الرئيسية / احدث التدوينات / الحيوان المختبئ بالإنسان

الحيوان المختبئ بالإنسان

677045

“الحيوان المختبئ بالإنسان”… جبران خليل جبران

      تقوم الأديان عامة بتهذيب الخصال البشرية، وتختلف في مدى قدرتها على ذلك، كما النجوم في السماء تُضيء عتمة السماء، لكن البدر وحدهُ قادر على إضاءة طريق حقيقي لسلوكه، والإسلام وحده بين الأديان يستطيع أن يفعل كما يفعل البدر وأكثر.

      إن الإنسان بقدرته أن يكون أهذب مخلوق ذات ليلة، وأشقاهم في الليلة التي تليها .. إنها الحرية التي حبانا – أو ابتلانا بها – الله، حرية الإرادة، الحرية التي لم تُمنح للجماد ولا للحيوان، وحملها الإنسان، لكن الحرية بالمقام الأول فعلٌ يتصبب منه الجبين وينثني له الظهر مشقة!.

      حياة الإنسان السوية صراعٌ مرير، وبين الإنسان النبيل وحيوان داروين يستطيع المرء الاختيار وفعل الكثير .. إن الإنسان الحُر يستطيع أن يكون ما يشاء منهما .. والأخلاق ليست بالضرورة تعود بالنفع والربحية دائمًا، فأحيانًا تكون بمثابة القيود تحد من حركة الإنسان ، لكنها أنبل طريقة للعيش.

      قد يبدأ الإنسان عملاً بغاية نبيلة وهدف سامي، ثم يهتاج بداخله الحيوان لينمو، ويحاول النيل من أعظم ما يفعل .. فقد نبَر في الفعائل كالماء الصافي المُنزل من السماء، وما إن نقطع الوديان ونشُّقها حتى يتعكر شيءٌ من تلك النوايا بخبثٍ غير متوقع، وبفظائع تسيء لما فعلناه من حُسن!.

      إننا من يجب أن يلبس رداء القاضي ويأخذ بمطرقته، ومن يجب أن يسن علينا تشريعاته، والعقاب والحساب .. ذلك لمّا يأخذ الأمر العظيم مجرى التبدُّل، واليقين القاطع محل الشك، والإيمان مُعترى الخبث.

      إن الأمر العظيم يحتاج لجهدٍ كعظمته، والمزرعة الجيدة تحتاج إلى عمل وجهد في سبيل جودتها، ودرء كل ما يُمكن أن ينال منها.

      لعلك أخي القارئ قد صادفت قصة الإخوة أصحاب الجنة في سورة القلم، إنهم إخوة ورثوا عن أبيهم جنة حسنة وطباعاٌ أحسن .. لقد عهدوا منه أن يُعطوا الفقراء نصيبًا موزونًا. وفي سنة ازداد رزقهم، وقتَمَت نفوسهم، حتى قالوا أن لا يدخلنها من بعد علينا مسكين، ولا نطعم من رزقنا فقير .. وتتوالى القصة حتى ساق إليهم ربك العذاب بنكرانهم وعتوهم وشح أنفسهم من الخير.

      إن نوايانا في إقامة عملٌ خيّر ليست كافية، فهي تظل حبيسة ساعة من ساعات الحياة، ودقة من دقات القلب، ومزاجٌ من عديد أمزجتنا المتقلبة .. النية هي الشرارة، وهي البذرة، وهي قطرة الماء النقية لري عطش الأرض .. لكن البذرة وحدها لا تكفي، البذرة تحتاج إلى الرعاية والسعي.

      ستنبت أكاليل الورد إذا قمت بالسعي، وستعشوشب التلال الرابية إذا فعلت، وستنبت أشجار الجوافة والعنب إن فعلت، لكن فكرة مقيتة قد تخالج المزارع النبيل، فيظن في طويته أن المساكين لوثوا طبيعته الغنّاء وأفسدوا عليه جمال ما حباه الله إياه. ثم يُقرر أن يُقلق بابه دون كرمه المعتاد، ويكبح أسوار مزرعته دون عطاياه، فيُصبح لئيماً .. قد أفسد عيشه ونواياه ونذوره التي بذلها من قبل، فيتعكّر له الوادي الذي تشرب منه أشجاره، أو يُصيبها بأساً من السماء فيذهب رزقه هباء. وربما يصبح هو الآخر مسكيناً . ويجرُّ أقدامه مُثقلًا في العراء.

      لا توقعن بك مقاليع الفتن، ويضحك عليك الشيطان من كل جانب، ذلك عندما تتلوث سُحبُ أفكارك، فتتبدل نيةً بنية لا تجابه أختها بالعظمة، بل إنها تضادها فيها .. وتجتاحها وتقتلها .. مثلُ ذلك أعني أننا وحين نُقدم أسمى ما يستطيع المرء تقديمه، وهو العطف والحب الخالصين، ويمزجهما معاً بصنيع ومعروف .. ثُم يخالج نفسه السوء، ويرى أنه أجدر بأن ينال خلف محبته ومشاعره تلكم أمراً دنيويًا زائلًا، أو لذة عابرة، أو أقل من ذلك كلمة شكر أو قطعتي نقود؛ حينها نكونُ مهددين بطمس ما فعلناه من عظائم، ببدلٍ لا يجوز أن يكون بدلًا .. ووقتها يكون الحيوان سعى في الأرض فسادًا، بلباسِ الإنسان.

” تذكر بأن لا يكون فعلك للخير حبيس مرحلة معينة “.

عن مؤيد محجوب عثمان

mm
كاتب من السودان

أضف تعليقاً