الرئيسية / احدث التدوينات / عربيتنا قضية حضارية

عربيتنا قضية حضارية

 

518733575

يقولون بأن “اللغة هي وعاء الفكر” ، و الحق أن هذا الكلام مجحف في حق اللغة ، فاللغة لا تمثل مجرد حامل للفكر فحسب ، بل هي تمثل النسق الثقافي للإنسان و مجتمعه ، لذلك صح لنا أن نقول أن اللغة هي أحد ركائز الهوية …

و مما يؤسف عليه ، أن نرى بعضًا من أبناء جلدتنا ، من يدعي أن اللغة العربية عامل تخلف لنا ، و بأنه لابد لكي نتقدم ، أن نتخلى عنها ، و نلون ألسنتنا بألوان أعجمية ! … و كأن المدعي هنا يدعونا إلى الانسلاخ عن جلودنا ، أو بمعنى أصح : يدعونا إلى التخلي عن أنفسنا ! … و كأن المدعي هنا يدعونا إلى أن نصبح عبيدًا لغيرنا ، ففي النهاية معنى العبودية هو التسليم للآخر ، و العبودية هنا هي في منتهى المهانة ، لأنها تدعونا للتسليم إلى من هو مثلنا !

إن الكرامة لتأبى ذلك …    

زيادة على كون أن العقل لا يتقبل ذلك ، و بغض النظر عن نظرية التفكير باللغة ، التي تقول بأن الإنسان لا يفكر إلا باللغة ، و التي يترتب عليها أن فقداننا للغتنا يعني فقداننا لعقولنا ! … فإن المدعي هنا ، لا يدرك أهمية اللغة على المستوى الحضاري ، لا يدرك بأن الإنسان لا يمكن أن يتمكن من العلم حتى يكون بلغته ، حتى يكون بلسانه … لأنى معنى تناول العلم بلغته ، أنه يتمكن منها بذاته ، لأن العلم هنا يصنع فيه بهويته ، و معنى التمكن هو أن يسطو الإنسان على المتمكن عليه ، و السطوة لا تكون إلا بالذات ! …

فهل يعجز مدعوا الحضارة عندنا اليوم عن فهم هذه القاعدة اللسانية البسيطة ؟! أم أن بريق الحضارة الغربية قد أسرت عقولهم ، فمنعتها عن تجاوزها ، فجعلتها بذلك عاجزة بالكلية !

إنه يمكن أن نقول أن هؤلاء هم من أساؤوا إلى اللغة ، و ليست اللغة من أعجزتهم ! … أو بمعنى أصح : نحن من أسأنا إلى اللغة ، و ليست اللغة من أعجزتنا ! … نحن الذين لم نستطع أن نجعل لغتنا ترتقي إلى مصاف اللغات العالمية ، نحن الذين جعلناها عقيمة في أمر حمل العلم ، في أمر حمل اللغة لقضية الحضارة ، قضية النهضة الحضارية

النهضة الحضارية التي نتأمل فيها أن تعيد لنا عزنا المفقود ، الذي فقد مع الغزالي و ابن رشد و ابن تيمية و ابن خلدون ووو ….. و القائمة تطول ، ممن كانوا أعلامًا لحضارتنا الإسلامية ، و لك أن تحمل كتابًا لأحدهم ، حتى تدرك في لغتهم العزة الكامنة في منتجهم الفكري و العلمي ، ما إن تحمل كتاب أحدهم حتى تشعر و تتذوق تلك العزة … و قد يكفيك في هذا الشأن –تجنبا للمشقة- أن تحمل كتابًا للرافعي أو الكواكبي حتى تدرك هذا الشعور

و بمعنى أصح و أدق : أن تحمل كتابصا لأحد أولئك الأعلام ، حتى تدرك أثر اللغة و أصولها الثقافية السحيقة ، على المادة العلمية أو الفكرية المحمولة في نصوصهم

مرة أخرى نقول : أولئك المعادون للغتنا من أبناء جلدتنا ، لا يدركون هذا المعنى اللساني العميق … أولئك الذي يمكن أن نطلق عليهم صفة : الخيانة ، لا يمكن أن يكونوا سببا في النهضة الحضارية ، لأن الخائن يهدم و لا يبني …

و لا ينفع أن يقال : أن العرب قد طغوا على بقية الأجناس ، من البربر و الفرس و العجم أو غيرهم من الأجناس ، ممن دخلوا في كنف الإسلام ، ففرضوا لغتهم على غيرهم … لأنه زيادة عن كون أن تلك اللغات ، إلى اليوم لا تزال حية ، فالتلميح على هذا إلى أن العرب قد احتلوا بقية الأجناس ، و لو اقتصر الأمر على اللسان ! يصبح كلامًا باطلًا ، لأن من عادة الاحتلال أن يفني المُحتَل ، و هذا ما لم يحصل بعد 1400 سنة من الاحتلال المزعوم ! … فإن العرب لم يفرضوا لغتهم كما يدعي المبطلون الحاقدون ، بل القرآن هو من نشر لغته ، فكانت ركيزة حقيقية لحضارة إسلامية ، يمكن أن ندعي أنها أعظم حضارة ، لا من حيث كم الصنائع ، على قياس العجم الغالبون اليوم ، بل من حيث أنها تمجد الله سبحانه و تعالى …

و عليه فإن معاداة لغة كتابه الكريم ، لا تكون إلا معاداة لكتابه الكريم ذاته ! و لا أكبر خيانة من هذا … لذلك يمكن أن نضعهم في مصاف عتاة الخونة …

و لا ينفع أن يقال : أن قرآنكم هذا عنصري بطبعه ، لأنه نزل بلغة قوم دون آخرين … لأنه لا يقول هذا سوى من لم يدرك معنى التسليم ، الذي ينزه الناس و أنفس الناس عن مثل هذه الحسابات الضيقة ، و التي لم تكن كذلك إلا لكونها تنظر في أفق ضيق ، الأفق الذي لا يسمح لها أن ترى التوافق ، بين كون العربية لغة القرآن ، و بين أنه لا فرق بين عربي و أعجمي إلا بالتقوى ! …

ليت شعري ، ما بال أولئك الناس يقبلون أن يخبرهم أعجمي اليوم بأن العبرة بالكفاءة ، و يرفضون هذا المبدأ مع العربية ! يقبلون أن يخبرهم أعجمي اليوم أن الرئيس مواطن كبقية المواطنين ، و يرفضون أن يكون العربي رغم كون لغته لغة القرآن ، مسلم كغيره ! … يقبلون بأن يخبرهم أعجمي اليوم بأن الرئيس مكلف و ليس مشرف ، و لا يقبلون هذا الكلام مع العربية !

إنني كمهتم بالنهضة الإسلامية لغتها عربية ، و ذي أصول بربرية ، لا أتصور إمكانية لنهضة إسلامية من دون اللغة العربية !

نعم قد لا يكون استرداد اللغة العربية لقدرتها التداولية في المحيط الحضاري الإسلامي ، شرطًا جوهريًا و لا أوليًا في النهضة الحضارة الإسلامية  ، و لكنه يظل شرطًا أساسيًا … نعم ، تعرج النهضة فتسقط ، بجعل هذا الشرط جوهريًا أو أوليًا ، و لكن إقصاؤه من جملة الشروط الأساسية ، يجعل القضية تعرج حتى تسقط أيضًا !

علينا أن ندرك أن للعربية نسقًا ثقافيًا ، هو بمقام الحمل المنطقي في الفلسفة ، له تأثيرها الأساسي ، بدون هذا النسق الحملي يصبح الخطأ كالصواب ، خاصة في المجال التداولي .. و المجال التداولي هو موضوع النهضة …

و عليه فإن قضية اللغة هي في حقيقتها : قضية حضارة …

إن عبقري الحضارة الإسلامية ، الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه و أرضاه ، كان يدرك جيدًا ما يفعله ، لما كان يحث غير العرب من المسلمين أن يتعلموا العربية ، و حجته في ذلك أن العربية تورث المرء المروءة

و انظر اليوم ، لما صار لساننا اليوم غير عربي ، على الأقل هو هجين ، غريب من جهة لحنه و نسقه ، و عربي الكلمات (إن لم نحتسب الكلمات الغربية التي ولجت إلى ألسننا ، و التي تطوعت تعريبا ، تشمئز له النفوس السوية) … كيف فقدنا اليوم المروءة …

و لا عجب ، فنحن لما فقدنا حرارة العربية ، و لبسنا برودة الأعجمية ، فقدنا حرارة المروءة ، و لبسنا برودة الخساسة ! … و الله لا ينصر قومًا لم ينصروه في أنفسهم …

كيفما نظرنا إلى قضية لغتنا العربية ، لم يجز لنا سوى الاعتراف بأن اللغة تمثل لنا قضية وجود ، أو على الأقل : قضية حضور في التاريخ …

 

عن فوزي بسام

mm
كاتب جزائري ، مهتم بالفكر و الفلسفة ... و التفكر بهما في خلق الله ، يبحث عن الحق و الحقيقة ، ﻷنه لا يستقيم حال إلا بالحق ، و ﻷن عز اﻷمة لا يستعاد إلا بالحق .

اترك تعليقاً