الرئيسية / احدث التدوينات / نهم مجهول تعالجه اللغة

نهم مجهول تعالجه اللغة

%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9-1

الكتابة عن علاقتي باللغة العربية من حيث البداية وتطور تلك العلاقة، هو ما لم أفكر به من قبل، مع ذلك ظننته شيئًا بسيطًا،سهلًا للوهلة اﻷولى، لكن ما أن بدأت بتجميع خيوط العلاقة وتبيانها، حتى أدركت أنها ربما تكون من أصعب ما حاولت الكتابة عنه يومًا، بسبب تفرق الخيوط، توزعها على فترات عديدة، تفاصيلها اللا معددوة والتي كان لكل منها أثر لا يمكن تجاهله أو القفز عليه بالتجاوز، لكن يمكنني القول _يمكنك أن تسميه إدعاء_ أن وشائج العلاقة بيني والعربية بدأت ملتبسة، قبل ميلادي بعقود عديدة.

 سأحكي قصة قد تعيننا على فهم ما هو ملتبس:

في ستينيات القرن الماضي دفعت رغبة ملحة والد بسيط إلى إرسال ابنه لمدرسة “كاتشا”، غرب مكان إقامته ليتلقى قسطًا من العلم وللحصول على دروس فك الخط.

وصل الطفل إلى المدرسة، لكنه وجد ما لم يكن يتوقعه، إذ كان يظن أنه سيتعلم مباشرة، لكنه علم أن عليه تعلم لغة جديدة، لم يكن ذلك سيئًا حتمًا، لكن الأسوأ كان ضرورة نسيانه اللغة التي حفرت في عقله، روضت لسانه على النطق، مكنته من التعبير عما يختلج في نفسه، حتمية محو لغة الأجداد كانت لها طرقً عدة، أدوات تنوعت بين الترغيب والترهيب، والأخيرة كانت السائدة في المشهد.

لتحقيقه ظهرت ابتكارات كثيرة أهمها، صناعة سلسلة من حبل يمرر عبر عملة معدنية مثقوبة عند المنتصف، كانت تحدد المذنب بجلاء إذ أنها تكون عند أحد التلاميذ، وما أن يجد من يتحدث لغة من اللغات المحلية ما عليه سوى وضعها على عنقه،وهذا ما زرع الرهبة  في قلوب الأطفال، الخوف من العقوبة القاسية المنتظرة مما يدفع التلميذ للبحث المضني،والسعي الجاد لمحاولة العثور على ضحية جديدة تتحدث بلغة محلية وهو ما لم يكن صعبًا، تستمر عملية التنصل من “العملة المثقوبة” إلى أن يندلق الليل على المكان، وتبتلع الظلمة سكنات التلاميذ، هنا يكون دليل الجريمة معلقًا في عنق أحد التلاميذ ذلك الذي لم يحالفه الحظ، ولم يعثر على من ينطق الكلام المحرم.

 25 جلدة على الملأ، المخرج الوحيد لتجنبها كان تعليق السلسلة على عنق أصغر أطفال المدرسة وقت ذاك.

 شيء يبصره القدر وحده جعل المعاقب الدائم في الصباحات الشتوية القاسية هو ابن السابعة المبعوث من والده لتعلم فك الخط“.

تسعينات نفس القرن يجيء للحياة طفل مشاكس، لا يتورع في فعل كل ما تدفعه رغبة الإستكشاف لفعله.

طفل السبعينيات تقدمت به السنوات، أخذته في رحلة ذات تشعبات عديدة إلى أن زحفت سنوات التسعين فأنجب طفلًا كان مشاغبًا،نزقًا، صاخبًا لا يمل الثرثرة أو يهده التعب.

سنترك طفلي القرن الماضي هنا ونمضي لحالنا على أن نرجع إليهما حال لزم الأمر.

  بيتنا كان صندوقًا للحكايا، فالقصص الكثيرة والحكايات المسائية الماتعة التي كانت تسردها أمي على مسامعنا _أنا و إخوتي_ كمكافئة حال فعلنا ما علينا، والحق أن الأمر لم يكن شاقًا ولا صعبًا، كل ما هناك أن تعود من عملها، وتجدنا نظيفي الثياب، مدهونين بزيت منزلي الصنع كانت تصنعه بمهارة وجودة جدتي.

  كان للحكايات عمقها الخاص والذي اتخذته من طريقة سردها، وشيء من عمق صوت والدتي، سرعان ما فتحت ذهني، وجعلت روحي تلتهم كل ما أسمعه.

