الرئيسية / احدث التدوينات / ضوءٌ في لغة الضاد

ضوءٌ في لغة الضاد

67484945493ab6ac795b4b5e384c9c4f8706406b9

     إن اللغة جعلت من المفردات بمختلف نظائرها معانٍ مشتركةٍ تحتَ إطار موحّدٍ يفسّرهُ كل من ينتمي للجنسِ البشري بالمعنى نفسه، وهي أول ثورة لاتصال البشر بعضهم ببعض، ثمّ عقِبَ اللغةَ الرّسمُ بالكلمات لحفظها وتخليدها ما بقي الدهر؛ إذ يقوم الإنسان بترجمة المَعنى في فكرِه و صياغته ضمنَ قالبٍ لغويٍّ أدَبيّ، وَ يُجمِّلهُ بِمُحَسِّن بَديعيٍّ على سبيل المِثال. أما بعد الإسلام؛ أُنزلَ القرآنُ عربيّاً، وَكانت المعجزَةُ تتجلى في فصاحتهِ وبلاغته، لتزداد اللغة العربيّة في جذورها عُمقًا، وَتبقى في ثباتٍ وقوّة، تتغلغلُ فينا وَريدَ سلسبيلٍ لا يضمحل .

أنا فاطمة فردان، أبلغ من العمر 21 سنة، أقرأ، وأكتب.. صديقتي اللّغة مُذ كانَ عُمري في بداياتِ العَشَر، حيثُ بدأتُ أقرأ القرآنَ بفصاحةٍ وأحرصُ على أن لا تشوب قراءتي أخطاء، وَشجّعني على ذلكَ حينَ سَجّلني والداي لحضورِ دروسٍ يومية في القراءة الصحيحة للقرآن عند معلّمٍ في القرية. أمّا المادّة التي كانت دائمًا ما تستهويني في المدرسةِ الإبتدائية فأتَحمّسُ لأستَبِقَ الزّميلاتِ وَ أرفعُ سبّابَتي بِشقاوةٍ لأُجيبَ على سؤال المعلّمِ أو مشارَكته هي اللغةُ العربيّة، أحببتُ القِراءةَ في كتاب اللغة العربية ، وَ إذا مررتُ بنصٍّ نثريٍّ أو قصصيٍّ أو شعريٍّ لا بُدَ لي من وقفةٍ تأمليّةٍ بتمعُّنٍ فيه. هنا.. عرفتُ أنَّ لي أساسًا فطريًّا ما يلبِثَ أن يرى الضّوءَ عندَ هذه النقطة. ناهيكَ أنّ لي أستاذة منذُ تلك السنةِ وللآن لم أنسَ فضلَها وتَكَرُّمها عليّ، رأت فيّ حبّ القراءة فَزوّدتني بمقتبساتٍ مطبوعة من نصوص طه حسين، والجاحظ، وغيرهما من أعلام اللغة لأقرأها، و طرحت عليّ اسم كاتبةٍ عربيةٍ لأنتقي كتبها وهمست لي:”إن هذه الكاتبة تكتب بأسلوبٍ جميلٍ وبسيطٍ موازٍ لعقلك، أنصحكِ بقراءةِ كتب لها ما دُمت في هذا العمر الصغير.”.. و بعدها بفترةٍ بسيطةٍ سافرتُ إلى “سوريا” و كانَ الباعَة منتشرون على طول الطريق و خيامٌ في وسط الطريق تفيضُ بالكتب المتنوعة، وَلم أتخطَّ الخيمة الأخيرة التي توقفت عندها إلا وفي يدي كومةُ كتبٍ انتقيتها بهوسٍ وشغفٍ لنفس الكاتبة .. هنا كانت البداية .

قرأت كثيرًا من العبارات التي تتضمن في معناها إن القراءة دائمًا ما تقودُ إلى الكتابة.. أؤمنُ بهذا وأصدّقهُ تصديقًا يقينيًّا، إذ أنني اجتزت المرحلةَ الإبتدائية وأنا أقرأ، ثمَّ التحقتُ بالمرحلةِ الإعدادية وَقد بدأتُ أكتُب نصوصًا نثريّةً بمعانٍ بسيطةٍ ومفرداتٍ محدودة، تملؤها الأخطاء الكتابية والإعرابية. وقد عرفتُ من تجربتي أن القراءة تثري اللغة وتنهض بتحقيق شخصية الفرد كما يقول أرسطو : ” قل لي ماذا تقرأ؟ أقُل لكَ من أنت.”، فقرأتُ المَزيدَ من الكتبِ لمُختلفِ الكتّاب، وبالفِعلِ كانت مفارقةٌ كبيرة بعد أن اغتنيت بالكثير من المفردات الجديدة والمختلفة، وتغيّر أسلوب الكتابة عندي للأفضل .

أما في المرحلة الثانوية، بدأت أكتب الشعر النثريّ والمقفّى، وتقدّمتُ فيه بسرعةٍ أكبرَ من الفارقِ الزّمنيّ الذي تطوّرت فيه عندما كنت أكتب النثر؛ بالرغم من أنني لم أدرس الشعر ولا غرقتُ في  بحورِه حتّى، ربّما يعودُ السبب لاغتنائي أكثر بالمفردات وازديادِ تعلّقي بالقراءة والكتابة بشكل عام. أدمَنتُ القراءة لدرجة أنها صارت جزءًا أساسيًا يتحكّمُ في نفسي وعاطفتي ومزاجي ويومي وحياتي !

و خلال المرحلتين الأخيرتين ؛ الثانوية والجامعية ، أدركتُ تمامًا أنّ المعرفة لا تُستنبط إلا من كتاب، و كانت السلبية الوحيدة في حياة القراءة عندي أنني ركزتُ دائمًا على الكُتب من الصنفِ الروائي أكثر من غيرها، وقررت التنويعَ أكثر لقراءة الكتب من مختلف الأصنافِ لأتغذى بها تغذية تعريفيّة وتثقيفية في مجالات الحياة المتنوعة. ناهيك عن صدورِ كتاب إلكترونيٍّ لي تحت عنوان “نايُ وطنٍ مكسور ” بالإضافة إلى أن اللغة – على الجانب الشخصي-  شغلت الحيّز من الفراغ الفكري، وصقلَت القراءةُ شخصيتي في جوانب كثيرة، و جعلت مني إنسانًا عزيز الذات، واثق الشخصية، طليق اللسانِ، واسع المدارك، أما في مجال التخصص الجامعي فقد ساهمت اللغة في أن تنعِش بريق الجرأة الإعلامية عندي أكثرَ فأكثر، وغرسَت في نفسي وشَخصي كلَّ السمات التي على الإنسانِ عمومًا والإعلاميّ خصوصاً أن يتحلّى بها؛ وأكثر .

إذًا ، فاللغة تصقل الشخصية، وتنمي المواهب، و تُثري العقلَ في عالَمِ الأفكار بالمفردات و المعاني، بِها يُبنى الجيل الواعد، والمجتمع الذي لا يضمحل فيه الوعي والثقافة؛ و يسوده الأمن والسلام، وتحفظ للإنسان عقله حيث لا تنتهي به الحياة كمهجور .

 

 

 

 

عن فاطمة فردان

mm
شاعرة وإعلامية من البحرين .. قَريحةُ الشِّعر فيَّ سَكبٌ لا يَنضب ، و النثرُ عمقٌ أغرقُ فيهِ بِلا حُدود ، أقرَأ / أكتُب ، و النّقطة آخر السَّطر لا تعني النّهايات .

اترك تعليقاً