الرئيسية / احدث التدوينات / هشتريه بعمل الخير

هشتريه بعمل الخير

diwani

خاص لجيل جديد : وسام جنيدي 

علاقتي باللغة العربية نشأت مع بداية قراءة رواية (الحرافيش) للكاتب نجيب محفوظ رحمه الله، ونتيجة أني قرأت تلك الرواية في سن صغير نسبيًا ،لم يكن عالم نجيب محفوظ الساحر فقط هو ما جذب مخيلتي بالطبع البعد الفلسفي لكتابات محفوظ كان غائبًا عني لصغر سني نسبيًا وقتها ،ولكن الكلمات ،تركيبات محفوظ الفريدة ،التي برزت لي للغاية في العبارة التي يرددها المنهزم في معارك الفتوات (نعم الفتوة أنت ) !

تلك العبارة على الرغم من اقتضابها محيرة للغاية ،لِمَ قام محفوظ بكتابتها هكذا ،تلك الموسيقى التي تصاحب وقع الجملة عند قراءتها، تركيبة فريدة، مختلفة، على الرغم من أنها قد تبدو للقارئ ذات نشاز قرائي ولكن …

مع الوقت اكتشفت لغة نجيب الخاصة، تلك اللغة التي بذل بها جهدًا ربما يفوق عالمه الخيالي المنسوج و فلسفته العميقة.

اللغة العربية بقراءاتها الخمس لا تحتاج للحديث عنها و مقارنتها مع اللغات الأخرى، ولكن هاجسي الشخصي منذ بدأت الكتابة ،كيف سأصنع لغتي الخاصة !؟ كيف ستصل إلى المتلقي !؟ والأهم كيف ستصنع مفردات لغتي التي أتمناها لي السعادة  لمن يقرأ  لي؟!

نعم السعادة، فاللغة و الكلمات تصنع سعادة الأفراد، نعم تصنعها ، فاللغة العربية تصل بمن يريدها هكذا حتى في جمل مقتضبة سريعة ،لا يهم أن تحوي موسيقى منفردة مثل عبارات محفوظ ولكن تستطيع .

لذا عندما أجلس لأكتب أتذكر موقفًا حدث منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، ذلك الموقف قد يعبر ربما على بعض من يقرأه عبور الكرام ولكن بالنسبة لي كان مؤثرًا للغاية في موضوع اللغة العربية، و ربما اللغة عامة ، في يوم ما أثناء جلوسي في محل للحيوانات الأليفة  يملكه صديق لي ،دلف شاب صغير نسبيًا ، ربما في الرابعة عشر من عمره ،مصطحبًا كلبًا من فصيلة ملكية نادرة، على الرغم من وضوح رقة حال الشاب الصغير صاحب الكلب، إلا أنه كان يشتري نوعًا من الطعام لكلبه غال السعر ،و عندما سألته عن ثمن الكلب أجاب: 750جنيها ،و هو ثمن غال في ذلك الوقت  ولكن الكلب عن حق فصيلة ملكية، فمازحت صديقي بأن هذا السعر إذا أراد أحد شراءه شخصيًا بهذا الثمن سيكون سعرًا مبالغًا فيه، ضحكنا و ضحك الشاب صاحب الكلب، حاولت إشراكه في مزاحنا دون فجاجة وسألته :

-بكم تشتري صديقي هذا إذا ما عرض للبيع !؟

نظر إليّ الشاب صاحب الكلب بنظرة ودودة و نقل بصره إلى صديقي صاحب المحل:

( هشتريه بعمل الخير )

جملة لا يستطيع تركيب مفرداتها سوى أبناء البلد، سوى شخص متصالح، جميل إلى أقصى درجة على الرغم من رقة حاله الواضحة !

لذا عندما أجلس لأكتب دائمًا، أتذكر صاحب الكلب ، أتذكر لغته البسيطة المقتضبة، المتفردة، اللغة العربية على عكس جميع لغات العالم، بقراءتها المحدودة و لهجاتها المتعددة، تتطوع، ولكنها تتطوع لمن يحبها، لمن تشعر به الكلمات لا يلفظها فقط، للرسالة المرجوة من نطقها و كتابتها ،تستطيع الألفاظ والتراكيب أن تجلب  النشوة و السعادة معًا لمن يقرأها !

لذا حاول دائمًا أن تكون كصاحب الكلب، تحمل رسالة، تحمل لغة خاصة، اللغة العربية تستطيع تقديم هذا لك بكل أريحية ،لا فرق بين فصحى و عامية و صحفية، ستعطيك هذا فقط لو حاولت .

 ـــــــــــــــــــ

15239326_1454707667891243_1213769477_nوسام صلاح جنيدي

مواليد 1981 حاصل على بكالوريوس تجارة و إدارة أعمال

كاتب  صحفي و روائي مصري شاب

نشرت له مجموعته القصصية الأولى عام 2014 بعنوان “منزل مليء بالقطط

أما روايته الأولى “نانسي و أصدقاؤها” فقد نُشِرت يناير من هذا العام, وهي رواية تنتمي لفئة أدب الجرائم النفسية.

و له العديد من المقالات بالمدونات والمواقع الالكترونية

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً