الرئيسية / احدث التدوينات / من أين نبدأ الإصلاح ؟

من أين نبدأ الإصلاح ؟

17022016_arabe

خاص لجيل جديد : محمد غازي النجار *

يقول الأديب الألماني (جوته) : ” ربما لم يحدث في أي لغة هذا القدر من الانسجام بين الروح والكلمة والخط مثلما حدث في اللغة العربية ، وإنه تناسق غريب في ظل جسد واحد ” .

جوته اطلع على التراث العربي ، وكان لذلك تأثير بالغ على كتاباته ، وترجم بعض القصائد والمعلقات العربية إلى الألمانية .

ألمانيا عندما قررت اختيار اسم المركز الثقافي الوحيد لها الذي يمتد نشاطه على مستوى العالم ، لم تجد أفضل من عاشق اللغة العربية وتراثها (جوته) لتطلق اسمه على هذا المركز في 80 دولة مع 144 معهد .

اللغة العربية هي أكثر اللغات غير الأوروبية تأثيرًا في اللغة الألمانية ، وبعض المدارس الخاصة بالطلاب الموهوبين في ألمانيا تتولى تأهيلهم من الحضانة وحتى التعليم ما قبل الجامعي ، والطلبة يخيرون في المرحلة الابتدائية ما بين دراسة العربية أو الصينية كلغة أجنبية ، 80% من الطلاب يفضلون دراسة اللغة العربية ، المبدعون الألمان الصغار يدرسون بعض سور القرآن وبعض أشعار العرب ، وقواعد النحو والصرف ، وحين يبلغون الخامسة عشر يكونون قد وصلوا إلى مرحلة جيدة في اللغة العربية كتابةً وتحدثًا .

يقول الكاتب والمؤرخ الفرنسي (رينان) : ” من أغرب المدهشات أن تنبت تلك اللغة القومية وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري عند أمّة من الرُّحَّل ، تلك اللغة التي فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها وحسن نظام مبانيها ، ولم يُعرف لها في كل أطوار حياتها طفولة ولا شيخوخة ، ولا نكاد نعلم من شأنها إلا فتوحاتها وانتصاراتها التي لا تُبارى ، ولا نعرف شبيهًا بهذه اللغة التي ظهرت للباحثين كاملة من غير تدرج ، وبقيت حافظةً لكيانها من كل شائبة ” .

وإن كانت اللغة العربية نشأتها بدوية فهذا لا يقلل من كونها لغة عظيمة غنية بالمفردات ، ومن أثرى اللغات بالألفاظ والمعاني ، على سبيل المثال مفردات اللغة العربية أكثر من ضعف مفردات الإنجليزية .

ثم نجد بعض من يرون أنفسهم مثقفين ومتنورين يقللون من شأن العربية الفصحى ، بل وربما يدعون إلى أن يكون التعليم باللغة العامّية ، وكأنهم نسوا أن أعظم المفكرين والأدباء في بلادنا كتبوا بالعربية الفصحى ، والكتب المترجمة عن أعظم المفكرين والأدباء تمت ترجمتها بالعربية الفصحى ، وتاريخنا الحضاري وتراثنا الثقافي مكتوبان بالعربية الفصحى ؛ ولذا هم بتقليلهم من شأنها يعوقون مسيرة التنوير من حيث لا يشعرون ، خاصة في مجتمع معظمه لا يجيد سوى لغة واحدة وبعضه أمّي .

من فضلكم كُفّوا عن اللغة العربية ، وأفسحوا لها المجال ؛ كي تتسع دائرة النور .

وإذا أصبح التعليم باللغة العامّية فهذا يعني انفصالاً خطيراً عن تاريخنا ، وانقطاعًا كبيرًا عن تراثنا الثقافي والأدبي ، وضرر ذلك شديد على مختلف الأصعدة .

يقول (طه حسين) : ” إني من أشد الناس ازورارًا عن الذين يفكرون في اللغة العامية على أنها تصلح أداةً للفهم والتفاهم ، ووسيلة إلى تحقيق الأغراض المختلفة لحياتنا العقلية . قاومتُ ذلك منذ الصبا ما وسعتني المقاومة ، ولعلي أن أكون قد وفقت في هذه المقاومة إلى حد بعيد ، وسأقاوم ذلك فيما بقي لي من الحياة ، لأني لا أستطيع أن أتصور التفريط – ولو كان يسيرًا – في هذا التراث العظيم الذي حفظته لنا اللغة العربية الفصحى ، ولأني لم أومن قط ولن أستطيع أن أومن بأن للغة العامية من الخصائص والمميزات ما يجعلها خليقة بأن تسمى لغة ، وإنما رأيتها وسأراها دائمًا لهجة من اللهجات قد أدركها الفساد في كثير من أوضاعها وأشكالها ، وهي خليقة أن تفنى في اللغة العربية إذا نحن منحناها ما يجب لها من العناية فارتفعنا بالشعب من طريق التعليم والتثقيف ، وهبطنا بها هي من طريق التيسير والإصلاح إلى حيث يلتقيان من غير مشقة ولا جهد ولا فساد ” .

ومن يجد صعوبة في اللغة العربية فذلك مردّه إلى الضعف المعرفي ، أو ضعف المنظومة التعليمية الفاشلة .

