع إتقانها بشكل حقيقي إلا بعد أن يتعلم القراءة والكتابة، فهما المهارتان اللازمتان لاكتساب المعرفة، وبِدونهما يظل الإنسان جاهلاً مهما كان فصيحًا. فلا معرفة بدون قراءة وكتابة، ولا معرفة بدون إتقان اللغة. وعمليتي القراءة والكتابة نفسيهما تساهمان في حفظ اللغة وتطورها، كما تساهم هذه اللغة بشكل مباشرة في ترقية الوعي الإنساني وتقدمه. فمعظم اللُغات الحية في يومنا هذا كانت في يوم من الأيام حاملةً للمعرفة، وحاضنةً للعلم، وضمنت بذلك بقاءها واستمراريتها، وما اندثرت الكثير من اللُغات إلا حين عجزت عن أن تكون كذلك، فاللغة مثل الكائن الحي، تنمو وتتقدم بالتغذية والعناية، وتموت وتندثر بالإهمال وعدم الاكتراث، وما اللغة إلا حياتنا الحقيقية، فبها نستطيع إدراك الأشياء، وبها نعقل ونفهم المجردات، وبها نتواصل مع غيرنا، وبها نفكر بيننا وبين أنفسنا، فمن المستحيل أن تجد شخصًا يستطيع التفكير بدون لغة، فاللغة حاملة الفكر وحاضنته، وكلما أستطاع الإنسان تجويد لغته كلما ارتقى فكره وسما أكثر، لذلك نجد أن معظم الأدباء والمفكرين والفلاسفة البارعين هم أصحاب لغة ناصعة في الأساس، واستطاعوا من خلال امتلاكهم لنواصي اللغة والتمكن من مهاراتها أن يبدعوا وينتجوا ما لا غنى لنا عنه من المؤلفات والنظريات في شتى المجالات. فكثيراً ما نقرأُ كتاباً وتدهشنا اللغة الجذلة والرصينة المكتوب بها، فنتعجب من قدرة كاتبه وتمكنه من صياغته على هذا النحو، وما ذلك إلا دليل على أن اللُغة نفسها مرنة، وقابلة للتشكل والتطويع، ويمكن لمن أمتلك أسرارها أن يشكلها كيفما يشاء، دون تشويهها أو الإخلال بقواعدها الأساسية، وهذا ما يجعل الكثيرين يحاولون دائمًا ابتكار تراكيب جديدة في كتاباتهم، مما يجعلهم ينتهجون أساليب مختلفة ومغايرة عن سواهم، فهم دائماً ما يجترحون مفردات جديدة أو يكسبون المفردات القديمة معاني جديدة، وهذا ما يجعل نصوصهم ومؤلفاتهم تضج بالحيوية وتنضح بالدهشة، فلا شيء أمتع من أفكارٍ وأخيلةٍ وصورٍ وتراكيب مكتوبةً بلغةٍ مدهشةٍ وجذابةٍ.

دفع التطور الكبير الحادث في اللُغة وتراكيبها وطريقة استيعابها وفهمها مجموعة من المفكرين والفلاسفة والعلماء لدراستها والتعمق فيها بشكل مستقل، مما قادهم إلى معرفةٍ عظيمةٍ حولها.حيث كشفت العديد من الدراسات العلمية مدى تأثيرها على النمو العقلي للإنسان، وارتباطها الوثيق بسلامته النفسية. فاللُغة تعد أحد أهم العناصر التي تساعد في تكوين الشخصية السليمة للإنسان، فالإنسان الذي يمتلك المهارات اللغوية الشاملة يستطيع التواصل مع ذاته ومع غيره بدون أي عوائق، كما وأنه يستطيع تلقي المعارف والعلوم ومن ثم فهمها بدون أي مشاكل، فكلما تعلم الإنسان اللُغة في سن مبكرة وأتقنها، كلما أصبحت فرصته في النبوغ والإبداع أكبر. فالأطفال يتعلمون اللُغة بسهولةٍ ويمكنهم تعلم أكثر من لُغةٍ بدون عناء، لذلك نجد أن الأطفال الذين يدرسون في مدارس بها مناهج تعليمية تتضمن أكثر من لُغةٍ واحدةٍ يكونون في الغالب أكثر ذكاءً وقدرةً على الاستيعاب من أقرانهم اللذين يتعلمون ويدرسون بلُغةٍ وحيدةٍ، كما وأنه تزداد صعوبة تعلهم للغات جديدة كلما تقدم بهم العمر. حيث أثبتت مجموعة من الأبحاث أيضًا أن الأشخاص الذين يمتلكون القدرة على التحدث بأكثر من لغةٍ يستطيعون التفكير في المعضلات وحلها بسرعة أكبر من أولئك الذين يتكلمون بلُغةٍ واحدةٍ.ولا يخفى على أحد كمية المعرفة الضخمة التي يمكن أن يجنيها شخصٌ ما من خلال تعلمه لأكثر من لغة، فهو بالتأكيد ستتاح له فرصة الاطلاع على ثقافةٍ أخرى، بما فيها من عاداتٍ وتقاليد وآداب وعلوم ومعارف، وسيستفيد من هذه المعرفة بشكل كبير، بالإضافة إلى أن ذلك سيساعده في التواصل بسهولةٍ وسلاسةٍ مع الأفراد الذين يتحدثون باللُغة التي أصبح هو يعرفها، ويمكنه أن يرتقي لأكثر من ذلك فيترجم المؤلفات الموجودة في إحدى اللغات التي يجيدها إلى أخرى، وهذا الفعل تحديدًا هو ما ساهم في نهوض وتقدم كثيرٍ من المجتمعات والدول. فمن المعروف أن معظم التراث الإنساني المعرفي قد تم نقله وتداوله بين الحضارات المختلفة وعبر الحقب الزمنية المتعاقبة عن طريق الترجمة، فلولا إمكانية تعلم اللغات المختلفة ومن ثم إمكانية الترجمة للنصوص المختلفة من لُغةٍ إلى أخرى لكان الناس يعيشون على الأرض في مجتمعاتٍ معزولةٍ، دون أي تواصلٍ بينها أو تبادلٍ للمعرفة، ولكانت المعرفة الإنسانية متأخرة جداً الآن عن ما هي عليه. ومن كل ذلك يتضح لنا الدور العظيم الذي تقوم به اللُغة في الحياة، فهي إحدى ركائزها الأساسية، ومن دعائم تقدمها وتطورها، فلا أعتقد أنه يمكن أن يكون هنالك شكل من أشكال الحياة العاقلة والراقية دون أن يكون لها لُغة أو عدة لغات تستخدمها بشكل مستمر وبصورة ميسرة.

