الرئيسية / احدث التدوينات / ترجمات خاصة: التعدد اللغوي كمعضلة ثقافية وسط المجتمعات الأفريقية

ترجمات خاصة: التعدد اللغوي كمعضلة ثقافية وسط المجتمعات الأفريقية

%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b1%d9%81

بقلم : نونقيلا ماسيليلا.*

النص الأصلي ( هنا )

ترجمة : منجد باخوس.

يشكل سؤال اللغات الأفريقية أكثر القضايا المركزية التي تحتل طليعة الدراسات الثقافية وعلم السياسة الثقافي ، اللسانيات وعلم اللغة التطبيقي ، و بشكل ما تكمن الأهمية الكبرى لسؤال اللغة في كيفية اختيار مجتمع ما في القارة الأفريقية لغته القومية في ظل التعدد اللغوي و التباين الثقافي الساحق في القارة السمراء بديهيًا جدًا ،إن أفريقيا أكثر قارة في العالم تمتلك زخمًا ثقافيًا متميزًا ، فمثلاً في نيجيريا وحدها ما يقارب المائتان وثمانية وأربعون(248) لغة تتحدث بها المجتمعات النيجيرية !

ويختلف انتشار اللغات وعدد المتحدثين بها ، فبعض اللغات يتحدثها  الملايين منذ العصور القديمة  وصولاً لفترات ما بعد الاستعمار الأوروبي لإفريقيا ، فمثلاً نجد السواحلي في شرق أفريقيا و لغة الهوسا والفولاني بشكل واسع وسط المجتمعات في غرب أفريقيا ، إذ تستخدمها مجموعات ثقافية واسعة كلغة تواصل مشتركة في ظل التباين اللغوي الذي يشكل السمة الأساسية في تلك الأحزمة الجغرافية ، أرى أن بعض هذه اللغات السائدة – كظاهرة تاريخية في وسط المجتمعات الأفريقية – ساهمت بشكل رئيسي في تقليل التعقيدات المرتبطة دائماً باختيار اللغات القومية وسط تلك المجتمعات ، لكن على الرغم من ذلك تظل قضية اختيار اللغة القومية في أفريقيا أمراً بالغ التعقيد و الحساسية.

إذا هذا التعدد الثقافي والغنى اللغوي في أفريقيا استدعى سؤالاً مهمًا وسط الباحثين في علم اللغة واللسانيات فيما يتعلق بتصنيف هذه اللغات الإفريقية ، وقد كان هذا السؤال يمثل الاهتمام المركزي لعلماء اللغة الأوروبيين أثناء فترة العهد الاستعماري. أما اليوم ؛ ومنذ استقلال المجتمعات الإفريقية من لعنة الاستعمار ؛أصبح السؤال نفسه مهيمنًا على عقول واهتمام بعض اللغويين الأفارقة النابهين ، فمثلا المؤرخ الأفريقي العظيم جوزيف كي زيربو من بوركينا فاسو الذي يعيش في منافي ساحل العاج ؛ قد كتب بعض الأبحاث والأوراق المتميزة في هذا السياق بدايات العام1960م.

إن محاولات تصنيف اللغات الأفريقية قد قاد الباحثين إلى تحديد مجموعة من العائلات اللغوية ، فالمعايير الطبوغرافية لهذا التصنيف اعتمدت : وجود الأصوات وطبيعتها ، تراكيب الجمل ، المقاطع الأحادية ، النوع…الخ. ونجد أن عملية التصنيف هذه قد أنتجت المقاطع جديدة جداَ، فالباحثين الألمانيين في اللغات الإفريقية في نهاية القرن التاسع عشر- ويسترمان ، مينهوف وفيرنر نموذجا- قد طرحوا ثلاث عائلات لغوية أصيلة في أفريقيا : السودانية ،الحامية والبانتو ، أما مجموعة اللغات السامية فتقف في زاوية تماس بين هذه المجموعات.

