الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: أوديسة اللغة العربية ونظامها الكتابي

ترجمات خاصة: أوديسة اللغة العربية ونظامها الكتابي

arabo

لقراءة المقال الأصلي ( هنا )

تعد اللغة العربية أصغر فرد في عائلة اللغات السامية التي تضم : الأرمنية، اللغات الآشورية-البابلية،الأثيوبية، العبرية،و العربية الجنوبية كالسبئية و الحُميرية، وبالرغم من ذلك فإنها الأقرب للنموذج الأصلي أي “السامية الأولى” والتي اُشتقت منها هذه اللهجات جميعها.

والعربية التي نعرفها اليوم تطورت من لغة قريش (قبيلة النبي محمد) وهي اللغة الخالصة الأفضل التي تطورت من لهجات جنوب الجزيرة العربية، وهي اليوم تعد اللغة السامية الأكثر استخدامًا مفاجئةً الجميع بثرائها من المرادفات وأوزانها المتناغمة وإيجازها و وضوحها وبلاغتها. وقد نجحت بإظهار إمكانيات عائلة اللغات السامية وإيصالها إلى مرحلة متقدمة من التطور كما لم تفعل أي لغة أخرى من العائلة نفسها والتي معظمها مندثر الآن أو على وشك الإندثار.

خضعت اللغة العربية الحديثة إلى عدة تغيرات صوتية ونحوية مهمة في تركيبها اللغوي،بالرغم من وجود عددٍ من اللهجات في عالم العربية المحكية فإن الفصحى وهي النموذج المُبسط من لغة القرآن قد وحدت المتحدثين بها، وهي اللغة المكتوبة المُستخدمة في كل الأقطار العربية في الصُحف والمدارس و في البرامج التلفازية والإذاعية. والأبجدية العربية بسيطة ومختصرة فهي تحوي ثماني وعشرين حرفًا جميعها حروف صحيحة ما عدا ثلاثة أحرف تُستخدم كحروف معتلة طويلة،أما حالات الإعتلال الأخرى فتحددها أربع عشرة حركة إعرابية والتي تحول أيضًا الأفعال و الأسماء،وتُوضع الحركات إما فوق الحرف الصحيح أو أسفل منه لتحدد النطق الصحيح للكلمات.

أما نظام الكتابة العربية (الخطوط) فما زال يحوم خلاف حول تطوره،حيث يُشير بعض الكٌتاب إلى أن أصله يعود إلى ما قبل حوالي 4.500 سنة ولكن السجلات الأثرية الجيدة عنه تعود فقط إلى القرن الرابع بعد الميلاد. ويُشير هذا إلى أن نظام الكتابة العربي تطور من النبطية والتي تنحدر مباشرةً من الآرمية التي هي نفسها نتاجٌ من أبجدية السامية الأولية و هي نظام كتابة قديم تطور بين القرنين السادس عشر والثامن عشر قبل الميلاد والتي تعد هي السلف لكل الأبجديات الأوروبية والآسيوية -باستثناء الصينية- . مُبكرًا بعد ظهور الإسلام تطور نظام الكتابة العربي إلى نوعين من الخطوط. الأول : الكوفي الذي تطور في المدينة العراقية الكوفة،وقد توقف استخدامه في العصر الحالي ما عدا في التصاميم المعمارية،حيث أضفى على نفسه لمسات مبهرة للاستخدام في الزخرفة والذي ما زال يُوظف إلى حد كبير في الفنون والعمارة الإسلامية. أما النوع الثاني فهو : النسخ وهو يُكتب بحروف متصلة ويُستخدم بعدة أساليب وطرق فنية مُبتكرة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، كما أنه مشهور لجماله وهو أصل الكتابة العربية الحديثة، ويُستخدم حاليًا في عدة نماذج زُخرفية مُعقدة. و كلا النوعين ذائعي الصيت بسبب أناقتهما و تميزهما الفني اللذين تسببا في توظيفهما في الأعمال الفنية المتقنة والمميزة.

