الرئيسية / احدث التدوينات / إستعادة المدينة (قراءة في شعرية أنس مصطفى)

إستعادة المدينة (قراءة في شعرية أنس مصطفى)

 

anas-mustafa-kikah-mag-3

       ثم يعود السؤال القديم / المتجدد ليستحوذ عليّ مجددًا كما في كل مرة، حين أجد نفسي مأخوذًا بكلمات شاعرٍ ما، “ما الذي يسحرنا تحديدًا في الشعر؟”. ينبعث السؤال  هذه المرة وأنا أنقب في العوالم الشعرية لأنس مصطفى، لأتذكر ما كتبه غاستون باشلار في محاولته لإستكناه ما تمثله الصورة الشعرية بأن “الشاعر لا يمنحني ماضي صورته، ولكن هذه الصورة تتجذر في داخلي[i]. وهذا بالضبط ما فعله أنس مصطفى، ويفعله. منذ أول نص قرأته له (قيلولات من البن والتراتيل)[ii] إلى الديوانين (نثار حول أبيض، وصباحات قروية) مثار هذا القراءة.

      ففي كل النصوص هناك تلك الثيمة، حيث يستعيد الشاعر تلك العلاقة الملتبسة مع المدينة، والتي ليست مجرد علاقة مكانية تكونت في لحظة معينة فقط، بل هي حياة كاملة تتضمن مصائر وأقدار شخوصها، علاقة تخلقت في ذكريات وصور ماضية وتتخلق بعيدًا في الغياب عن المدينة وما ينطوي عليه من حنين، ومن ثم العودة إليها بعد زمن. ولأن كل عودةٍ تشمل تغيرًا، فنحن نعود لنكتشف ليس كيف تغير المكان، بل كم تغيرنا نحن. حيث أن المكان يعبر عن علاقة شائكة ممتدة ومتجذرة فينا، هو مرآة لما كنّا عليه بالأمس وما صرنا إليه اليوم. ولأن كل حديث عن المكان بالضرورة يتضمن الزمن، الزمن الداخلي الشعوري. لذا كان هذا التدفق الشعري، السعي الحثيث في محاولة استكشاف  هذا الفضاء الزمكاني .

      وقد تمت كل هذه التنقيبات عبر هذيان لغوي بديع، موسيقى تفيض من سياقات وتراكيب للجمل بصورة مهولة، على شكل مناجاة، نداءات وبوح حميمي، لغة موسيقة، تنفتح أمامك كفضاء شاسع، وتناديك للتحليق معها وفيها. وها هنا أجد نفسي منحازًا لما ذهب إليه رولان بارت بأن “اللغة هي معطي اجتماعي، كل ما يستطيعه الكاتب هو أن يخلق لها سياقات جديدة خارجة عن الإستعمال المألوف[iii]. فهنا كلمات مثل (نهر، ليل، مغارب) تكتسب دلالات مبهرة ومتجددة، ولنأخذ نموذجًا قصيدة مغارب :

“أكُلَّما نَدَهتكِ المغارِبُ قُلتِ نَعَمْ..؟

أكٌلَّما أوصدتُ ناحيةً من اللَّيلِ

تَفتَحينَهَا..؟

لا تغُضيِّنَ النَّصلَ عنْ الجُرحِ أبَدًا..

ولا تُحسنينَ الطَّريقَ إلى النهر.”

      فالمغارب هنا ليست سوى مؤشر الليل الذي هو نبع الحنين المتدفق، هي المكان الذي شهد المشي والتسكع، الشوارع التي احتضنت خطوات الحبيبة لمرة وحيدة وأخيرة، اللون المسائي وأنوار البيوت. ثم يأتي الليل الذي هو الإشتياق واللهفة، ويأتي النهر كتمظهر الطفولة/الحياة، أما هذا الأسلوب العتابي الحميم، هذه المناجاة فهي موجهة نحو الذاكرة. وأنا بالطبع لا أدعي أن تأويلي هذا نهائي وناجز ولكنه صادر من قارئ مفتون بهذه العوالم .

      أما فيما يخص اللغة أيضًا، فهناك تلك المجازات الخفيفة الرائعة، المنسابة كضربات فرشاة على لوح رسم، فأنس في أغلب اللحظات يمنحك مساحة للخيال، فلا يسمي الأشياء بأسمائها، بل بصفات تخصها وتضفي عليها مزيدًا من التألق، فنجد مثلًا هذا المقطع من القصيدة التي تحمل نزلاء :

“لولا

الجناح

يحن لزرقة بعيدة..

لولا البعيدة…”

      فهنا يدرك الشاعر لغربته في المدينة البعيدة، تريد روحه أن تنطلق نحو الزرقة = السماء كناية بالتحليق والحرية التي يبتغيها من ورائه ، كرغبة طائر في الإنعتاق من سجنه ومعاودة التحليق مجددًا .

      وأيضًا في نص (الممرات التي تعبرين منها) والذي يستعيد فيه ذكرى الحبيبة فيقول في عدم قدرته على نسيانها أو استبدال صورتها بأخرى:

“بعد كل هذا الوقت

لم أتعلم نسيانك..

لم أتعلم الحقول أبدًا”

      لم أتعلم الحقول، لم أقدر على نسيانك، استبدالك بأخرى، فأنت ما زلت تكبرين، ولم يحن؛ لن يحن وقت قطافك.

      ومن الملاحظ أن أغلب الأشعار التي تتناول علاقة الإنسان المكانية تأتي على شكل تساؤلات، نداءات ومناجاة وذلك لأنها في الحقيقة ليست سوى محاولة مستمرة وبحث دءوب في سبيل الإجابة عن سؤال تشكل الذات وارتباطاتها المكانية ومحاولة الإجابة على هذا السؤال.