لكل مجموعة من هذه المجموعات الثلاث طبيعتها الخاصة ،فمثلاً : مجموعة اللغات السودانية تتميز بأنها أحادية المقطع ونغمية . مجموعة اللغات الحامية فنجدها متعددة المقاطع ، تمتلك حروف علة متحركة متعددة وهكذا .أما ما يسمى بمجموعات لغات البانتو ؛ فهي تتحرك في مساحة بينية بين المجموعات المذكورة أعلاه.

على الرغم من أن هذه التصنيفات وثيقة الصلة بطبيعة تراكيب اللغات نفسها إلا أن عدد قليل من هذه اللغات في الحقيقة يظهر هذه السمات في التراكيب الداخلية الخالصة . هنالك أيضاً توليفات أخرى على ضوء معايير تصنيفية أخرى ، لكن هي ليست مركز اهتمامنا هنا ، فنجد مثلاً اللغوي الأمريكي جوزيف جرينبيرج قد حدد ستة عشر(16) عائلة لغوية للغات الأفريقية.

نجد أيضا أن الباحثين الأفارقة نفسهم قد حددوا عائلات لغوية ومجموعات مختلفة للغات الأفريقية ، فنجد :اللغات الأفرو – آسيوية ، نيجر-كونقو ، السودانوية ،مجموعة لغات الكليك.

تتكون مجموعة اللغات الافرو-آسيوية من المصرية القديمة ، السامية ، البربرية ،اللغات الكوشية و التشادية .أما اللغات التي تندرج تحت نيجر- كونقو فنجد : مانديقو ، كوا ، بامبارا ، وولوف ، إيجو ، أداماوا و آخرين. أما مجموعة اللغات السودانوية فتتكون من مجموعة متباينة من اللغات التي تتموقع على امتداد حوض النيل من السودان وصولاً إلى مصر. إذن للغات المندرجة تحت مجموعة الكليك فهي ما يسمى بعائلة لغات البانتو والتي تمتد من جنوب أفريقيا وحتى الزائير ، أوغندا ، كينيا و مجموعة لغات الخواز.

إذن ؛ هذا التشكيل اللغوي والثقافي المتنوع في القارة الأفريقية إضافة للبنية المتمايزة التي تطغى على هذه اللغات ؛ هو عامل مركزي في التاريخ الثقافي لإفريقيا. هذه فقط التعقيدات اللغوية التي تبدو تحديًا كبيرًا فيما يخص بناء إيقاع ثقافي موحد و اختيار لغة قومية لمجتمع ما مليء بالتعدد الاثني والثقافي في أفريقيا.

بجانب هذه التعقيدات المتعلقة بالتعدد اللغوي ؛ هنالك عمليات ثقافية وتاريخية قدمت دور اللغة داخل قضية الثقافة المعقدة ، فحتى الآن نحن نركز اهتمامنا في اللغات التي تشكلت تاريخيًا بوسط أفريقيا ، لكن بمجرد تفكيرنا في لغات الشمال و الجنوب الأفريقي تواجهنا إشكاليات تاريخية مختلفة كليًا عن التي نعتقد، فمثلاً الأفريكانية في جنوب أفريقيا تكشف لنا عن قضية الإمبريالية الثقافية في تاريخ الثقافة الأفريقية . رغم ذلك ؛ وبما لا يدع مجالاً للشك فإن الأفريكانية هي لغة أفريقية اليوم ، لكن في سياق تكوينها وتشابكها وتداخلها مع اللغات الأفريقية الأخرى ، لكن يجب الإشارة إلى أن وصولها إلى المجتمعات الأفريقية كان عبارة عن عملية اختراق إمبريالي لأنها في الأساس ليست لغة أفريقية خالصة ، وإنما تعود جذورها إلى اللغة الهولندية. أما اللغة العربية ؛ التي تتراجع ، ساحق في شمال أفريقيا ، فقد ساعدت وسهلت عملية انتشار الديانة الإسلامية في أوساط المجتمعات الأفريقية ،لكن هنالك نقطة مهمة هنا ، وهي أن اللغة العربية نفسها قد تقهقرت بدرجة كبيرة ، مقارنة بهيمنتها الشاسعة في السابق على مجموعة كبيرة من اللغات المحلية الأفريقية خصوصًا في نطاق البلدان الإفريقية السوداء. لكن الدين الإسلامي نفسه لم يتراجع ، بل واصل في الانتشار و الهيمنة على كل البلدان والمجتمعات الأفريقية على حد سواء.

إذًا ماذا نستنتج من هذه التجربة الخاصة عن البنية الثقافية للنظام الأفريقي؟

 هل البنية الثقافية للنظام الإفريقي تعكس مدى قوته مقارنة ببنيته الفلسفية في مقاومة عملية الاختراقات الخارجية لأفريقيا ؟ إذ يبدو وكأن بنية النظام الأفريقي الفلسفية قد هُزمت وتمت السيطرة عليها بالكامل من قبل المدرسة الأوروبية ابتداءً من المسيحية مرورًا بالماركسية !

ما هي العلاقة بين اللغة و بنيتها الفلسفية الأصيلة التي يفترض أن تلعب دور الناقل ؟!

دعني أقل هذا- استباقًا لأي سوء فهم قد يحدث – إن العرب أفارقة أيضًا، واللغة العربية نفسها اليوم هي لغة أفريقية، و الدين الإسلامي ربما هو أكثر الأديان انتشارًا وسط المجتمعات الأفريقية اليوم.

 يبدو لي هنا: القضية غاية في التعقيد بحيث تفتح نوافذ عديدة فيما يتعلق بعملية التأويل والتحليل فعلى سبيل المثال: بالعودة إلى سؤال اللغة الأفريكانية في جنوب أفريقيا اليوم ، ففي العام 1976 إذا رُفضت اللغة الإفريكانية من قبل الأفارقة ، ونفترض أن الأدب الأفريقي قد كتب بهذه اللغة، هل يمكن اعتبار هذه اللغة لغة أفريقية؟! ما أعنيه هنا : ماذا نعني حقاً بما يسمى باللغات الأفريقية؟

 لكن كما قلت مسبقًا أن هذه بطريقة ما مسألة متشابكة ومعقدة. اهتمامي الأساسي هنا هو تسليط الضوء على عملية تاريخية أثرت في البنية الثقافية للغات في أفريقيا أكثر من مناقشة الآثار السياسية التي نتجت عنها.

من الأشياء المسلم بها بشكل عام هو أن اللغات : الإنجليزية ، الفرنسية ،الإسبانية والبرتغالية هي لغات أوروبية ، وانتشار هذه اللغات في أفريقيا كان بسبب الاستعمار الأوروبي لأفريقيا ،وعملية فرض هذه اللغات على أفريقيا تزامن مع تهميش الإرث الثقافي للمجتمعات المحلية وإحلال الأوروبي الإمبريالي محله ،بينما ببزوغ حركات التحرر الوطني و بداية الاستقلال نجد أن هيمنة النموذج الأوروبي الاستعماري قد انحسر قليلًا ،لكن واصلت اللغات الأوروبية هيمنتها و زحفها بأفريقيا ،ومؤشر هذه الهيمنة المستمرة هو الأعداد الهائلة من المؤلفات و الكتب التي تنتج اليوم في إفريقيا بهذه اللغات مقابل الأعداد الخجولة التي تنتج بها المؤلفات باللغات الأفريقية المحلية. ترى ما الذي يفسر هذه المعضلة الثقافية الغامضة وسط المجتمعات الأفريقية ؟ فهيمنة اللغات الأوروبية في أدبنا الأفريقي تمتد من وول سوينكا بنيجيريا حتى نور الدين فرح بالصومال ،من ماريو دي أندرادي في أنقولا حتى ليبولد سيدار سنقور بالسنغال . وبشكل خاص في بعض البلدان الأفريقية هذا النموذج يكرر نفسه فمثلًا :في جنوب أفريقيا فإن كتابات إيزيكيل مهاليلي المكتوبة بالإنجليزية تكسب شهرة ساحقة بينما الملاحم الشعرية لمازيسي كونيني بلغة الزولو لا تجد أي اهتمام يذكر.