خُلدت اللغة العربية في القرن السابع كلغة القرآن وأضحت ملازمة للإسلام، وباندفاع الجيوش الإسلامية تجاه جنوب أفريقيا فشبه الجزيرة الإيبرية والشرق، من قلب أرض العرب إلى قلب آسيا انتشرت اللغة العربية كجزء من الدين الجديد انتشار النار في الهشيم، وقد عدت الشعوب المسلمة حديثًا نفسها في العديد من الحالات أنها امتلكت لغة رجال الصحراء المنتصرين. وفي بضعة عقود أصبحت اللغة الرائدة في العالم والمحيط الثقافي تلك التي وحدت معظم أقطار العالم المتحضر.

ساوى الانتصار المذهل للجيوش العربية بين امتياز العربية و الإسلام والقرآن، وجعلها اللغة الوحيدة التي تمكن المسلم من الوصول إلى الله، ولا يستطيع أي شخص يُسلم أن يتجاوز استخدام العربية أو على الأقل بعضٌ منها. ولم تستطع لا الإغريقية ولا اللاتينية ولا أي لغة أخرى أن تبلغ ما بلغته العربية القديمة من منزلة في العالم،تلك اللغة الجيدة المناسبة للتخاطب والتفاعل مع اللغات الأخرى. كتب جويل كارميشيل في كتابه (تقدم العرب):

” إن إمكانيات اللغة العربية لاستخدامها كلغة تصويرية لا حصر لها، فإشاراتها و عباراتها المجازية وبنيتها اللغوية تضعها في منزلة أبعد من أن تصل إليها أي لغة أخرى.. تُفقد العربية في الترجمة ولكن اللغات الأخرى جميعها تحقق انتصارًا عند ترجمتها إلى العربية”

منح اتساع المساحات الناتجة عن الفتوحات في الإمبراطوريات السامية القديمة البارزة العربية منزلة رفيعة على مستوى العالم لم تحظى بها أي لغة أخرى على الأرجح إلا الإنجليزية في عصرنا الحالي. وبحلول القرن الحادي عشر أصبحت العربية اللغة المنطوقة والمكتوبة الأشهر لكل المسلمين المتعلمين من قلب الصين وحتى حدود فرنسا، لتحل محل اللغات الأدبية الأخرى مثل : الآرمية والقبطية والإغريقية واللاتينية. وأضحت لغة الفن والثقافة و الفكر والعلوم والتقنية في المجتمع العلمي أجمع ليساهم ذلك في إنشاء حضارة إسلامية وتصبح واحدة من أعظم الحضارات التي عرفها العالم على الإطلاق .

لم يطل الأمر بعد الانتصار المبكر حتى بدأ تبني الخط العربي في لغة المسلمين الحديثين، فبمرور عدة قرون بدأت الكردية والفارسية والبشتونية والتركية وعدد من اللغات في القارة شبه الهندية و لغات أخرى مثل البربرية في جنوب أفريقا وأسبانيا باستخدام الخط العربي. وسرعان ما اُستخدم الخط العربي في عدد من لغات المسلمين من غير العرب مُشكلًا بذلك حدودًا ثقافية لتحُد العالم الإسلامي من جهاتٍ مختلفة، ومتى عبر المسافرون هذه الحدود فسيعلمون أنهم دخلوا حدود عالمٍ آخر. لاحقًا تبنى عددٌ من اللغات الملايو- بولينيزية وهي اللغات العامية لمسلمي غربي أفريقيا كالهاوسا وشرقي أفريقيا، الصومالية والسواحلية،بعض لغات أوساط آسيا كالطاجيكية،التترية، الأوزبكية،وبعض اللغات في القارة شبه الهندية كالكشمرية والبنجابية والسندية والأوردو وبعض اللغات السلافية في أوروبا الخط العربي. كما أثرت قواعد لغة القرآن على لغات أخرى كالعبرية التي بدأت بتوظيف بعض الطرق اللغوية العربية ومصطلحاتها.

بقي استخدام الخط العربي راسخًا وثابتًا حتى انتزعه سقوط الأندلس ومن ثم الاستعمار الحديث في آسيا وأفريقيا. وبقدوم الاحتلال الأوروبي التبشيري وإداراته الاستعمارية والذي نظر رئيسيًا إلى العربية وخطها بازدراء، وقد سوغ المستعمرون أن إبعاد الأبجدية العربية سيجعل لغة القرآن غامضة ومبهمة بالنسبة للناس لفصلهم عن إخوتهم المسلمين و تسهيل التحكم بهم والسيطرة عليهم. وكانت المدارس التي أسسها هؤلاء تُخرج طلابًا يعانون عقدة نقص إزاء الغرب، فهؤلاء الآسيويون والأفارقة المُغربون بمن فيهم العرب أنفسهم احتقروا العربية وقللوا من شأنها بوصفها لغة متحجرة ،كما أن أنظمتها في الكتابة لن تناسب العصر التقني المتطور. كما طور الأوروبيون المحصنين هؤلاء عقدة نقص أخرى في الأقطار الإسلامية التي لم يحتلوها كالدولة العثمانية تتعلق بالغرب ولغاته.

مع ذلك وقبل قدوم الحركة الاستعمارية إلى آسيا وأفريقيا كانت لغة القرآن مُعرضة للهجوم ،حيث حظرت أسبانيا استخدام العربية مباشرةً بعد سقوط غرناطة لكن المورسكيين المسلمين الذين أكرهوا على اعتناق المسيحية تابعوا استخدام الخط والكتابة العربية خفيةً،رغم أنهم كانوا قد نسوا العربية فقد أبقوا على الكتابة بالأعجمية الأندلسية – وهي نوعٌ من الكتابة الأسبانية المرسومة والمخطوطة بالحروف العربية حتى ترحيلهم من أسبانيا في سنة 1609- ،وبعد ذلك الطرد والترحيل اختفت الأبجدية العربية من شبه الجزيرة الإيبرية.

بُعيد الحرب العالمية الأولى وُظف نظام الكتابة بالعربية في عددٍ من اللغات التي بدأت تُنبذ، حيث اُستبدل بالأبجدية اللاتينية في الأراضي المسلمية التي كانت تحت الحكم الروسي في الفترة ما بين سنتي 1927-1928، كما ألغت تركيا الكتابة العربية في سنة 1928 واستبدلتها باللاتينية المُعدلة. تبعت الصومال الطريق نفسها في العقود القليلة المنصرمة حيث استبدلت ما كان يُكتب بالعربية باللاتينية، وكانت الهند منذ استقلالها والتي كانت تستخدم الحروف العربية لمئات السنين في لغات كالكشميرية والبنجابية والسندية تدريجيًا باستبدالها بالأبجدية الديوناكرية (السنسكريتية).

كانت الهاوسا وهي لغة تعامل مشتركة وشائعة في غرب أفريقيا يتحدث بها أكثر من خمسين مليون شخص في ذلك الجزء من القارة تُكتب لقرون بالأعجمية وهي أحد أشكال الأبجدية العربية، وقد استعارت عددٍ كبيرًا من الكلمات من العربية تلك التي أثرت على مفرداتها. ولكن في العقود المبكرة من القرن العشرين وبسبب تأثير المدارس التبشيرية وإدارات الاستعمار البريطاني نُبذت الكتابة العربية واستبدلت باللاتينية، وبقيت اليوم بعض الآداب الدينية تٌكتب بالأعجمية. وقد واجهت السواحلية التي يتحدثها سكان المناطق الساحلية في شرق أفريقيا من الصومال وحتى الموزمبيق دخولًا إلى قلب أفريقيا المصير نفسه. وهي واحدة من أكثر اللغات المنطوقة المُستعملة في أفريقيا وتحوي الكثير من الكلمات العربية المُستعارة ولكن الحملات التبشيرية ومنذ وطئت قدماها أفريقيا للمرة الأول عملت جاهدة لإلغاء كتابتها العربية، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا و صاعدًا أُبعدت الأبجدية العربية كليًا وحل محلها الكتابة المبنية على اللاتينية.

أما في الأرخبيل الماليزي الإندونسي وحتى القرن الثالث عشر كانت السنسكريتية هي المُستخدمة في كتابة عددٍ من اللغات الموجودة هناك، وبحلول القرن الرابع عشر وبعد دخول الإسلام إلى هذا الأرخبيل عن طريق التجار العرب بدأ استبدال الكتابة السنسكريتية بالعربية لأولئك الذين اعتنقوا الإسلام. وعُرفت الطريقة المُستحدثة للكتابة بالعربية المستخدمة في لغة الملايو بالجاوية وهي الاسم العربي المشتق من جزيرة جاوة. وبغض النظر عن انتشار أدب الملايو فقد ساعدت في نشر و فهم الإسلام مساعدة كبيرةً جدًا. وبقدوم الغزو الأوروبي الذي رافق الحملات التبشرية، تلك التي عرفت الشعب بالخط الروماني المُسمى بالرومي، وقد أصبح هذا هو الأبجدية لكلٍ من البهاسا الماليزيا والبهاسا الإندونيسية –واقعيًا هي نفس اللغة- التي تعد اليوم اللغة الأكثر انتشارًا في جنوب شرقي آسيا. بالرغم من أن الجاوية ما زالت تُدرس في بعض المدارس فقد خسرت كثيرًا من أهميتها ومكانتها، حيث اختفى معظمها في أندونيسيا كما أنها نادرًا ما تُستخدم في ماليزيا. كانت حجة التبشيرية التي خدمت مصالحها تتمحور حول كون الكتابة العربية لن تُناسب نطق الأصوات في اللغات المحكية غير العربية، تلك التي اقتنع بها الكثير من متعلمي ومثقفي الملايو والمسلمون الآخرون غير العرب وابتلعوها وتشبعوا بها.

بالرغم من كل ذلك فما زالت العربية تتوسع على النطاق العالمي وتنتشر، فهناك 300 مليون شخص يتحدث بها كلغته الأم و800 مليون شخص آخرين كلغة دينية، وبقيت أبجديتها الثانية في الاستخدام عالميًا في الكتابة تسبقها الأبجدية اللاتينية فقط. إلى جانب العربية أبقت أكثر من عشر لغات أخرى على استخدام الكتابة العربية وأهمها:الأوردو،الفارسية، البوشتو،الكردية، السندية في باكستان. وبقيت العربية نفسها تتمتع بسلطة ثقافية كثيرة، فبكونها لسان الفكر الإسلامي أثرت في أكثر من مليار شخص في العالم الإسلامي من الأطلسي إلى الهادي ومن جنوبي أوروبا وحتى صحراء شمال أفريقيا.

وبخلاف غيرها من اللغات نالت العربية مكانةً كلغة عالمية مرتين: الأولى خلال العصر الذهبي للإسلام والثانية في عصرنا الحالي، فهي الآن واحدة من ست لغات مُستخدمة في الأمم المتحدة واعتبرت لغة عمل في منظمة الوحدة الأفريقية، كما عادت إلى مركزها السابق كثاني لغة في إيران وباكستان والجزء الجنوبي من الفلبين.

وعمومًا فإن كل محاولات إدارات الاستعمار الأوروبي والتبشيرية والمعاديين للمسلمين التي استمرت لقرون للحط من منزلة العربية وأبجديتها وكتابتها لم تنجح، فقد استمرت كلغة حية ونابضة بالحيوية يوقرها المسلمون والعرب من غير المسلمين في العالم الأجمع.

عن عبير حماد

mm
مترجمة من الأردن أقرأ وأتطوع وأُترجم لجعل هذا العالم مكانًا أفضل للعيش .

5 تعليقات

  1. I am just commenting to make you understand what a really good encounter my friend’s daughter experienced reading your site. She came to find some issues, which included how it is like to have an ideal teaching heart to have men and women easily gain knowledge of specific complex subject areas. You truly exceeded visitors’ expectations. Many thanks for distributing these powerful, trusted, informative as well as cool tips on this topic to Julie.

  2. Pour faire plus souvent du pain maison, pensez à la machine à ache
    qui pétrit et fait cuire le ache.

  3. Le Moulinex OW610100 est devenu la machine la plus achetée sur le
    marché très récemment qu’il n’en reste que très peu en ce moment.

  4. Adieu la queue qu’on doit faire devant le boulanger chaque matin et bonjour à la
    grâce matinée.

اترك تعليقاً