الرئيسية / احدث التدوينات / حوار مع الدكتور: ” أسامة أبو طالب “حول اللغة العربية

حوار مع الدكتور: ” أسامة أبو طالب “حول اللغة العربية

5-42

 كان موحيًا, أن يكون لقائي مع دكتور أسامة أبو طالب بندوة شعرية باتحاد كتاب مصر لمناقشة ديوان يجمع مختارات شعرية لواحد من شعراء الإسكندرية المعروفين ..

هي ليلة من ليالي الأربعاء الشعرية التي اعتاد السادة الأفاضل أعضاء الاتحاد و مسئولي شعبة الفصحى به على إقامتها كل أسبوع ، حيث يستضيفون الشعراء من محافظات مصر ، و البلاد العربية ليتشاركون جميعًا في تبادل مختاراتهم الشعرية, و يتبادلون المناقشات النقدية و الفنون الأدبية المختلفة سواء للشعر (فصحى/ عامية) أو السرد القصصي, و الروائي..

ربما بمثل هذا التصميم من القائمين على شعبة الفصحى في الاتحاد, و تلك المثابرة و الحرص على اللقاء بين الشعراء و النقاد و المهتمين بالحياة الأدبية على تنوع و اختلاف توجهاتهم الأدبية و عطاءاتهم الفكرية, تبقى مسيرة الحياة الأدبية في طريقها بما تضخه تلك اللقاءات وقودًا لها..

بلا صخب إعلامي زائف أو بريق يخطف الأضواء, و يسلب العقول بلا تقديم قيمة حقيقية.

أما الأكثر إيحاءً فكان ما تطرق إليه الدكتور أسامة بمعرض حديثه عن ثراء اللغة العربية فقال :

مهما تعددت الدراسات اللغوية ستبقى اللغة كعطية إلهية, إنها تتطور و تتمحور و تتباين و تتوالد وتنمو و تتجدد, فهي كما وصفها عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين كائنً حيّ.

بين الحديث عن المسرح, و المسرحية الشعرية بين صلاح عبد الصبور, و عبد الرحمن الشرقاوي, و الحديث عن الفنون الشعرية المختلفة بين شعر الومضة, و السرد الشعري, بين الفراهيدي و بودلير و السياب و إليوت و أدونيس و جاهين, و فلسفة أرسطو و أفكار بريخت..

بين قراءة شعرية و نقدية و تحليلية لما يكتبه الشاعر و يسكبه من روحه بين شطور و أبيات..

مضت سويعات قليلة, و لكنها ثرية و غنية بما طُرِحَ فيها.

و ختامها مِسّك..

حوار سريع و موجز و عميق مع الدكتور أسامة بشأن لغتنا العربية احتفاءً بيومها العالمي 18 ديسمبر الحالي.

* هناك ارتباط ملحوظ بين قوة المجتمع الفكرية و اقتصاده الصناعي و تطور اللغة, فهل تعتقد أن ضعف اللغة دليل على ضعف الأمة؟!

– ليس شرطُا أن يؤخذ الحكم بشكل جازم و نهائي, و لكنه مؤشر على هبوط فكري, و حالة تردّي ثقافي ، فعندما تهمل الأمة لغتها معنى هذا أنها تدفن تاريخها و عقول مفكريها و إبداعاتهم, و بالتالي تضمحل مع الوقت..

ففي العصر المملوكي على سبيل المثال و لأنه كان عصرًا ضعيفا تبارى الشعراء في إنشاد القصائد الركيكة التي لا تعتمد إلا على المحسنات اللفظية, و لا تحمل قيمة فكرية, و كتابة القصائد التي تقرأ من البداية كما تقرأ من النهاية, أو التي تعبر عن أرقام أو تدل على رسائل متبادلة, فعصور الضعف هي التي تستشري بها الركاكة اللفظية, و الركاكة اللغوية.. بينما ازدهار اللغة أثر لازدهار الأمة, مرتبط بعقل الأمة, و مرتبط أيضًا مع مظاهر ازدهارها المختلفة علميًا, و فكريًا, و اقتصاديًا فجميعهم منظومة واحدة مترابطة.

* هل تعاني اللغة العربية من الجمود؟ بما أدى إلى عدم تطورها لمواكبة مقتضيات العصر الحالي؟

– العربية لا تعاني من الجمود, بل هي تتجدد و تتطور باستمرار و دائمًا؛ إنما هي تعاني من سطوة العاميات و الدعوة إلى تسيد العامية بمقابل الفصحى هي ظاهرة شعوبية و محلية تفتت العقل العربي.