من وجهة نظري ؛ فإن هذا الافتتان باللغات الأوروبية يقتصر على القطاع الفكري والنخبوي في السياسية. ،إذ أن غالبية الأفارقة لم تطلهم هذه المكنسة الأوروبية الإمبريالية لذلك يواصلون حياتهم و ممارسة ثقافاتهم ولغاتهم الأصلية محافظين على وجودهم الثقافي ، إذًا فالمسألة مرتبطة بطبقة بعينها ،تحديدًا الطبقة الحاكمة و طبقة المفكرين البرجوازيين البائسين. إن مشكلة هيمنة اللغات الأوروبية على اللغات الأفريقية هي قضية ثقافية بقدر ما هي مشكلة سياسية .

نغوغي واثينغو في كينيا واحد من الكتاب القلائل الذي يحاول الخروج من هذه الدائرة الإمبريالية الشريرة ،و تكمن أهمية هذا الكاتب في التاريخ الثقافي لأفريقيا سيناقش لاحقًا.

رغم أنه ، وبما لا يدع مجالا للشك ؛أن اللغات الأوروبية في أفريقيا هي جزء من عملية التطفل الإمبريالي لكن نجد أنها تلعب دور العمود الفقري في توحيد أقاليم  أفريقية قومية متباينة عديدة ،وذلك لأن هذه اللغات اكتسبت صفة  لغات التواصل المشتركة في دول عديدة ،وهذا هو اللغز الحقيقي لهذه اللغات في التاريخ الثقافي الأفريقي . فهذه اللغات في الحقيقة هي أسلحة سياسية للوحدة فيما بيننا وأيضًا هي أدوات ثقافية للسيطرة علينا في نفس الوقت.

من جهة أخرى ، ما يعمق المأساة هو وضوح أنه لمن المستحيل على بلدان أفريقية عديدة اختيار لغة أصيلة كلغة قومية وسط التعدد الاثني واللغوي الموجود ، وذلك يعود- في تقديري- إلى الخوف الكامن من اشتعال حرب أهلية بين المجتمعات المحلية في حال اختيار لغة بعينها دون الأخرى الأمر الذي قد يفسر على أنه تمييز ثقافي من قبل المجموعات الأخرى ، و نيجيريا هي المثال الكلاسيكي لهذه لنقطة ،كل ذلك يقود لنتيجة حتمية واحدة ؛وهي أن السياسة والثقافة ساهمتا بشكل قاطع في عملية تشويش التعامل مع قضية اللغات في أفريقيا.

هنالك شيء واحد يبدو واضحًا خلال كل هذه التعقيدات ،وهو أن ثبات هيمنة اللغات الأوروبية  أحدث تأثير ضار بالبنية الثقافية لأفريقيا ، “قد يكون بسبب غياب نظام فلسفي أفريقي أصيل في الوقت الحاضر قد أدى إلى استخدامنا للغات أجنبية في أنماط تفكيرنا و العمليات الإجرائية المنطقية” ما هي العلاقة يا ترى ما بين اللغة والفلسفة ؟! هل هنالك شك في أن عبقرية وول سوينكا ساهمت في إثراء عظمة اللغة الإنجليزية ،لغة اليوربا- لغة سوينكا الأم- ببطء تصاب بالضمور وربما الموت بسبب سوء التغذية .

ما الذي علينا فعله ؟!

هل المسار الذي شقه نغوغي واثينغو هو المخرج الوحيد من المشكلة التي نحن الأفارقة وجدنا أنفسنا متورطين فيها؟

إن أفكار و أفعال نغوغي واثينغو فيما يخص مسألة اللغة قد أحدثت تحول جذري في السنين الفائتة ، فنغوغي واثينغو قد بدأ مشروعه الإبداعي الذي يتكون من الرواية ،القصة القصيرة ،مقالات في النقد الأدبي والأعمال الدرامية ، باللغة الإنجليزية. ففي أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات آمن نغوغي واثينغو بأهمية كتابة الأعمال الأدبية باللغة الإنجليزية كخيار طبيعي ،ليدرك فيما بعد أن هذه الفكرة تم فرضها في ظروف تاريخية معينة. هذه الأفكار الخاطئة لم تكن مقتصرة على واثينغو فقط ،بل اكتسحت كل الكتاب الأفارقة الكبار، فنجد :من نيجيريا تشينوا أشيبي و وول سوينكا- حائزان على نوبل – ومن ملاوي  جون بيبر كلارك ،غابريال أوكارا ،ومن سيراليون ديفيد روباديري ،ومن كينيا لينري بيترز ووتثينغو وجريس أوغوت ،ومن جنوب أفريقيا لويس نكوزي و إيزيكيل ماهيليلي و بلوك ماديسون.

لقد ذكرت هذه الأسماء بقصد ،لأن هؤلاء الكتاب نفسهم الذين اجتمعوا في كمبالا في العام 1963م فيما سمي بمؤتمر الكتاب الأفارقة باللغة بالإنجليزية هؤلاء الكتاب اجتمعوا ليؤكدوا الأهمية الثقافية للكتابة باللغة الإنجليزية في أفريقيا ، واثينغو كان ضمن هذه الكوكبة من الكتاب. أوبي والي الناقد الأدبي النيجيري رفض الفكرة الكلية للمؤتمر ،و دافع عن فكرة أن الكتاب الأفارقة يجب أن يكتبوا بلغات أفريقية وليس بلغات أوروبية ، لكن هؤلاء الكتاب قابلوا والي بسخرية لاذعة وصبوا جام غضبهم عليه ،و ليثبت والي مواقفه و قناعاته كتب فيما بعد رواية ضخمة بلغة الإيبو.

نغوغي واثينغو في أعماله النقدية الأخيرة ومذكرات السجن،(كُتاب في السياسة ،فوهة قلم ومعتقل) قد أشار إلى الأهمية التاريخية للمؤتمر في سياق الضياع الكامل الذي عاناه جيل الكتاب بأكمله . وأيضًا شمل نفسه وسط هؤلاء الذين كانوا مغيبين تحت أوهام الكولونيالية الجديدة في فترة مؤتمر كمبالا. ربما السبب الأساسي الذي جعل واثينغو وحده دون غيره من الكتاب في اكتشاف خطأ الإصرار على المواصلة في الكتابة بلغة أوروبية ربما السياق الكيني نفسه ،ففي كينيا أكثر من أي بلد أفريقي آخر نجد أن الثقافة الاستعمارية -البيضاء كانت أقوى من أي قطر آخر. كان بسبب المواجهة العنيفة مع هذه الثقافة في كينيا التي تم تحليلها بعبقرية فذة في “المعتقل” ، بجانب قناعاته الماركسية التي جعلته يعود إلى جذوره الثقافية ، للغته الأم/ كيكوي ، من ثم للثقافة الكينية.

رغم المسار التاريخي الذي فتحه واثينغو كوسيلة لحل إشكالية الاغتراب اللغوي وسط النخبة والإنتلجينسيا الأفريقية ،إلا أنه بنفس القدر يفتح بابًا شاسعًا فيما يخص تقييم التاريخ الأفريقي-هنا نستخدم السياق الثقافي الكيني على وجه الخصوص لتمثيل الإشكاليات الثقافية الحرجة التي تواجهها القارة الإفريقية- ،في ظل التباين اللغوي هنا وهناك ،إذا كتب كتاب مختلفين منتمين لمجموعات ثقافية مختلفة ولغات مختلفة داخل كينيا ،كيف يمكن لهذه الأعمال المكتوبة بلغات مختلفة أن تجتمع لتشكل في النهاية الأدب القومي لكينيا؟!

 لنذهب أكثر، كيف لهذه الآداب أن تجتمع لتشكل الثقافة القومية الكينية نفسها؟!

ما الذي نعنيه بالثقافة القومية!