شغلت اللُغة الكثيرين من الفلاسفة وحازت على اهتمامهم بشكل كبير منذ فجر التاريخ، وذلك لأنه لا يمكن أن تكون هنالك فلسفة بدون لغة، ولا يمكن لأحد ما أن يشتغل بالفلسفة وهو جاهل باللُغة، فاللُغة هي الوعاء الحاضن للفلسفة والفكر معاً، ولذلك فهي سابقةٌ عليهما، ولكنها تتفاعل معهما باستمرارٍ. وبالرغم من انشغال الفلاسفة باللُغة واهتمامهم بها إلا أنه لا يمكن القول بوجود فلسفةٍ خاصةٍ باللُغة إلا بعد بداية القرن العشرين، وذلك بظهور مجموعة من الفلاسفة الذين اهتموا باللُغة بشكلٍ خاصٍ، ويمكن وصفهم بأنهم فلاسفة لغويين بامتياز. ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: فريدنان دي سوسور، برتراند راسل، نعوم تشومسكي، هانز جورج غادماير، وجاك دريدا، فقد قام هؤلاء الفلاسفة مع غيرهم بتطوير فلسفة اللغة ووضع علوم مختلفة تختص بدراسة اللغة والنصوص المكتوبة بها والخطابات الناتجة عنها، منها عِلمُ اللِسَانيات أو عِلمُ اللُغات (Linguistics) وهو العِلمُ المختص بدراسة تاريخ اللُغات وكيفية نشوء مفرداتها وتراكيبها، وكذلك يدرس تشابه اللُغات واختلافاتها عن بعضها. حيث يتم بواسطته تحليل ودراسة طبيعة المفردات اللُغوية وتتبع تاريخ ظهورها وأشكالها الأولى التي كانت عليها، فهو لذلك يستعين بعلم التاريخ وعلم الإنسان والكشوفات الجغرافية في الوصول إلى هدفه. وقد أدى استخدام علم اللسانيات وتداوله إلى ظهور علومٍ أخرى متفرعةٍ منه ومرتبطةٍ به كعِلم المعنى أو عِلم الدلالة (السِيّمنطِيقَا)، وهو من العلوم اللُغوية المختصة بشكلٍ أساسي ومحدد بفهم وتوضيح الكيفية التي تنتج بها اللُغة المعنى، وذلك عن طريق فهم البنية الأساسية للمفردات اللُغوية والعلائق التي تربطها في ما بينها لتنتج عبارات ذات معاني محددة، فكل اللُغات في الأساس تتشكل من حروف أو مفردات تتركب مع بعضها لتعطي الكلام المنطوق أو المكتوب، والذي يتشكل على هيئة رموزٍ يتم تفسيرها بعملية القراءة، والتي من أهم أهدافها فهم الكلام المكتوب والوصول إلى معناه، كما يحدث عند سماع الكلام المنطوق. ولم يتوقف العلماء والفلاسفة عند هذا الحد في فهم اللُغة وأصلها وكيفية إنتاجها للمعنى بل ذهبوا لأبعد من ذلك في رحلة بحثهم وتقصيهم وتعمقهم خلال النصوص، فوضعوا علم التفسير أو التأويل (الهِرمِنيوطيقَيا) وهو يعد أحد أهم العلوم المستخدمة في تحليل وفهم النصوص اللغوية، وبالرغم من أنه أتي بعد عِلم الدلالة ويكاد أن يكون مستقلاً عنه إلا أنه يرتبط به وبعِلم اللِسَانيات ارتباطاً وثيقاً، فهذه العلوم الثلاثة تعمل بشكل مترابط ومتكامل، ولا يمكنها الاستغناء عن بعضها حاليًا، فحيث يقوم علم اللغات بالكشف عن تاريخ اللغات وأصل مفرداتها وتراكيبها، يأتي علم الدلالة ليكشف عن معانيها الواضحة وما تشير إليه من مضامين ظاهرة، ويتبعه عِلم التأويل بالكشف عن المعاني والمضامين الخفية والمستترة، فهو يحاول الوصول إلى ما وراء تلك النصوص ولا يكتفي بما يعلنه ظاهرها فقط. وقد كشفت العديد من الدراسات التي استخدمت فيها علوم اللِسَانيات والدَلالة والتأويل مع بعضها عن حقيقة كثير من النصوص المزيفة، سواء كانت فلسفية أم دينية أم أدبية أم غيرها، والتي تم نسبتها زورا لأشخاص عاشوا في فترات تاريخية مختلفة، كما وتم التحقق من صحة الكثير من تلك النصوص من حيث تركيبها اللغوي ومعناها الأساسي ومعانيها المضمنة، وذلك بمعرفة مدى تماسكها الداخلي من عدمه، ومعرفة مدى تطابق معانيها المتداولة مع معانيها الحقيقية، بالإضافة إلى تأويلها تأويلًا يستند إلى أسس علمية ومنهجية وليس إلى أذواقٍ وأهواءٍ وادعاءاتٍ، وهو ما يوضح أهمية هذه العلوم وضرورتها الملحة حالياً للتمييز بين ما هو أصيل وحقيقي وبين ما هو دخيل ومزيف.

كانت اللُغة وستكون دائمًا واحدةً من أهم عناصر اشتغال الكائن البشري، فهو يؤكد وجوده من خلالها عن طريق معرفته بذاته ومعرفته بما يحيط به، كما وأنها الوسيلة الأمثل لتواصله مع الآخرين، ولذلك نجده دائم العناية بها، فهو يتعلمها ويعلمها للأجيال المتلاحقة من بعده، كما وأنه يستخدمها في تدوين المعارف والعلوم التي توصل إليها في حياته بعد أن استفاد من تلك التي تركها له من عاشوا قبله أو التي اكتسبها من معاصريه، وذلك حتى يضمن وصولها لمن سيأتون بعده. وهذه العملية ستؤدي بصورةٍ طبيعيةٍ إلى تداول اللُغة وكثرة استعمالها، بما يضمن حيويتها وبقائها، ولكن لابد أيضًا من الاعتناء بها والمحافظة عليها، وذلك بالحرص على تعلمها بشكلٍ سليمٍ واستخدامها بصورةٍ صحيحةٍ، والحذر من الاستسهال والتلاعب بها، فكما أنها سهلة التطور والتقدم فهي أيضًا سريعة العطب، وهذا لا يعني أن نستخدمها بصورة جامدة ولا نضيف إليها، بالعكس، يجب أن ننميها ونطورها دائمًا ولكن بصورة صحيحة، ولن يتم ذلك إلا بالفهم والاستيعاب الشامل لها، والمداومة على دراستها وإجراء البحوث حولها، لضمان تنقيتها من كل ما يعتريها من خلل والمحافظة عليها من التدهور والإضافة إليها بما يجعلها دائمًا في قمة حيويتها ونضارتها وفاعليتها.

عن محمد عمر جادين

mm
كاتب سوداني مهتم بالأدب والفكر وقضايا الإستنارة .

3 تعليقات

  1. entirely improbable regarding personally own named it mystical heraldry. Well-known Chloe handbag to understand whereby *** certainly is the satan network! Down the road, Acquaintances achieve compatible with the particular opposing. Ouyang Lin Baking pan once more, Want their uncle Low priced Chloe search and so substantial guy, Chloe Bao Xin never enjoy Shembe achieve? Unwind, ultimately ended Linsen persist the particular impetus toward channeling.

  2. Great beat ! I wish to apprentice while you amend your website, how can i subscribe for a blog web site? The account helped me a acceptable deal. I had been tiny bit acquainted of this your broadcast offered bright clear idea

  3. I acquired a large number of comments. My group is therefore , excited about a majority of these betterscooter.com http://adf.ly/6249830/banner/www.scamadviser.com/check-website/betterscooter.com- most certainly revenue spent well.

أضف تعليقاً