علماء اللغويات أو اللسانيات يقولون لا توجد لغة سهلة ولغة صعبة ، هذه فكرة خاطئة ومتوهمة ، فإتقان الطفل للغته الأم المنطوقة أيًا كانت يستغرق نفس الوقت ، فالطفل الصيني مثلًا لا يستغرق وقتًا أكثر في تعلم الصينية عن مثيله الإنجليزي أو العربي حين يتعلم كل منهما لغته الأم .

كما أن للغة العربية جرسًا مميزًا ، وموسيقاها رائعة لها وقْع خاص ، حتى أن العالم والفيلسوف الفارسي (أبو الريحان البيروني) كان يرى أن الشتم بالعربية وقعه أحلى على سمعه من المدح بالفارسية لغته الأم .

واللغة العربية وإن لم تكن لغتنا الأصلية في الماضي ، فهي لغتنا الحاضرة منذ قرون ، وأضحتْ جزءًا أصيلًا من تراثنا الثري وثقافتنا المتنوعة . كما يمكننا استثمار اللغة لنشر ثقافتنا عن طريقها ، فنشر ثقافتنا بين من ينطقون بلغتنا أسهل من نشرها بين من ينطقون بغيرها .

ولا حياة لأمة بدون لغتها ، يقول (مصطفى صادق الرافعي) : ” ما ذلّتْ لغة شعب إلا ذَل ، ولا انحطتْ إلا كان أمره في ذهاب وإدبار ” .

ومن يتنصل من لغته أو هويته لن يحظى باحترام العالم ، وأمّة بلا لغة هي أمّة مقلّدة أو تابعة ، ولا يمكن لأمة أن تنهض بحق وصدق وهي تزدري لغتها وتعتبرها ساقطة .

ومع إهمال اللغة العربية كيف سنوجد نخبة جديدة تستوعب العلوم ، وتنتشل الأمة من أزماتها المعرفية والحضارية ؟!

سأل شخص حكيم الصين (كونفوشيوس) وهو يحاوره :

” من أين تبدأ الإصلاح في حال استلمت السلطة السياسية ؟ “

قال : ” أبدأ الإصلاح من اللغة ” .

نحن بحاجة إلى إصلاح عاجل ؛ فالانحطاط اللغوي في كل مكان ، بداية من خطب الرئيس التي لا تكاد خطبة منها تخلو من أخطاء لغوية ، ومرورًا بالأخطاء الفاضحة لوزير التربية والتعليم ، وأخطاء المؤسسات والبرامج والمواقع ، هذا غير الأخطاء الكارثية التي نشاهدها يوميًا على صفحات الفيسبوك في كتابات من يحسبون أنفسهم من الكتّاب والشعراء وغيرهم .

الحكومة تتحمل قدرًا كبيرًا من المسئولية ؛ لأن عليها أن تدشّن سياسات تجعل المواطنين أكثر تمسكًا بلغتهم وتراثهم ، خاصة في مجالي التعليم والإعلام .

وأعتقد أننا بحاجة إلى طريقة حديثة في تدريس اللغة العربية من أجل تيسيرها وتحبيبها إلى الدارسين ، وبحاجة إلى قنوات وبرامج هادفة في التلفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي تدعم لغتنا وثقافتنا .

الكتّاب والشعراء والأدباء والإعلاميون والصحفيون والمثقفون يتحملون قدرًا من المسؤولية أيضًا .

والذين ينتهجون الكتابة بالعامّية كأسلوب وحيد شاركوا في هذا الانحطاط الذي وصلنا إليه ، فاللغة في الأدب غاية وليست فقط وسيلة .

يقول ( عثمان أمين ) : ” من لم ينشأ على أن يحب لغة قومه استخف بتراث أمته ، واستهان بخصائص قوميته ، ومن لم يبذل الجهد في بلوغ درجة الإتقان في أمر من الأمور الجوهرية اتسمت حياته بتبلد الشعور ، وانحلال الشخصية ، والقعود عن العمل ، وأصبح ديدنه التهاون والسطحية في سائر الأمور “.

أخيرًا : هذه ليست دعوة للانعزال عن لغات العالم وثقافاته ، هناك فرق شاسع بين تعلّم اللغات الأجنبية والتعلّم باللغات الأجنبية ، الأول مطلوب والثاني مرفوض ، الأول يخرج أجيالًا محافظة على هويتها وتراثها ومنفتحة على العالم في ذات الوقت ، والثاني يخرج أجيالًا منفصلة عن تراثها وثقافتها وتاريخها ، ولا تعدو في معظمها سوى أن تكون امتدادًا لغيرها مع طمس هويتها .

وفي نهاية المطاف اللغة هي وسيلة ، والأهم هو كيف نرتقي بلغتنا وننهض بها ، وكيف نرتقي بأنفسنا وننهض بمجتمعنا من خلال اللغة .

أنا أعشق بلادي وتراثها وثقافتها المتنوعة ، لكني أيضا مستغرق في حب العربية التي هي الآن لغة بلادي وجزء أصيل من تراثها وثقافتها .

______________

* شاعر من م15240121_1451866098175400_1632493128_nصر

 

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً