الرئيسية / احدث التدوينات / فروقات لغوية

فروقات لغوية

neweduc-world-languages

إسراء سالم :

الألفاظ حساسة، فهي في ميدان تداولها تخضع لأمور كثيرة غير المعجمية، و هذا ما تعنى به علوم التداول اللغوي.

فاللغة الفنلندية في فنلندا، توجد فيها كلمة Han التي تعني هو و هي، أي تطلق نفس اللفظة على الغائب ذكراً كان أم أنثى، و Sina التي تعني أنت و أنت(بكسر التاء)، في العربية يوجد هو للمذكر و هي للمؤنث، و يوجد أنت و أنت (بالكسر) و أنتم، و في العبرية (لغة سامية كالعربية ينطبق عليها نفس الشيء) يوجد هو (بالتسكين) التي تعني هو و هي (بالتسكين) تعني هي، أما في الإنجليزية فالأمر وسط، يوجد She و He، لكن أيضًا يوجد You التي تطلق على أنت و أنت (بالكسر) و أنتم، إذًا هناك ثلاثة مستويات، لغات لا تهتم ضمائرها بالتفريق الجنسي كالفنلندية، و لغات وسط كالإنجليزية، و لغات متقدمة في هذا الجانب كاللغات السامية (العربية و العبرية و السريانية).

في دراسة قام بها مجموعة من العلماء المختصين، وجدوا أن هذا ينعكس على مقدرة الطفل في تمييز هويته الجنسية (هل أنا ذكر أم أنثى)،فالطفل الإسرائيلي الذي يتكلم العبرية، يميز هويته الجنسية قبل نظيره الفنلندي بسنة، الفنلندي يتأخر سنة كاملة لكي يعرف نفسه هل هو ذكر أم أنثى، أما الإنجليزي سواءً في كندا أو ايرلندا أو اسكتلندا أو الولايات المتحدة أو أستراليا فحالته وسط، يسبق الفنلندي قليلًا و يتأخر قليلًا  أيضًا عن الناطق بالعبرية.

مثال آخر ضربته عالمة فرنسية في ستانفورد بأمريكا الدكتورة لورا برودزينسكي، لاحظت أن هناك أطفالًا صغارًا من بلدة في أقصى شمال أستراليا اسمها برمبو يمتلكون قدرات خاصة، قالت حين تسألهم عن مواقعهم أو عن جهة معينة، يجيبون وهم مغمضو الأعين بسرعة و بدقة متناهية شمال أو غرب أو شمال شرقي أو جنوب غربي… ، و حين أعادت هذه التجربة في قاعة محاضرات بجامعة ستانفورد على طلاب و أساتذة متميزين و علماء تحصلوا على شهادات و جوائز عالمية، فإن بعضهم لكي لا يحرج، يرفض أن يجيب، و الذي يستجيب تأتي النتائج مخيبة في معظم الحالات، كيف ذلك! هل نحن أغبياء و هم أذكياء، و نحن أهل حضارة و هم أطفال بدائيون من أناس بدائيين.

قالت لاحظت أن سكان هذه القرية البدائية، لا يوجد في لغتهم الألفاظ الإضافية للتعبير عن الاتجاه كيمين و يسار، و إنما فقط لغتهم تتعاطى مع الجهات المطلقة، شمال، غرب، جنوب غربي، شمال شرقي…

 لذلك، الطفل حين ينشأ يقال له فلان يجلس شمال الطاولة مثلاً، أين صحن الحساء؟ فتكون الإجابة جنوب غرب صحن الفاكهة و هكذا، و لذا هذا الطفل في عمر ست أو سبع سنوات ينمو لديه حس الاتجاه بفضل التدريب اللغوي و الممارسة اللغوية.

 ذكر العلماء المختصون أن هناك لغات تميل إلى استخدام صيغ المبني للمجهول (passive) أكثر، مثل الإسبانية و اليابانية، و ليس المبني للمعلوم( Active) (أي المعروف فاعله)، و لذلك أيضًا تميل أكثر إلى الأفعال اللازمة، بعكس اللغات السامية و اللغة الإنجليزية التي هنا كاللغة العربية تستخدم صيغ المبني للمعلوم و الأفعال المتعدية.

