الرئيسية / احدث التدوينات / نافذة تَطِلُّ عَلَى الدَّاخِل

نافذة تَطِلُّ عَلَى الدَّاخِل

%d8%aa%d9%86%d8%b2%d9%8a%d9%84

كلما له صلةٌ بالوهم بذيء ومقموع تمامًا كالجنس والموت

جان بادريارد

 لاشيء أكثر مشقةً من الانتظار، التحاف الصبر لأجل غايةٍ مُبهمة, أنْ تنتظر شيئًا، فيفجعك الزمن الهارب باللاشيء… ربَّما لستَ متأكّدًا إذا ما كان يومًا عاديًا.صباحٌ اعتيادي. تستيقظُ فيه لِتَسْتَهِلَّ يومك بما اعْتَدتَ عليه مِن طقوس،مُنفِقًا الوقتَ بالذهابِ ثُمَّ العودةِ من العَملِ عند نهايةِ المَساء. ولكِنَّكَ بالتأكِيد، ولكسر تِلكَ الرتابةِ، اخترت العُروجَ بمحلِّ بقالةٍ أو مطعمٍ مُختلفٍ عَن ماقَصَدتهُ بالأمسِ؛ مِن أجْلِ وجبةِ عشاء, تنتهي بِتَناولها وحيدًا دونَ رفقة، كَكُلّ الايَّام، إذ  تَبدو مُتَشَابِهة فِي الغُربة، وفكرة العَودة العَظِيمة تَلوحُ فِي الأفق، عَدا انَّك اليومَ عُدتَ مبِّكرًا بنصفِ ساعةٍ عِنِ المُعتَاد, فِي حِسَاب ايَّامكَ المُتسرِّبه كالنَّسيمِ النَّافِذ من فَوقِ الكُوى العَتِيقَة.

وَلجْتَ إلى شقَّتِكَ الصَغِيرةِ،وضعتَ حَاجِيَّاتِكَ على الطاولةِ،خَلَعتَ ملابسكَ لتَحْظَى بحمامٍ  دافئ يَنْفِضُ رهقَ اليوم،ومِنْ ثَمَّ اتخذت مَجلسكَ امَامَ التلفاز، تَعْبثُ بجهاز التحكم،آخذًا فِي التَنقُّل بَينَ القنواتِ الفضائية،وبَينَ كُلِّ فينتَين ترفع إبهامك عن الناقل.

جادلكَ التلفاز.باستعراض لأحدثِ الأفلامِ السينمائيَّةِ التي سَتُبَثُّ لاحقًا.بإحدى المبارياتِ المُعَادة لفعالياتِ الدوري المُمتَاز. بإعلانٍ بَغِيضٍ حول آخرِ مستحضرٍ ضِدَّ تساقط الشَّعْر. جَادَلكَ بالتنَّقُلاتِ التي يُفضِي بعضها الى بعض. كِدتَ تتوقف عند إحدى القَنَوَات،بل تجاوزتها. ثُمَّ استدركت شيئًا, جَرَّكَ صادًّا إليها.فِي لمسةِ زِر,شَدَّكَ ما تَبِثُّهُ مِنْ أحدَاث. للوَهلةِ الأولى بَدَا الأمرُ مُربكًا, لكنَّكَ  ما إنْ قرأتَ ما كُتِبَ على الشريطِ الإخباريّ، “جُمُوعِ الشًّعبِ تخرجُ الى الشَّارِعِ في تظاهرةٍ هَادِرةٍ…ً”، ودونَ أنْ تطرحَ السؤال:”أين؟”، عَرِفتَ أنَّ الأمرَ يَخُصُّكَ. بدايةً بملامحِ الوجوهِ الغَاضبة التي تَقْتَنِصُها عدساتُ الكامِيرات. “الوجوه التي غادَرْتَهَا وقد بَدتْ أكثَر سوءًا”، وانتهاءً بأزياء العَسكر البرَّاقة. عندها انتفضت  من مَجلسكَ بلا وعيٍ تُتَمتِمُ بكلماتٍ يَشُوبَها الذُّهول، تَخرجُ من بُؤَرٍ سحيقةٍ في مَكامِن روحك. مَشْدُوهًا بكلِّ ذلك، ظللت تُحدِّق فِي الأربعينَ بُوصة. كنَافِذةٍ تُحِيلُكَ الى المشهد، ثُمَّ كيف لا تًدري، وجدتَ ذاتكَ هُناك،تَنْعَتِقُ أخيرًا مِن جُمُوحِ الطُغيَان لتَكسرَ كلَّ قَيد.بطريقةٍ ما شَعَرتَ انَّكَ تَقَفُ في مُنتصفِ تلكَ الجُمُوع. تَتَصدَّى معها لحَشدٍ من العَسكَرِ مُرَدِّدًا الشِّعَارَاتِ المُنَاوِئة، بينما الدُّمُ يَغلِي في عُروقكَ ونَبضَاتِ قلبكَ تأخذُ بالتَّسَارُعِ كقَطَراتِ غيثٍ كَثِيفٍ.