   في الصف السابع للمرحلة الإبتدائية بدأت أصاب بحالة من النهم مجهول الكنه بالنسبة إلي، نهم لا يسكنه اللعب، ولا يهدأ بفعل نزق الطفولة، ولم تعد الحكايات المسائية تكفي لتسكنه رغم متعتها وجمالها الذي أحس به حتى اللحظة، ما دفعني إلى اقتحام مكتبة كبيرة ومتنوعة كانت في المنزل.

هنا تجدر الإشارة إلى أن هذه المكتبة أسسها طفل ستينيات القرن الماضي، ذلك الذي أوردنا ذكرى عقوبات قاسية، متكررة لحقت به إبان دراسته الابتدائية.

 تمر الأيام سريعًا حتى نصل الإجازة الفاصلة بين مرحلتي الأساس والثانوية، وقتها قرأت العديد سواءً المكتوب منذ البدء بالعربية أو ما تم نقله ترجمة إليها، وفي مواضيع متفرقة، الدين _ الإسلام، المسيحية الديانات المحلية_ القانون، السياسة، الأدب وهي الفترة التي تعرفت فيها على عوالم تفوق عقلي بكثير، كنت في الرابعة عشر حين قرأت “لا تطفئ ضوء الشمس” و “لا استطيع أن ارقص وأنا أفكر” لإحسان عبد القدوس، دخلت عوالم الأبنودي، ونجيب محفوظ، وغيرهما بما كان متوفرًا في مكتبة المنزل.

 أيضًا أطلعت على ترجمات متنوعة أذكر منها “أولفير توست”،و رواية “الأرض”،ل”أميل زولا”،كانت لي ثمة قراءات متفرقة لشعراء كل ما كنت أعرفه عنهم حينها، أنهم من بلاد أسكنها.

تلك الفترة أتاحت لي التعرف على عدد -لا بأس به- من الكتاب، سودانيين وعرب وغربيين عبر ما وجدته مترجمًا.

من باب الصدق أغلب ما قرأته لم أفهمه جيدًا _مع ذلك أسهم في تمتين علاقتي بالعربية_ عدم فهم التفاصيل وقتها هو ما اضطرني إلى إعادة القراءة من جديد في سنوات لاحقة.

 أستطيع أن أجزم أن أواصر الصلة بيني واللغة العربية هنا بدأت تأخذ طابعًا مغايرًا، وتتجه نحو اتجاهات جديدة.

تمر الأعوام تنمو معها طمأنينة بأن النهم مجهول الكنه قد سكن، خدرته القراءة والإطلاع، لكن رحم المجهول كان يخبئ خلافًا لما كنت أتصور، أي أنه كان الهدوء الذي تليه العاصفة، إذ أن العطش الذي كانت تسكنه القراءة عاد بشكل جديد، لم يعد المهدئ القديم ذي نفعًا معه.

كان يدفعني للتخيل أثناء مطالعة نصوص أدبية،  أتساءل كثيراً أسئلة من شاكلة،

ماذا لو سلك البطل في الحكاية مسلكًا مغايرًا؟

ماذا لو لم يمت، أو ماذا لو مات غرقاً بدلًا عن الموت إثر حادث سير؟

وهكذا انهمك ذهني ينتج أسئلة متكررة دون أجوبة، أو في أفضل الأحوال مع إجابات غير مرضية، ولا مشبعة.

  ما كان يجعلني لا أطيق صبرًا للاستماع لحكايا والدتي في الماضي، هو عينه الذي دفعني للقراءة المتواصلة، وبمرور الوقت ولدت أسئلة أرقت مضجعي مذ كنت طفلًا مشاكسًا، إلى أن صرت صبيًا صامتًا أغلب الوقت، غارقًا متفكرًا في سحر نص شعري، أو متأملًا في دلالة بلاغية وجدتها في صفحة كتاب ممزق قديم.

 تسميتي لنواة العلاقة بيني وبين اللغة العربية بالبداية الملتبسة، قد يبدو شيئًا غريبًا، وهو ما يحتاج لإضاءة لذا اسمحوا لي أن أستعين بحكايتنا في البداية لتوضيح الأمر بالتعريف بالطفلين في القصة، طفل ستينات القرن الماضي _ذلك المعاقب باستمرار_  كان والدي، والذي أسس في شبابه مكتبة ضخمة ومتنوعة كانت مدخلًا مشرعًا، نافذة مفتوحة على مصراعيها لأدخل عوالم اللغة الباذخة، فضاءات  كتاب أسهموا في تعميق علاقتي باللغة العربية ،أما طفل تسعينات نفس القرن هو.. أنا نفسي.

عن متوكل الدومة

mm
قاص من السودان

أضف تعليقاً