هناك تجربة مشهورة للدكتورة نفسها لورا مع طالبة لها، أجريت على ثلاث مجموعات، مجموعة للناطقين بالإنجليزية و مجموعة للناطقين باليابانية و مجموعة ثالثة للناطقين بالإسبانية، هؤلاء الأشخاص عرض عليهم دون أن يعلموا أنهم قيد الاختبار مقاطع فيديو مصورة لأشخاص يقومون بأعمال ليست جيدة، مرة عن طريق التعمد و مرة عن طريق الخطأ، يفرقعون البلالين و يسكبون المشروبات و يكسرون البيض، ثم خضعوا للاختبار الذي كان في المرحلة الأولى عبارة عن أسئلة عن الأشخاص الذين يتسببون بالأفعال المتعمدة، من الذي كسر البيض؟، من الذي فرقع البلالين؟ ، هنا الفاعل المتعمد، الكل استطاع أن يحدده.

في المرحلة الثانية تم السؤال عن أفعال عرضية غير أساسية و غير متعمدة، الذين أجابوا بشكل جيد، هم المتحدثون بالإنجليزية ، أما اليابانيون و الأسبان ففشلوا هنا، يعرفون أنه تم كسر البيض، لكن من الفاعل؟

مرة أخرى اللغة تؤثر على التعاطي مع العالم، فالإنجليز أكسبتهم هنا حس الرقابة.

في اختبار آخر للأشخاص مزدوجي اللغة، أي الذي لغته الأم العربية و يتحدث الألمانية مثلًا، أو لغته الأم الإنجليزية و يتحدث العربية ، حين تم اختبارهم بطرح أسئلة في قضايا سهلة و واضحة عليهم، كانت الإجابة تعتمد على اللغة التي يطرح بها السؤال، فلما سئل شخص يتحدث العربية و الإنجليزية عن خبرته في العيش في أمريكا، كانت الإجابة بها تركيز على كثير من السلبيات، أما حين سئل نفس السؤال بالإنجليزية فكانت الكفة تميل لصالح المجتمع الأمريكي، و هذا ما حدث مع الفلسطينيين من سكان 1948، لغتهم الأم العربية و اللغة الثانية العبرية، حين سئلوا عن المستعمر الإسرائيلي كانت الأجوبة سلبية تدين الإسرائيليين كقوة احتلال، أما حين كان السؤال بالعبرية فكانت الكفة ترجح قليلًا لصالح الإسرائيليين.

و هذا شيء خطر جدًا، نحن نظن أننا نلعب باللغة، و في الحقيقية و بالقدر ذاته بل أكثر هي تلعب بنا، نحن ألعوبة اللغة دون أن ندري.

 بناءً على ذلك أفترض أن مسألة الشذوذ الجنسي و المثلية الجنسية لها علاقتها باللغة، فالطفل الفنلندي الذي يتأخر سنة كاملة عن الطفل العربي و العبري في تحديد هويته الجنسية هل هو ذكر أم أنثى، هذا سوف يؤثر على اختيار هويته مسلكيًا ، لأنه تأسس وفق اللغة ليدرك أن الفرق غير موجود في البداية و من ثم الذكر كالأنثى، ثم بعد ذلك الحقائق فرضت نفسها و بالتالي يختلف لف هذا عن طفل منذ البداية تأسس سريعًا على أن الذكر غير الأنثى و بالتالي تختلف الهويات الجنسية و الأدوار.

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

3 تعليقات

  1. مقال رائع، ولكن كنت أتمنى ذكر مصدر الموضوع (خطبة عدنان إبراهيم بعنوان “نحن معاشر الكذابين) من باب الأمانة.
    وكنت أتمنى ذكر نظرية سابير وورف من باب التأصيل الأكاديمي.
    وشكراً على الصياغة الرائعة والأسلوب الشيّق.

  2. Next time I read a blog, Hopefully it doesn’t fail me just as much as this particular one. After all, I know it was my choice to read, nonetheless I really thought you would have something useful to say. All I hear is a bunch of crying about something you can fix if you were not too busy seeking attention.

  3. It¡¦s in reality a nice and helpful piece of information. I am satisfied that you just shared this useful information with us. Please keep us up to date like this. Thank you for sharing.

اترك تعليقاً