فالشعوب العربية تحديدًا تتميز بما لا يتوافر للشعوب الأوروبية, التي نجحت في تجسيد حلم أوروبا الموحدة, فالدعوة لوحدة أوروبا التي نادى بها نخبة المفكرين و الأدباء القرن الماضي, و قبل تحقيق هذا فعليا, نذكر منهم الشاعر الإنجليزي الشهير ت. س. إليوت عندما أطلق دعواه إلى عقل أوروبا الموحد The Mind of Europe؛ رغم اختلافات الأوروبيين و مشاحناتهم و حروبهم الطويلة التي خاضوها القرون الماضية, و رغم أنهم لا يجمعهم جنس واحد أو لغة واحدة إنما أجناس, و لغات مختلفة, تم تحقيق الوحدة اقتصاديا فأصبحت لهم عملة موحدة, كما نجحوا إلى حد كبير في تحقيق وحدة ثقافية.

بينما الأمة العربية التي يجمعها عقل موحد, و أديان سماوية واحدة, و لسان واحد هو اللسان العربي, و تاريخ واحد, و ميراث ثقافي واحد, و مع هذا فهي مفككة بما يهدد اللغة, إن المناداة باستبدال الحروف العربية بالحروف الإنجليزية هو خطر على الأمة وعلى لغتها, و يتضح هذا جليا فيما يقوم به أبناء هذا الجيل من استبدال الحروف العربية بالحروف الإنجليزية و كتابة الكلمات العربية بها, و مما هو جدير بالذكر أنه في السبعينات قام بعض الشعراء اللبنانيون بالدعوة إلى استبدال الحروف العربية باللاتينية, كما فعلت تركيا عندما قام كمال أتاتورك باستبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية, و ضاع على إثر هذا كل الأدب التركي القديم المكتوب بالحروف العربية, و لم تقرأه الأجيال الجديدة التي لا تعرف العربية.. فما نادى به أتاتورك من علمانية الدولة لم يكن علمانية الفكر العقلي, بل كانت بمثابة اجتراء على الدين و اجتراء على اللغة, و إهانة لكليهما.

و أكد الدكتور أسامة على أن وجود ألفاظ أجنبية في اللغة العربية بحد ذاته ليس خطيرًا, لكن خطورته تكمن في تحويل الجيل الجديد الكلمات الأجنبية إلى اشتقاقات عربية كما يحدث الآن مثل:

فعل “يِشَيّر” المشتق من فعل Share بالإنجليزية أي “يشارك” و غير ذلك من الكلمات.

كما أوضح الفارق بين هذا و بين تعريب الكلمات بواسطة مجمع اللغة العربية بكلمات تتوافق مع المعنى و تكون عصرية و ملائمة و ضرب مثالا بكلمتي “برنامج” وهي تعريب الكلمة الإنجليزية Program و كلمة

“التقنية” أي Technology و قارن بين تلك التعريبات الجيدة و الناجحة و تعريبات الماضي التي كانت بكلمات غريبة أو مضحكة مثل: تعريب Sandwich إلى “شاطر و مشطور وبينهما طازج”.

واختتم إجابته بالتأكيد على إن اللغة العربية لغة غنية, بل من أغنى اللغات في العالم بمفرداتها, و أنها قادرة على التجدد و التجدد دائمًا.

* قد يجد البعض أن إهمال تعليم اللغة العربية و تركها كلغة اللسان دون الاهتمام بها في السلم التعليمي أثّر على أدائها.. فهل تجد ذلك سببًا كافيا لتراجع اللغة؟

– بالطبع إن إهمال تعليم اللغة العربية أحد الأسباب خاصة مع هبوط المناهج و طرق التدريس بما يشكل خطرًا على اللغة العربية. و إن لم يكن وحده؛ فهناك جريمة تُرتَكب في حق اللغة العربية من الإعلام, عندما يقدم البعض على سبيل المثال نشرات الأخبار بلغة أقرب إلى العامية, دعينا نقول, عندما يحدث هذا في مصر فإنه يشجع الدول العربية الشقيقة باتخاذ نفس الخطوات بتقديم نشرات الأخبار و البرامج بلهجاتها العامية, فمثلا نحن لا نفهم العامية الجزائرية فيتم أحيانًا إضافة sous-titre “شريط ترجمة” ليوضح ما يقال بالعامية الجزائرية. و الحل هو استبدال العامية بالفصحى البسيطة التي يستطيع الجميع فهمهما.

إن الدعوات الشعوبية باستعمال العامية تشقق وحدة اللغة و الثقافة المشتركة, فشعوبنا العربية لها ثقافات عريقة موحدة اللغة, و إذا سادت اللهجات العامية فهذا يعني افتقاد الفهم بين تلك الشعوب, فعلى الصعيد الأدبي على سبيل المثال لن يستطيع المصري قراءة ما يكتبه المغربي أو الجزائري اللذان لن يفهما بالتبعية ما يكتبه الإماراتي و السعودي و هكذا يفقد الأدب العربي جزءًا من هويته التي تشتت بين اللهجات العامية المختلفة لكل شعب على حدة.

* على صعيد آخر و من منطلق موقعك المهني كأستاذ جامعي و من خلال تعاملك مع طلاب الجامعة من أجيال مختلفة؛ هل ترى أنهم يفضلون الدراسة بالإنجليزية عوضًا عن العربية؟ وهل تحبذ تعريب التعليم الجامعي كما حدث في بعض البلاد العربية؟

– لا نستطيع أن نعمم هذا بين كل طلاب الجامعة فالأمر يتعلق بالكثير من العوامل أهمها التفوق العلمي و المهارات الفردية و البيئة التي ينشأ بها الطالب, و كذا المستوى التعليمي الذي عليه الطالب في التعليم قبل الجامعي؛ و في هذا السياق علينا ألا نتناسى تأثير تحويل مسار التعليم في بلادنا بعد تجربة حسين كامل بهاء الدين عندما كان وزيرًا للتعليم, و التي تعد بمثابة مؤامرة على التعليم الوطني, فالتحول للتعليم الخاص ساهم في افشال العملية التعليمية, و أثّر سلبيا على تدريس اللغة العربية. فبينما كان بمثابة العار أن يكون لدى الأسرة طالب بالتعليم الخاص, أو طالب يستعين بالدروس الخصوصية, أصبح أمرًا طبيعيا الآن أن يدرس الأبناء في تلك المدارس الخاصة و الاستثمارية و التي في أفضل الأحوال لغتها الأولى هي الإنجليزية, و لاتهتم بتدريس العربية, كما أن تدريس التربية الدينية بطرق و قوالب رديئة تنفر الطلاب من المادة التربية الدينية مما يشكل أحد أسباب ضعف اللغة العربية. و كذلك المواد الاجتماعية “و التي يُطلق عليها الآن الدراسات” و المكتوبة بالعربية, فينفصل الطالب عن تاريخه الوطني و عن لغته و قوميته, و ذكر جانبًا من تجربته الشخصية مع ابنته و التي كانت تدرس بنظام الـ IG Cambridge و بالمرحلة الثانوية انتقلت لمدرسة تقوم بتدريس تاريخ إنجلترا, و بالطبع لا تدرس اللغة العربية بالشكل الجيد مما شكل لديها فجوة بين لغتها الأم و لغتها الدراسية و أصبحت تكتب العربية بحروف إنجليزية “ملوعة و محرفة” بما يسمى بـ “الفرانكو”؛ لولا قيامها بأنشطة لخدمة المجتمع و العمل التطوعي مما دفعها هي و مجموعة من أصدقائها لإعادة تعلم اللغة العربية و الحرص على الكتابة بها.

و تابع دكتور أسامة قائلاً :

في المقابل فإن الكثافة العالية لعدد الطلاب بالمدارس الحكومية الوطنية التي تملكها الدولة, و ضعف المناهج الدراسية و طرق التدريس بالإضافة إلى عدم تفعيل الأنشطة المدرسية و الهوايات التي تساهم في اثراء مستوى اللغة عند الطلاب و أحوال المعلمين السيئة, كل هذه العوامل مجتمعة ساهمت في هبوط مستوى التعليم هبوطًا حقيقيًا تسبب بدوره في رداءة مستوى الطلاب بالمدارس. و بالتالي الجامعة, مع وجود مشاكل خاصة بالجامعات نفسها مثل ضعف و تأخر الأبحاث, و التوصيات المشبوهة و خلافه..

و حول تجربة التعريب أضاف :

إن سوريا قامت بالفعل بتعريب المواد العلمية بكلياتها, و لكنني لا أستطيع أن أجزم بأن هذا هو الخيار الأفضل؛ لأن الطالب المتفوق بالثانوية العامة والذي يستكمل دراسته الجامعية باحدى كليات القمة , و التي تدرس موادها بالإنجليزية ككليات الطب و الهندسة و الصيدلة, هذا الطالب يواصل تفوقه رغم دراسته بالإنجليزية, فليس غريبًا أن يكون هناك عدد من الأدباء و الكتاب و الشعراء خريجي كليات الطب و الهندسة و غيرها من الكليات العلمية مقارنة بالكليات النظرية كالآداب و الحقوق و التجارة على سبيل المثال, والتي يعاني الكثير من طلابها من ضعف مستواهم التعليمي, كما أن هناك أقسامًا هامة في تلك الكليات النظرية لا تجد إقبالاً من الطلاب كأقسام الفلسفة و اللغة العربية و اللغة اللاتينية.

