الرئيسية / احدث التدوينات / بين العامّية والفصحى

بين العامّية والفصحى

large_1238091962

خاص لجيل جديد : محمد حامد *

إننا نرى كيف تعلو من آن لآخر، صيحات أثيمة ، تدّعي صعوبة الكتابة بالفصحى، وتدعو لذلك إلى هجرها، والكتابة بالعامّية، بحجج يبدو فيها الزيف والضلال، وهي إن جازت على بعض ذوي العقول الضعيفة، والنفوس المريضة، فإنها لم تخدع بحال من الأحوال جمهرة العرب، الذين آمنوا بربهم، و تمسكوا بكتابهم، وعرفوا أن في حياة هذه اللغة الشريفة حياة لدينهم وتراثهم، وهم في هذه موقنون.

بتحقق وعد الله الكريم، بأن يحفظ الفصحى، حين تكفل عز وجل بحفظ كتابه العزيز، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .

و إن من يدعو إلى نبذ الفصحى، والكتابة بالعامّية، لهو أحد رجلين، أولهما: حاقد على الفصحى وكتابها الكريم و دينها الخالد، فهو يريد هدم الدين عن طريق هدم لغته، و تضييع كتابه، وهذا ضل سعيه؛ لأنه ممن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، و يأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.

و الآخر رجل جاهل بسر العربية، وما فيها من قدرة بارعة خلاقة في التعبير عن الفكر. و من جهل شيئًا عاداه، كما يقولون.

ومن النفر الأول بعض المستشرقين وذيولهم في الوطن العربي، وقد هلل “نولدكه” لمحاولات “محمد عثمان جلال” الكتابة بالعامّية المصرية للمسرح، فما باله لو اطّلع على الأدب الغث الذي كتب بهذه اللغة الممسوخة، في عصرنا الحاضر؟!

إن مما يطمئن النفس أن أصحاب هذا الأدب، يحسون في قرارة أنفسهم بالضعة، و يتجرعون مرارة الإحساس، بأن أدبهم محلي، ليس له رواج إلا في بيئاتهم المحدودة.

ولقد يلفت النظر أن قطب الدعاة إلى العامّية في نصف القرن الماضي، وهو “سلامة موسى”، لم يكتب واحدًا من مؤلفاته، أو يسطر كلمة في مقالاته، باللغة التي كان يدعو إليها. فهل ترى أقسى من هذا على نفوس هؤلاء الحاقدين الحاسدين؟!

إنه من الغريب حقًا أن يبحث بعض الناس عن لغة أخرى غير الفصحى، لتحل محلها -على زعمهم- في توحيد شعوب الأمة العربية، و يرون في هذه العامّية أملهم في أن تحمل لواء الأدب، وتتسع لمستحدثات الحضارة.

فأية عامّية تلك التي يريدونها؟ أهي عامّية مصر، أم عامّية الجزيرة العربية، أم عامّية العراق، أم عامّية سوريا، أم عامّية المغرب، أم عامّية السودان؟ وفي مصر مثلًا: أهي عامّية الصعيد، أم عامّية الوجه البحري، وفي الوجه البحري: أهي عامّية الشرقية، أم المنوفية، أم البحيرة؟ إن هذا لهو الضلال المبين!

وليعرف أبناء اللغة العربية، أن محاولة رفع مكانة العامّية، لتحل محل اللغة الأدبية، إنما هو شعار مدرسة ضالة في أمريكا، لم يرض عنها جمهرة علماء اللغة في العالم. وهذا هو “ماريو باي” يرد عليهم فيقول في كتابه ” لغات البشر ص “108:

“شق الجيل الجديد من اللغويين في أمريكا، عصا الطاعة على النحو التقليدي، وبدءوا يدعون للمبدأ الذي ينادي بأن الصيغة التي يستخدمها الناس، هي الصيغة اللغوية الصحيحة. وقد صار شعار هذه المدرسة:

“إن اللغة الحقيقية، هي اللغة التي يستخدمها الناس فعلًا، لا اللغة التي يعتقد بعضهم أن على الناس أن يستخدموها”.

ولكن الصيغة التي يستخدمها الناس، لها مشكلاتها الخاصة بها، فأية صيغة هذه؟ ومن الذي يستخدمها؟ حتى في الدول التي يظهر للناس أنها تستخدم لغة موحدة، هناك مستويات مختلفة لاستخدامها، كما تختلف اللهجات المحلية، باختلاف المناطق التي تستخدمها”.

ولقد بلغ من خبث بعض دعاة العامّية أحيانًا، أن زعموا أن العامّية شكل صحيح من أشكال الفصحى، عنها تطور ومنها أخذ، وأن استخدام العامّية لن يقطع الصلة بيننا وبين الفصحى. ولقد كذبوا في هذا وزيفوا وضللوا، فهم يعرفون تمامًا أن اللاتينية مثلًا، كانت هي اللغة الأدبية في إيطاليا وفرنسا وأسبانيا في العصور الوسطى، وكانت العامّيات المنتشرة في هذه البلاد، هي اللهجات الإيطالية والفرنسية والأسبانية، وهي عامّيات لاتينية، تشبه العامّيات العربية في صلتها بالفصحى.

وقد أدى استخدام الأدباء والشعراء لهذه العامّيات بعد ذلك، في إيطاليا وفرنسا وأسبانيا، وتركهم اللغة اللاتينية الأدبية الأم، إلى موت هذه اللغة، وانسلاخ العامّيات عنها، وتكون اللغات الإيطالية والفرنسية والأسبانية، وهذا هو ما يريده دعاة العامّية، وهو أن تتفكك لغتنا إلى لغات شتى، في أرجاء الوطن العربي.

و خلاصة القول أنه لا يحق لنا، أن نخلط الفصحى بالعامّية، بدعوى أنها تمّت إليها بصلة، فإن هذه لغة وتلك لغة أخرى، فمن ضاق بالفصحى من هؤلاء الأفاقين، فلا عليه أن يستخدم عامّيته في أحاديثه و كتاباته، غير أنه لن ينتزع منها شهادة بأن هذه العامّية هي والفصحى سواء. و إنا لهم بالمرصاد، والله الموفق.

 _______

14199575_1232737830112401_4307825981928198348_n * الكاتب محمد حامد محمد من مواليد أغسطس 1969

حاصل على ليسانس آداب قسم اللغة العربية عام  1990

كاتب و روائي له العديد من المؤلفات المتنوعة نذكر منها :

كتب في التصوف و سِيّر الصحابة:

– هكذا تكلم جلال الدين الرومي , مولانا أنين الناي, من سير الصحابيّات, سيرة و مناقب عمر بن الخطاب.

كتب عن اللغة و الإبداع:

– في الكتابة الإبداعية, شوارد نحوية, تبسيط النحو والصرف و القواعد الاملائية.

مؤلفات أخرى:

– المُتَشَوّف , قواعد العشق الخمسون ,  أدب الجواري, لا أحد يعبر الجسر,

كيف تكون شخصيتك؟, كيف تكون من الأوائل؟, 

سلسلة من خمسة أجزاء تتضمن مختارات من مقالات الأديب عباس محمود العقاد. قصص و روايات:

– السابعة والنصف صباح الثلاثاء “مجموعة قصصية”, و رواية”فراديس”

شارك في فعاليات المؤتمر الدولي الأدبي السادس “مئة ألف أديب من أجل التغيير” سبتمبر الماضي.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً