الرئيسية / احدث التدوينات / الحَقيبة من التُراث 2

الحَقيبة من التُراث 2

_56886_meo

      قيل قديماً: (علينا أن نفترض أن البيئات هي التي تحدد طبيعة الاعمال والاساليب الفنية، وهي التي تحدد الذي سيعيش منها والذي سينقرض، كما تحدد أيضاً كيف ستتكيف الطرز الباقية على قيد الحياة). ومن هنا يمكن أن ننظر إلى التنوع والتعدد واختلاف البيئات، لنرى ماذا افرز، ولنأخذ اغنية الحقيبة مثلاً، ثم نسترجع القليل من الغناء الشعبي مع اساليب الاداء والايقاع. وقد توقفت في المقال السابق عند ايقاع الحربي، الذي تتعد انواعه، وعادة ما اربطه بالخيل والحضارات القديمة، ومن المعلوم أنه يحوي مضمون القصيدة الحماسية، وهو الايقاع الذي يعرفه كل اهل السودان بالسيرة، وإن كان شعراء التصوف يطلقون عليه الحربي، ويعتبر عندهم واحد من بحور الشعر الشعبي. ففيه نجد مرثية ود حبوبة، وغيرها من الحماسيات، فهو متعدد كما ذكرت، وإن كان شاعر المديح يصنف القصيدة التي تصور المعارك وتحكي بطولة الصحابة ضمن الحربي ولا خلاف. كما يعتبر هذا الايقاع من مكونات الاغنية السودانية الاولي (الحقيبة).

   اغاني الكرامة والإيقاع!:

       تعتبر الاغنية ذات البعد الديني التي كانت تسمي بأغنية الكرامة هي الاقدم إلى جانب أغاني العمل، ومثال لها:

شَدّينَا الحَلَه

وشَحَدنا الله

يوم القيامة

الرسول يِتولي

شَدّينَا وشَدّينَا

راجين خَيِراً

عِند مَولاه

      نجد أن طقوس الاداء لهذا النوع من اغاني البنات لا يختلف كثيراً عن الطقوس التي تصاحب اداء قصيدة المديح النبوي اليوم. غير أن اغاني الكرامة تعتبر خاصة بالفتيات دون سن البلوغ. وبالرجوع إلى تاريخ المدائح الشعبي، وجدت أن اول قصيدة استطاع الباحث السوداني الحصول عليها هي قصيدة “السلامة يا الله السلامة” للشاعر حاج النقر. وهي من القصائد التي لا يصاحبها الايقاع الخارجي ويتم بها افتتاح ليلة المديح في الغالب. واغنية الكرامة ايضاً لا يصاحبها ايقاع، بل تعتمد على الاداء الجماعي، والصفقة، مع تكرار المطلع، والجلوس على شكل حلقة حول النار التي بها (حلة الكرامة)، والصورة نفسها قد نجدها داخل المسيد حول التقابة. والجدير بالذكر أن  المؤرخين وجدو كلمة تقابة في لغة الحضارات القديمة تعني نار الذكر، واللفظ تقابة بالطبع هو غير عربي، ومن هنا ارجح أن الاغنية الدينية هي الاقدم، وأن قصيدة المديح الشعبية هي امتداد لاغنية الكرامة، واربط ذلك بظهور المديح الشعبي في السودان اول مرة في ارض الحضارات على النيل. عليه نجد أن كل انواع الغناء القبلي والايقاعات الشعبية والاساليب موجودة داخل المسيد الصوفي، ويتجلي اثرها في الرميات داخل اغنية الحقيبة، ثم الكسرة والاداء المشترك.

   المخبوت!:

      هو ايقاع شعبي مستلهم من الحصاد. أو محاكاة للثلاثة ضربات التي تضرب على القندول لحظة الحصاد، ويصاحبها نغم صوتي. وقد ذكر المنشد والمادح المختص والباحث الدارس عبدالله الحبر – في توثيق له بالتلفزيون القومي – أن المخبوت لا يوجد إلا في السودان فقط، وقد وجدته هو نفسه مع اختلاف الاسم فقط في اغاني الجعليين، حيث يستخدمونه في مطلع بعض اغاني الحماس، مع الاختلاف بعض الشيء، وإن كانت ضربات الشتم هي نفسها، والشاهد أنه يعتبر احد بحور الشعر الشعبي في المديح، والحانه تشبه الحان الكرامة لحد بعيد، كما يوجد فيه اسلوب الرميات ايضاً، ولكنه عند اهل المسيد الصوفي متعدد، ففيه المقطوع والكامل.

      اما عن الهوهاي فيقول الراوي والباحث الطيب محمد الطيب رحمه الله: (هو شكل من اشكال اغاني (النشيل) ومنه:

انا اخو المِن خِلِق ما طَحّنو

انا اخو المِن خِلِق ما عَوّسَو

هي هي انووو

انا الدَلو مو تَقِيل للبِقدَرو

ومِن ادَاني عَشرَة ولاد ود ابو

مِن خَلاهَا بالسيف والعَصو

اهلك المانيا والالمان بِحَاربو

      مما سبق نلاحظ أن الهوهاي من الاغاني التي ليس لها نظام متفق عليه، ولا احد يعلم أو يحدد عدد الشطرات، فالمغني يغني إلى أن ينتهي من خدمته بنفس واحد. ومن الهوهاي ايضاً:

نِحنَا سَقينَا

شُوفو المَاسَقا

ما بِسقُوها نَاس

حارِس غَدا

      وقولهم ايضا:

يا قَراعي ورد اربَعه

يا رَدَادَاً للهَبَج ابْ سَحا

يا هَمَجي ام سَمَاح لا تَدَردِرا

جِسر الدقَرا ما جَراك بَلا

      وهو خالي من اي ايقاع خارجي، ويظهر فيه الارتجال، كما ويشبه بعض الاساليب اللحنية التي قدمها عمر البنا في توثيقه لفترة غناء ما قبل الحقيبة في امدرمان، ويتجلي اثره في الرميات ايضا.

      اما العطوي فيوجد في مناطق كثيرة في السودان، ولكن في اغلب المناطق لا احد يعرف له اسم، ويصنف ضمن اغاني البنات، ومنه:

تُومتي الرَقِيق حَشَاها

التَوب الحَرير كَسَاها

حَارقَانِي بي نَار

كَبدتِي شَاويَاها

      وأيضا:

قول للخَتمي والانصَاري

الجَنَة عند الدَارِي

طَريقَتِي فوق القلة

نوم ابصاري

      كل هذه الاجناس من الغنا الشعبي نجدها كأسلوب اداء وصياغة للقصيدة في المديح والحقيبة مع بعض الاضافات، والامر يحتاج إلى قوة ملاحظة لمتابعة الاصوات. وهي وغيرها يعتبرها الطيب محمد الطيب من الدوباي الشعبي إلى جانب الرميات والنم، كما هو معلوم في ما يسمي مجازاً بالدوبيت، وهذا نموذج من فن المسيد الصوفي، ومنه:

ابوي وين مِتلو فِي الابَوات

نِمر الفُروع الاربَد ابْ عَاجَات

جا المَبروك رد سَهمَك تَلاتَ مَرات

جَعَلولو الحَصَاد وخَتولَك القِيرَاط

      وهذا من الغناء الشعبي القديم لشاعرة اسمها الساس من جيهة كبوشية:

ابوي دَابي الكَوانِي

الكَار ابوي سَالِط

نَضيف افكار

ابوي اسد الخَلا القَهار

ابوي ما بَجابي جيب الدَار

ابوي مو اللي الحِيَط طَفَار

ابوي ما كَاوشو الزَرزَار

      وفي حديث تلفزيوني ايضا تحدث العبادي عن اثر اغنية كبوشية عليهم، وقال انهم اخذو منها الكثير، وذكر عدد من شعراء الفادنية، ومنطقة كبوشية، كما وقف عند الحسن ود سالم والداسوقي. ويقول احد شعراء تلك المناطق هنالك شكل قد نجده داخل الحقيبة وهو:

لَهَجِك لَذيِذ ماهُ عَادِم

شَبه الجَفَل بي رَيرَه عَائِم

العَجَب العَجيب تُومتي امْ رَشَايم

وكتين تَقود المَروي عَايم

أصلو العِشِق نَقاض عَزائِم

      ومن الاقرب للرميات في شكل الاداء والصياغة يقول الشاعر القديم نور الدين العرضي:

دي مِهيرة مُنجِد

الهَردَت قُلوب فُرسَانا

زي خِيط الحَرير

تَلمع تَزيد لي اسَانا

سَكرانَة دَلال

مِن النَسيِم نَعسَانا

نَايمة وصَاحية

بس فِيدونَا كيف صَحَيَانا

      وفي الملتزم نجد قول للداسوقي الذي ذكره العبادي:

 لاقَتْنِي امْ خُدُود

بالهِنْدي والعَراقِي

ودَرعَت نَار

في جِسمي كالعَراقي

اعْيَت للطَبيب

والمَاحي والعَراقي

سِيب الخَافي وانْظُر

خِلي في عَراقي

      كل هذا الاشكال والاساليب ظهرت في ما بعد في اغنية الحقيبة، ونجد أن غناء العصا قد سبقها وهو الاكثر حضوراً في الحقيبة والمديح، ومن رواده جماعة كبوشية، إلى جانب غناء الكف الذي في الغالب هو فخر عند المجموعات المشتركة بين مصر والسودان، ومنها الجعافرة والعبابدة والعقيلات، ويقابل عندنا الصفقة حيث يقول الشيخ اب شريعة:( يكون بالدفوف أو بالعصا والتصفيق)، والذي نعلمه أنها ايقاعات تجاري الصوت البشري، أو تضبطه بالضرب على الكف، أو العصا، أو الدف. ولكن في الحقيبة نجد اللحن هو الذي يتحكم في كل شيء، ونجد القصيدة قد صارت اكثر نظاماً، بالرغم من ان الافكار هي .. هي، موزعة على اجناس واصناف الغناء الشعبي، التي تعتبر من اجناس الدوباي وغناء الطنابرة والمديح الذي اخذ الكثير من اساليب الشاشاي. والشاشاي هذا ربما نجده في أغاني الفيضان، وحلقات الذكر، ولكن اصله يعود إلى اهل البوادي، وفيه من الاثر الكبير على، بعض اصناف الالحان في اغاني البنات والمديح. وقد استمعت إلى نموذج قديم من اغاني الفيضان يسمي بشاشاي البحؤ. ووجدت التلاقي في اسلوب النظم، ومثالاً لذلك:

الليلة البَحَر جَانَا

بي بَره يِلقَانا

وحِلتنَا دَركانا

      ويظل مجازي خارج البادية، لكن له نفس الاسم والتعريف داخل فن المسيد.

عن عبد الرحمن مساعد الكتيابي

mm
كاتب وناقد فني

اترك تعليقاً