لنذهب أبعد قليلًا :كيف لهذه الآداب الكينية تشكيل أرضية بنائية للأدب الكيني القومي وتشكيل وعي سياسي متفرد بأوساط الجماهير الكينية ؟

هذه بعض القضايا التي طفت للسطح عندما تتبعنا المنطق الثقافي التصحيحي التاريخي الذي كشفه لنا نغوغي واثينغو.

هذه الأسئلة بأي حال لا تبطل صحة و براعة الطريق الذي سلكه واثينغو ، فوعي واثينغو بقضية أن تكتب أدب أفريقي بلغة أفريقية و الأخذ بعاتقه المبادرة بحلها لا شك فيه مطلقًا ،ويثبت عبقرية واثينغو تمامًا. على الرغم من ذلك ،السؤال التاريخي والثقافي يجب أن يوجه إلى واثينغو نفسه : ألم يكن من الأفضل تاريخيًا ومدهش ثقافيًا إذا كتب الأدب القومي الكيني باللغة السواحيلية التي أصبحت في السنوات الأخيرة هي اللغة الرسمية في الدولة أكثر من لغات الإثنيات الكينية الأخرى ؟ وهل صحيح أن هناك مسبقًا أدب حي و قوي مكتوب باللغة السواحيلية في كينيا ؟

لا بد أن تكون المسألة واضحة ، فسؤالنا الموجه إلى واثينغو فيما يخص كتابة الأدب الكيني باللغة السواحيلية بدلًا عن كيكويو ،أو كيكامبا أو ماساي لا يحل مسألة التعقيدات الموجودة في قضية اللغات في أفريقيا.

لاوول سوينكا في رده على نفس السؤال الذي طرحناه لواثينغو ،نادى – سوينكا- بوجوب تبني اللغة السواحيلية كلغة التواصل في القارة الأفريقية كلها.

واثينغو قد يحاجج بأن كتابة الأدب ليست فقط مسألة اللغة التي يجب على المرء الكتابة بها ،وإنما التقنيات أيضًا بحيث تسمح بفتح الأفق وتفجير الطاقات الكامنة على مستوى الأخيلة ،فهنا يرى واثينغو أنه لمن الأسهل كتابة أدب أفريقي بلغاتنا الأم أفضل من أن نكتب بلغات أخرى متبناة ، وهذه تذهب لما وراء مفهوم الهيمنة. أرى هنا أيضًا أن اعتقاد واثينغو امتاز بصحة عالية.

لا أريد أن أختم هذه الملاحظات بنهايات مفتوحة ،وهنا أريد أن أؤكد أنه نعم علينا كتابة الأدب الإفريقي بلغات أفريقية متعددة ،لكن السؤال المركزي و الأهم هو ما هي اللغات التي يجب علينا الكتابة بها ؟!

وما هو المنطق الثقافي والتاريخي ، على سبيل المثال ، نيجيريا نموذجًا :هل على الكتاب النيجيريين الكتابة بكل اللغات النيجيرية الأساسية: ايبو،يربو،هوسا واللغات الأخرى !

أم سيكون من الأفضل كتابة الأدب القومي النيجيري بلغة الهوسا فقط ، التي تعتبر هي لغة التواصل المشتركة لنطاق شاسع بغرب أفريقيا !

لكن هل هذا الخيار يمكن أن يقود المجتمع النيجيري لحرب شعواء و مقاومة عنيفة بين الاثنيات المختلفة ؟!

هذه واحدة من أشرس الأسئلة والتحديات التي تواجهنا نحن الأفارقة عندما نطرح فكرة تبني لغة أفريقية ما دون الأخرى  كلغة رسمية داخل القارة الإفريقية ، والأمر يبدو عسيرًا في أفريقيا مقارنة بأوروبا ،نسبة للتعدد الثقافي واللغوي في كل الأدغال والجغرافيات الأفريقية ،لكن رغم ذلك-أؤمن بقوة-أنها ليست تحديًا إعجازيًا بأي حال…لذا وجب علينا مزيدًا من التفكير.

……………………..

*أستاذ الدراسات الإبداعية ، جامعة بيتزر، الولايات المتحدة الأمريكية.

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً