الرئيسية / احدث التدوينات / مابين السطور

مابين السطور

9b3a43ed9880e96bdbf3a92b1afafded0a7ab2b1
نحن بالقراءة أقرب لعوالم الآخرين، وبالكتابة أقرب لعوالمنا..

***

حكايتي واللغة العربية لا تقتصر على محبتي للكتابة.. ولكنها ارتباط وجداني.. منذ زمن بعيد.. أذكر حينها كنت أقرأ رسائل والدي التي كان يبعث بها من بلاد الغربة.. وقتها لم نكن نعرف الهواتف الثابتة ناهيك عن المتنقلة.. فكانت تلك الرسائل تحمل في داخلها شوق والدي ومحبته لنا.. وهي وسيلة التواصل المتاحة لنا.. كنا أنا وأخواتي عندما تصلنا الخطابات تلتقط كل واحدة فينا خطابها.. وتسارع بفتحه لتسبق بالقراءة.. عادة ما يبتدر أبي خطابه بابنتي الحبيبة.. ولأنني وأخواتي كنا في سن متقاربة كانت مهاراتنا اللغوية كذلك متقاربة.. فترانا نقرأ الجملة الأولى بصوت واحدٍ واثقين ثم تشق كل منا طريقها عبر السطور متأتة لتكتشف ما أرسل لها من كلمات.. كان ذلك أول عهدي بالقراءة.. ارتحال بالكلمات لتتحول المكتوبة منها في مخيلتي إلى لغة مسموعة بصوت أبي.. لازلت حتى الآن أحتفظ بتلك الخطابات.. ومن أكثر ما علق في ذاكرتي منها خطاب أرسله لي والدي وأنا بالصف الرابع الابتدائي.. كان الخطاب يتكون من ثلاث صفحات.. مكتوب بلغة بسيطة رصينة.. يحدثني فيه أبي عن المعرفة وكيفية اكتسابها والاستفادة منها.. كان ذلك الخطاب نقلة كبيرة في نوع المكاتبات بيني ووالدي.. حتى دخلت التكنولوجيا لتنقلنا بعيدًا عن عالم المخطوط من الرسائل.. محبة والدي الشديدة للقراءة.. كان لها أثر كبير في تشكيل علاقتي باللغة العربية في تلك الفترة.. وحتى هذه اللحظة أجد منه التشجيع على القراءة والكتابة معًا.

***

يا من لقارئ كلمٍ من يُحاسِبُها..

إن غَادَرت خلفَ الحروفِ الروحُ تَنشُدها..

النورُ فيها ليسَ تُخطِئُه..

عينٌ أحَبت أو قلبٌ بِها اتسمَ..

ليسَ المُسافرُ من بالجَسدِ ارتَحلَ..

بلْ مَنْ تَخَطى دونَ الخُرطِ ما ارتسمَ..

***

عندما انتقلت إلى مرحلة الثانوي بدأ شكل علاقتي باللغة يتغير.. لحصة التعبير الفضل الكبير في ذلك  والتي كانت تتميز معلمتنا فيها بالابتكار والحيوية.. فتشكلت في داخلي رغبة أكبر في الكتابة.. كانت علاقتي بالحروف تقوى يوماً بعد يوم.. أقرأ وأتلمس درب الكتابة.. إلا أنني في مرحلة الجامعة ألهتني دراستي عن شغفي.. فاكتفيت بتدوين مذكرات متفرقة.. وملت إلى اللغة الإنجليزية.. وكان في ذلك تحدٍ لنفسي عزز من ثقتي بقدرتي على التعبير بلغة أخرى.. أصبحت أشعر بأن هناك حاجزاً بيني وبين لغتي.. إلى ما بعد التخرج من الجامعة.. وبداية العمل.. بعدها مررت بفترة من الركود في الحياة العملية فراغ ولدّ في داخلي الرغبة في الكتابة من جديد.. ظهور وسائل التواصل الاجتماعي.. معرفة الكثير من المهتمين بالتدوين.. إنشائي لمدونتي الخاصة.. كانت خطوات سريعة في إعادة تشكيل علاقتي والحروف.. بت أكتب لأدون مذكراتي.. بت أكتب لأعرف من أنا.. الحروف أصبحت طريقي لرؤية انعكاسي.. أراني كثيرًا عندما أرتبك ألجأ إلى قلمي إلى حروف أستشف عند قراءتها لاحقاً ما كان يعتريني.

***

أمسكت بقلم وكراسة كانت على طرف مكتبي.. ثم أطفأت الضوء.. فكلما ارتبكت التجأت إلى ظلمة تضيئها الحروف..

“ربي.. ربما ضل صوتي طريقه إليك.. وانشغل قلبي عنك.. ورغم الضوء من حولي داهمتني العتمة.. شخصت ببصري إلى السماء أستنجد بك.. فتذكرت أنْك على الأرض أقرب.. عفرت وجهي بالتراب أناجيك.. فهوى قلبي من صدري.. اختفى صوتي.. ما عدت أنا.. وعندما أدركتُني وجدتني بعيدةً تائهة عنك.. وإني لم أجد سوى هذه الحروف.. أحررها لأرد قلبي.. فربما أدركت بقلمي ما لم أدركه بألمي.. أن المعرفة التي أبحث هي مبعث الحياة لا انتهاؤها.. وأن أقرأ في خلوتي، أن دمعي ودمي سيان لولا ارتسام العين يفرقهما.. وأن أبصر على سواد الليل أن النور من هاهنا”

ثم وضعت القلم قرب قلبي ..

***

هكذا حالي مع اللغة العربية مسافرة في رحابها قارئة.. غارقة في أعماقي كاتبة.. وبين هذا وذاك يظل وتر المحبة بيني واللغة موصول.. أفضلها على غيرها.. وأرسم لنفسي عبرها مساحة من الفرح تسع الكثير من أحلامي..

رب حروف متشابهة ائتلفت.. فسطرت على صفحات قلبي الكثير.

 

عن سارة النور

mm
سودانية بحب هى أنا .. طبيبة محبة للحروف .. ومابين سماعتى وقلمى أتوه .. متفائلة حد الأمل ما وُجِد له حد .. باحثة عني ولعلي إذ أكتب فإننى أكتب لأعرفنى أكثر .

أضف تعليقاً