الرئيسية / احدث التدوينات / أحمد ماهر ” الشاعر العربيد “

أحمد ماهر ” الشاعر العربيد “

%d8%b9%d9%86%d9%81%d9%88%d8%a7%d9%86

      إسمحوا لي أيها الجالسون في أقصى التضاعيف، السابحون في بحر اللغات، العابثون بآهات البلاد أن أرتدي ثوب الفحولة الأدبية لأسكب كأسا من كؤوس الكلام و خمر المعاني على رصيف الحروف المتناثرة تحت إسم “عنفوان”. ما سأقدمه ليس بحثاً و لا نقداً و لا دراسة، بل هي محاولة لقراءة جمالية في ديوان “عنفوان” لصاحبه الشاعر/ أحمد ماهر.

      أما قبل ..

      إن هذه الخطوة الجريئة؛ لإصدار هذا الديوان، في ظل الحصار الثقافي من قبل السلطات المُفلسة ثقافياً، حتمت علينا إلزاماً وليس فضلاً أن نحتفي بها.

      أما بعد ..

      إن القصائد المقدمة بالديوان قد إمتازت بمستوى مرجعي لغوي وثقافي جيد، وعلى مستوى البناء الشعري في نموذجه التقني إمتازت بالخصوصية، هذه المقومات وخلافها جعلت التجربة بحاجة لإنتباه و تنبيه، فالخصوصية الشعرية التي تمتعت بها كشفت عن طبيعة و رؤية و مزاجية ثورية عالية، من شأنها أن تحرض القارئ على التأمل و الغوص في زلازل الواقع و رجفة الحاضر. كان من الصعب رصد الثغرات في باطن النصوص، و هذا لتعدد الأدوات المستخدمة و التحولات البنائية و الدلالية فيها. عنوان الديوان هو المدخل الأول إلى كهف القصائد، فهو يوحي بحالة شغف مكثفة تشكلت داخله روح الشاعر الثائرة المتمردة على سلطنة الأمس التقريرية و مملكة اليوم الوحشية، بعد جهد للعبور في شواطئ القصائد وحتى أفتح الديوان على ضفتيه أعلنت إستقالتي من متاهة النقد وأعتنقت الجمال فقدمت بذلك هذه القراءة.

      على وجه يثير الفضول إبتدأ الشاعر قصائده “بإثبات ذات” كسيرة تعريفية، فتكرم بتعرية المواقف و كانت سانحة مزدوجة بين الإنفعال والعنفوان.

لم تعد قضيتي رغيف

ولم يعد التشرد

يرسم في مخيلتي رصيف

و لا الجهل مدى جهلي

كيف على خط الإستواء

تأتي الأمطار فجأة

في الخريف؟

قضيتي إثبات ذات

ومأواي للم الشتات

      إحتفظ الشاعر ببعض السواد، لينظر بعين الوطن نحو حال هو أقرب إلى اللا حال، و لكنه لم يشترط باللاءات، فقاوم الهزيمة و حاول إصطياد الإنتصار، هكذا يبدو حاله في “إنشودة السلام”

و من بين الجموع

يبكين حبيباتنا

و عيوننا تخبرهن

بأن الموت

في شأن الإله و الوطن

حياة

فأنجبن لنا

من يأتي بعدنا

يكتب بدمائنا عهدا

على دربكم ثائرون

على دربكم سائرون

      في حالة أقرب لليأس وضع الشاعر تساؤلاً حاول أن يسابق به جنون الواقع، و شرع في إتهام الكل بجريمة إرتكبها الكل على الكل.

جميل هذا النضال

دماء تضخ من الرأس

للرأس

دونما قتال

كلام مسموم بالعسل

ما أروع بطولة الرجال

حين تكون حصرا على الخدور

وطوعا لرغبة أولياء الأمور

جميل هذا المشهد

فلماذا ترانا نثور؟!

      إعترف الشاعر هنا بأن الشعر حرب تخاض، و قدر حتمي محفوف بالعقبات، ومصيدة تنتصب للآتين على قدم و ساق.

قالوا بأني

عشت ألف قصة عشق

أو يزيد

فحكموا علي بأني

مراوغ وزير نساء عربيد

في كل ليلة عندي حبيبة

وقالوا بأني

أرسم قوس قزح

على سماوات الخطيئة

أقرأ أوراق التاروت والكف

أعلق التمائم

على جيد العشيقة

فأسموني كبير السحرة

في بلاط فرعون الزمان الجديد

حديثي ملحمةو نظرية تحتاج لمقياس

      رسم عنفواني، إرتقاء في التعبير، حوار وطني إنتمائي حقيقي، ذوبان في ذات الحبيبة و خطبة لكل عاشق.

تكثفي بعيني رؤى

وأزيلي غشاوة السراب

أنت نبض للحياة

وأنا قلب للشباب

      جلس في هذه القصيدة بحزن و شرود، ممتلئا بالآهة، مستجيبا لرغبة الغثيان على الحياة، إستقل قطار الموت و عبر به إلى بوابة الحياة. هي لوحة بلون العتمة و إستجابة لنداء الوجع البكر.

و يا شعر

سأسئم منك

إن لم تأتي لي برصاصة

تحملني إلى جوار أمي

في قبر فسيح

أنا سئمت دنياكم

فأقتلوني

كي أستريح

      ثمة لغة موغلة في العذوبة والرقي، نلاحظها عند محاورته للحبيبة، فهو يؤازرها تبتل و تفاني و إنشراح و طمأنة و تحليق في عاصفة الوفاء.

غاليتي

حبيبتي

أنا شبقا أغنيك

في الليالي البائسة

نهارا أناديك

يا فرحة العيون اليائسة

فالمحب و إن تحطم قلبه

جسور

العاشق و إن سحلته المطارق

يثور

      أسس للنهاية بإيماءة ذكية، فختطفنا من وعورة الكلام إلى أصالة المعنى، في سانحة فلسفية، نقلتنا من التمادي في الإحتضار إلى الإنشراح و الإندفاق بوعي و إستقامة في حضرة الوطن الحلال.

شذرات من قصيد

ونقطة بيضاء

بين الوجود و العدم

صيرورة بداخل الوجدان

سميتها وطن

      إن ديوان “عنفوان” هو سحر و تأمل و إبداع بلا جدال، عمل عظيم، و إبداع عظيم، و رحلة إلى عالم الإشتعال.

عن راشد محمد عبد الوهاب

mm
صحفي وكاتب من السودان

تعليق واحد

  1. Herr Schlaumeier, wer soll die Ukraine regieren?

أضف تعليقاً