كَارًّا مع الحُشُودِ  الغَفِيرَةِ، تَكتَسِح الشَوَارِع مطاردةً بيادق الشَّغب،وفارَّا معها من عَاقِبةِ الاعتقال، من أعْيِرةِ الرصاصِ الحيّ وابْخِرةِ الغازِ المُسيِّلةِ للدِّمُوعِ، والجَرحَى والقَتلَى يَتَساقَطٌونَ في كلِّ حدبٍ وصوب. تَصَاعدتْ أدخنةُ الإطَاراتِ المُحتِرقة؛ لتَحجبَ صفحةَ السَّماءِ بغمامةٍ سوداءٍ قُاتِمةٍ، بروائحَ نَفَّاذة، لتغرق فضاءُ المكان. ترى هل فاتكَ أنْ تُدرِكَ قُصُورَهَا في طَردِ ذُبابة؟

مَحضُ ذُبابة, هكذا وُلدتْ من عدم. راحتْ تَطَنُّ حَولَ رَأسِكَ لدَقائِق. تَختَالُ عليكَ وجودكَ الهُلامِي. تَستَجدِي إدراككَ دون جدوى. تَطِنُّ وتَطِنُّ وتَطِنُّ حتَّى استقرَّتْ على أرنَبةِ أنْفِكَ، مُثيرةً بذلكَ إنتِبَاهكَ  لما يُحِيطَكَ من جدرانٍ. هَشَشْتهَا ولَم تَعُد. ولأنَّ الجُغرَافيَا كانَ لها رأيٌ آخر، لم تَمتَنِع. امتد إدراكُكَ للحال، والشَّاشةُ تُحِيلكَ للأرض، تُحِيلكَ للركض: للُّهَاث. يَتَقاطرُ عرقٌ على جَسِدكَ دونَ أنْ تَشعُرَ, رُغمَ هواء التَكييفِ وبُرَودَتهِ العَالية، لَعَنْتَ المَسَافةَ، لَعَنْتَ الوقت، وكلَّ ما مَنَعكَ اقتناص تِلكَ النَّشوة , يَمنحُها التحرُّرَ مِن كلِّ خوف. ولكن هل ستَبدُو لكَ تلك المسافة طَوقًا آخر لنَجَاتِكَ ؟

-ربَّما تكونُ آخرَ فرصةٍ لتَقَبُّلِ فكرةِ الوطن !

رنَّ جَرسُ الهاتفِ بتغوُّلٍ مُزعِج. وَدَدْتَّ تَجَاهلهُ لتُتَابِعَ الحَدَث. فَكَّرتَ لوَهْلةٍ بأمِّكَ ،بأبيكَ ، بأصدقائكَ المُشتَّتِينَ فِي بِقَاعِ الأرض، بِمَنْ يُمكِن أنْ يُشَارِكَكَ هذه اللَّحظة، بالمُتَّصِل الذّي ربُّما يُكُونُ هُوَ. هَرَعتَ الى الهَاتِف تَهُمُّ الى اجابةٍ ما:

    – ألو؟

    – مرحبًا، هل يُمكِنُنِي مُحَادثةُ الأستاذة عنايات؟

    – عفوًا، هذا ليسَ مَنزل الأستاذة عنايات!

    – أرجُو المعذرة، انا آسف.

تُغلِقُ الهاتِفَ بِعُنفٍ باذلًا كلَّ مافِي قَامُوسكَ منالشَتَائم النَّابِية. مسكينةٌ هي أستاذة عنايات. لابُدَّ أنها نَالتْ نصيبًا وافرًا في ذلك اليوم.

عُدتَّ لمُوقِعِ المُشَاهِد, لتَصطَدمَ بالمَشهد وقَد تَحَوَّل إلى فاصلٍ إعلاني سَخِيفٍ. رُحتَ تقلب بَينَ القَنَواتِ، بَينَ كُلِّ حَنِينٍ رَاكَمُهُ الشَتَات.  فجأة..إنقطعَ التيارُ الكهربائي !

    – اللعنة ! ما معنى أنْ ينقطعَ التَّيارُ الآن ؟!

    – ربَّما هُو محضُ تسلسلٍ دراميٍّ للأحداث!

حسنًا نَحنُ نعلمُ أنَّه قد جَلسَ أخيرًا على الكَنبَةِ مُحدِّقًا فِي الظُلمة، مُتفكِّرًا في هذا الانقطاع المُفَاجئ. لقد مَرَّ عامانِ مُنذُأنْ وَطئتْ أقدامهُأرضُ هذهِ البِلاد ولم يَحدُث ذلكَ من قَبل. ربَّما فَكَّرَ إذا ما كان لذلكَ علاقةٌ بِمَا يَجري هناك،وربَّما إستبعدَ هذهِ الفِكرة لسذاجِتهَا. نحنُ لا نَدرِي كيفَ تَساءلَ حولَ المصيرِ في حالِ نَجحتْ ما يُمكِنْ أنْ يُسمِّيه ثَورَة، لكِنَّنَا قد نُرِجِّح أنَّ فِكرةَ العودةِ سَتكُونُ أكثر إشراقًا.

هاهو يَتَعثُّرُ بِجفَافِ حَلقِهِ وفَرَاغِ مَعِدَتِهِ، فيَتَذَكَّر وجبةَ العَشاءِ الرَابِضة داخِلَ الأكياسِ على الطاولة. يَتَحسَّسُ ظَهرهَا باحثًا عنْ قَدَّاحةِ السَجَائر. يُشْعِلُ نارَ القَدَّاحةِ لتَهِبَهُ بعضَ الرُّؤيَا. يَبدَأُ في إخراجِ الشَطَائِر ورَصِّهَا بالترتيب، ومِنْ ثَمَّ يَشرَعُ بالأكلِ وتَجَرُّعِ الصَودَا التي نَسِي أنْ يَضَعَهَا في الثَّلاجَة. تَأخُذُ الأصواتُ الصادرةِ عن طحنِ أسنانه للطعام وإختلاطهِ بلعابهِ اللَّزِج بإختراقِ سكونِ المَكَانِ والعَتْمَة. يَغمُر هُذلك بإحساسٍ غَريب، وكأنَّهُ لم يأكل مُنذُ زمنٍ طويلٍ للغاية.

أخيرًا يَعُودُ التيار.يعودُ ليَسحبَكَ مِن ضِيقِ الظُّلمةِ لبَرَاحِ النَّور. تَبتَسِمُ الشَّاشة أخيرًا. تَبتَسِمُ بوجهِ مُذِيعٍ لَبِقٍ حسنُ الهِندَامِ، فَصِيحُ الكَلَام. يَتَحَدثُ عَنْ تَارِيخِ الثَّورَاتِ في المَنطِقة..عندها تَتَوَقَّفُ عنِ الأكلِ لتُعِيدَ تَرتَيبَ أفَكَارِكَ إثرَ ما قَال:

“أعِزَّائِي المُشاهِدِين فِي كُلِّ مَكَانٍ. لَقَد دَأبَ إنسانُ العالِمِ الثَّالِثِ يَتُوقُ للخُروجِ مِن بِئرِ الفَقْرِ والتَّخَلفِ مُنذُ نِهايةِ الحَربِ الكَونيَّةِ الثَّانِيَّة، مُسَخِّرًا لذلكَ كُلَّ طَاقتِهِ المُمْكِنَة، ليَلْتَحِقَ بَرَكبِ الحَضَارةِ، والذي ظَلَّ يُقَدِّمُهُ النَمُوذَجُ الغَربِيُّ فِي صُورَتِهِ الأكثَر اكتمالًا، مِن خِلالِ تَحقِيقِهِ لقِيَمِ العَدَالةِ والحُرِّيَّةِ والديمقراطية وما يَتَمَتَّعُ بِهِ إنسانُ الغَربِ مِن حُقُوقٍ، ولكِنَّهُ للأسَفِ ظَلَّ أسِيرًا لقَمعِ الأنْظِمَةِ الشُمُوليَّة والدِّكتَاتَوريَّات، ومِثَالًا على ذلك مانَقَلنَاهُ للتوِّ مِن أرشِيفِ المَحَطَّة” (!)

عن محي الدين هارون

mm
كاتب من السودان

اترك تعليقاً