      وقد انتبهت لهذا الأمر بصورة واضحة في قصيدة بورخيس التي تحمل عنوان مدينته ” بيونس آيرس” والتي مستهلها :

” ما عساها تكون بيونس أيرس؟”

      هي ليست واحدة من حيل بورخيس هذه المرة، بل سؤال في انتظار إجابة، وفي أبيات القصيدة التالية كلها يذكر بورخيس أماكن، أحداث، وشخوص هي التي شكلت المدينة، إلى نهاية القصيدة والمقطع الذي يقول فيه :

      “بيونس أيرس هي الشارع الآخر الذي لم أطأه، المركز السري للشوارع، الأفنية الأخيرة، ما تخبئه الواجهات، عدوي، لو أن لي عدوًا، من لا تعجبه أبياتي (هي أيضًا لا تعجبني)، مكتبة متواضعة ارتدناها وربما نسيناها…الخ”

      ولا ننسى أيضًا والت ويتمان، محمد عبد الحي، بالإضافة أن الأمر ليس مقصورًا على الشعر فقط بل متمثلًا حتى في السرديات الأخرى وكمثالين هناك قصة معاوية محمد نور الموسومة ب “المكان” وكتاب فالتر بنجامين عن سيرته الذاتية “طفولة برلينية”.

      وأنس يستخدم أيضًا نداء الداخل/الذات والذي هو أيضًا نداء المدينة في مخاطبتها  الشاعر البعيد:

” ها أنت تحزن

ويأتيك حنين

كم مرة تستدين بلادًا

وناس..؟

لست هنا..”

      ومن المدهش جدًا كيفية تغير المفردة الشعرية بين مكانين؛ من لغة حنين، اشتياق ولوعة نحو المدينة ذات التفاصيل الحميمية الأليفة (مدينة الشاعر)، إلى لغة حزن وجفاء نحو المدينة الأخرى المعادية (الخرطوم) وفيما يلي بعض المقتطفات من النصين :

* التفيش الأخير

      ” من هنا الترقب الأبدي لمطالع سرها، من هنا في وسع البصر المدود بالبصيرة أن يرى تخومها المنتظرة طوال أزمنة وقدر، طوال عمر مهدرٍ و دروب..”

      “…تلوح بدايات المدينة في الأفق الممتد، الأفق الطيب الرحيم، هناك شرقًا ستلوح غافرة ورحيمة، كما كانت دائمًا وكما ستكون أبدًا ، تغفر النسيان، الجروح و الهدر .”

     ” في زمانٍ ما سآتي إليها، عاريًا من الناس، مسروقًا بالحزن والأسف، ستأتي المدينة صافية وطيبة، تأتي حلوة وبشوشة، في الخامسة، كما كانت دائمًا، أوقات إيابنا المعتادة، بعد قليل، بعد قليل نعطف شرقًا، لحظة الحلم، لحظة القلب في تمام نوره، حينها تومض الروح، تنمو البيوت رويدًا رويدًا على جانبي الطريق، مغمورة بالشجر والناس، بالأغنيات القديمة، بالصباحات والحكايا…”

       “…هنا لكل لحظة مذاقها المفرد، حضورها المكتمل، لها مطلق ضحكتها وعمرها الأخاذ”

       “للمدينة رائحة ليمونٍ وبخور، ولها بيوت طيبة..

       كلما أخرتني دروبٌ عادني الحنين إليها، للمدينة ما لا يمحي أبدًا، لها روحها البيضاء لها ماه باقٍ كومضٍ في نواحي العمر الداكنة”

      فهنا الإشتياق النازف، الحنين المتقد، الرغبة في احتضان المدينة، غسل هذه “الغباشة” العالقة بالروح، هنا موعد غرامي مـتأجج مع المدينة، موعد مع الحياة.

والآن لنقرأ :

الخرطوم الأخيرة

 

” يغرق كل شيء  في ليل المدينة الأبدي،

تغرق الطرقات في صمتها،

البيوت في النحول..

في المدينة اليائسة،

ترى كم من الوقت مر..؟

كم من الإنتظار..؟

كم
يأسًا

وضغينة..؟”

 

” في الشوارع الداكنة،

تنطمر الحياة،

وينطفئ كل شيء..

تغرق الخرطوم في ظلامها الأخير..

 

“ها أجوب الطرقات وحيدًا

غريبًا في طرقات غريبة..

أبحث عن جهاتٍ مفقودة..

عن نواحٍ بيضاء،

لم يطالها الحطام بعد.

في بلا ضيعت فوانيسها،

وأهالت التراب..”.

      هنا الغربة والفصام عن المدينة وتفاصيلها، الأشياء الباهتة، الباردة “كنظرة في عين سمكة ميتة[iv]، الحنين النازف نحو مكانٍ آخر، الليل الذي يبتلع كل شيء دون هوادة، هنا الغربة

 

الهوامش:

 [i] من مقدمة كتاب جماليات المكان لغاستون باشلار.

 [ii] هذا النص تم نشره في مجلة البعيد الإلكترونية علي الرابط:

http://www.albaeed.com/%D9%82%D9%8A%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%8C-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%86%D9%91%D9%90-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8E%D8%B1%D9%8E%D8%A7%D8%AA%D9%90%D9%8A%D9%84%D9%92-2/

 [iii] رولان بارت، الدرجة صفر للكتابة.

 [iv] تشبيه استخدمه الشاعر الهندي بيجان في قصيدة (Ashes in Urn) وقد ترجمته بتصرف لأني رأيت أنه تعبير ممتاز عن الوحشة والذهول. والمقطع الأصل هو:

 “Like the cold eyes of a dead fish

Your ashes in urn

Stare at me”

عن مجاهد الدومة

mm
قاص وشاعر من السودان

أضف تعليقاً