كما أشار دكتور أبو طالب لنقطة هامة و هي احتقار الطبقة البرجوازية الحديثة للغة العربية, وإصرار الأمهات في تلك الطبقة على الحديث مع أبناءهن بلغة إنجليزية ركيكة من قبيل التفاخر عِوضًا عن العربية, و في ذلك إهانة للغة اللسان اللغة الأم؛ و تشجيع للأبناء على التحدث بلغة ليست لغتهم بما يعد ضربا من ضروب الحداثة الاجتماعية.

* أخيرًا. برأيك ما هي أهم الخطوات التي يمكن اتخاذها لمعالجة علاقتنا باللغة العربية ؟

– في كلمة واحدة, التعليم.

كما قال “مهاتير محمد” العودة للتعليم الأولي, بداية من التعليم الابتدائي و ماقبله..

إصلاح المدرسة الابتدائية, و الإعداد الجيد للتلاميذ في مرحلة ما قبل التعليم الابتدائي, فأكّد دكتور أسامة على ضرورة الاهتمام بمعلمي الحضانة وإصلاح أحوالهم, ذكر أن معلمي الحضانة في أوروبا يحصلون على مرتبات عالية جدا, وعلى الكثير من الامتيازات لأنهم هم من يقومون بإعداد الأطفال في تلك المرحلة.

وقال إننا لا نستطيع أن نطالب المعلمين بأداء أدوارهم المنوطة بهم, و نحن لا نوفر لهم ما يضمن لهم الحياة الكريمة..

كما أكّد على ضرورة إصلاح التعليم الحكومي “الوطني” و إصلاح أحوال المدارس الحكومية, و النظر في كثافة الفصول و توزيع الطلاب, و المناهج الدراسية و طرق التدريس بما يكفل إعادة علاقتنا باللغة العربية.

انتهى الحوار , و إن لم ينته الحديث فهو حديث ذو شجون.

من هو الدكتور أسامة أبو طالب :

أسامة إبراهيم أبو طالب ولد بمارس 1945 حصل على بكالوريوس إدارة الأعمال ، كلية التجارة ، جامعة عين شمس, ثم بكالوريوس في الدراما والنقد ، المعهد العالى للفنون المسرحية ، أكاديمية الفنون – القاهرة ، عام 1975, و ماجستير في الدراما والنقد – المعهد العالى للفنون المسرحية ، أكاديمية الفنون – القاهرة ، عام 1981. و أخيرًا دكتوراه في الدراما والنقد – جامعة فيينا. أستاذ أنثروبولوجيا المسرح بأكاديمية الفنون – تولى منصب وكيل وزارة الثقافة و رئاسة البيت الفني للمسرح، و هو عضو اللجنة العليا لمهرجان المسرح التجريبي و عضو اتحاد الكتاب و اتحاد الفنانين و المجلس الأعلى للثقافة. و له العديد من المؤلفات الأدبية و الترجمات و الدراسات نذكر منها على سبيل المثال :

المسرح الشعري الحديث- البطل التراجيدي مسلمًا- المسرح و الطقوس ، مؤلف الكوميديا ناقدًا.

استلهام المأثور الشعبي مسرحيا : الدراما المقارنة .

زلزلة المسرح ، المسرح المضاد : مغامرة التجريب المسرحي ، مسرحية الحرية و العدل .

مولد التراجيديا من روح الموسيقى : فريدريش نيتشة.

سيكولوجية النمو الإنساني الممكن : ب . د . أوسبنسكى.

مختارات شعرية من كتاب الموتى : ر.م. ريلكة.

له ديواني شعر هما (أحزان الأم الأولى – الوقوف على أطلال طيبة)

أما ديوانه الجديد (قبلة العشاء الأخير) كتب قصائده منذ سنوات مضت و لم ينشر بعد و سوف يتم نشره قريبًا؛ و هو إهداء لروح الشاعر الراحل صلاح عبد الصبور .

عن عبير عواد

mm
كاتبة من مصر تحمل ثلاثة مفاتيح لأبواب عالمها هي : الكلمات .. الموسيقى .. الطبيعة .

2 تعليقات

  1. Fed up with the men news flashes? We are here to suit your needs!

  2. السلام علیکم ما هو رایکم حول اللغات الاجنبیه یعنی المعربه الدخیله فی اللغه العربیه

أضف تعليقاً