الرئيسية / احدث التدوينات / الدواء .. ما المشكلة !

الدواء .. ما المشكلة !

d-2

لا صوت يعلو هذه الأيام فوق مشكلة الدواء والارتفاع الجنوني في الأسعار ،لا يختلف اثنان أن الأسعار وصلت لمستوى يصعب على الكثيرين الحصول عليها ، إلا أن الاختلاف يدور في المتسبب والسبب الرئيس  للمشكلة ، هل هي الحكومة ؟ هل هو تغير سعر صرف دولار الدواء من 6.9 إلى 15.8 ؟  هل هم (مافيا)  الدواء ؟ أصحاب الصيدليات ؟ أم كل ما ذكر ؟

ما دعاني لكتابة هذا المقال هو محاولة تمييع المشكلة ونقلها إلى خانة غير الخانة التي توجد بها وينبغي أن توجد بها لإبعاد المسؤولية عن الفاعل والمتسبب الرئيس  بها،الأمر الذي يؤدي إلى تفاقمها كما تفاقمت كثير من المشاكل غيرها  فوصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم من تردي  اقتصادي .. سياسي .. اجتماعي …الخ  ، فبدلًا من النظر إلى المشكلة في إطارها الحقيقي والبحث عن حل لها أصبحنا نسمع عن جشع المستوردين واحتكار شركات توزيع الأدوية و (مافيا ) الدواء  في معظم المنابر الإعلامية الرسمية منها وغير الرسمية ومحاوله الإيهام بوجود طرف خفي (مافيا) خلف المشكلة  تريد الحكومة من خلاله  أن تنقل المشكلة من خانة المواطن الحكومة إلى المواطن الصيادلة حتى تتنصل من مسؤوليتها الأخلاقية قبل الدستورية و الاقتصادية والسياسية ،  فالحكومة تتعامل مع الدواء كما تتعامل مع الحركات المسلحة (تسوييف وغش وخداع ) وخلق الصراعات في ما بينها ، وهذا أمر مؤسف أن يكون التعامل مع أهم القطاعات المتعلقة بصحة المواطن بهذا المستوى فالدواء ليس سياسة ولا يحتمل السياسة  ولا مكان للسياسة فيه .

وقد صدق وانجرف الكثيرون وراء هذا المحاولة  (نقل الصراع إلى خانة المواطن والصيادلة ) حتى أن أكثر الصحفيين مدافعة عن قضية الدواء كتب مقالاً يتحدث فه عن أن الرقابة تضرب بيد من حديد هذه ( المافيا ) وذكر بعض الأمثلة للأدوية التي تم إرجاع سعرها إلى السعر القديم وعدم التزام الصيدليات بها (سنخبرك عن قصة إرجاع سعرها ). لسنا ضد الرقابة لكن يجب أن تكون رقابة حقيقية ودائمة وليست رقابة من أجل الدعاية السياسية  وأن تقضي على الذئاب الكبيرة بدلاً من أن تكون الصيدليات كبش فداء ، و ليس تبريرًا مني ؛ حتى الآن صدرت ثلاث تسعيرات في أقل من شهر، فهل يعقل أن تجد كل أدوية الصيدلية مسعرة بصورة صحيحة !!! ، أوقفوا التخبط في الأسعار أولاً ثم راقبوا وأوقفوا واضربوا بيد من حديد هذه الذئاب ثانيًا. وأراهن على أن هذه الحملة الرقابية لن تستمر أكثر من أيام إن لم تكن قد انتهت بعدما أوفت بالغرض .

وقد خطط لهذه المسرحية بصوره سلسة ودقيقة حتى تتسرب إلى أذهان الناس اعتقادًا منهم أن هذا يحل المشكلة .

وحتى لا تخدع إليك مشاهد هذه المسرحية المؤلمة ..

المشهد الأول :

 توجيه الأنظار من الحكومة ( المتسبب في رفع سعر صرف الدولار )  إلى مجلس الصيدلة ،  فبعد التسعيرة التي أصدرها المجلس برئاسة العكد مباشرة بعد تغيير سعر الدولار تمت إقالته والتضحية به ليظهر انه هو المتسبب في زيادة الأسعار، مع أن مجلس العكد هو جهة تنفيذية نفذ ما قررته الجهات السياسية و البنك المركزي وصادق عليه البشير ومجلس وزرائه  والذي ينص عل تحويل سعر دولار الدواء من 6.9 إلى  15.8  .

المشهد الثاني:

 أتى رئيس جديد للمجلس حتى يكمل ما  تبقى من مسرحية وتم إلغاء تسعيره مجلس العكد و شكلت لجان منبثقة لمعالجة (المشكلة التي تسبب بها العكد !!!) والمتمثلة في  زيادة سعر الدواء والوصول إلى أسعار خرافية .
ماذا فعلت اللجنة ؟؟؟
1-  قامت اللجنة بإرجاع عشرات الأدوية محدودة الاستخدام ( كالأدوية التي ذكرت في بيان الإدارة العامة للرقابة واليقظة الدوائية ) إلى الأسعار التي سبقت تغيير سعر الصرف (ستعرف السبب في المشاهد القادمة ) مع العلم أن عدد الأدوية المسجلة في السودان ( 5000) صنف .
2- قامت بإنقاص معظم أسعار الأدوية ( التي تم إعادة تسعيرها )  بمقدار يتراوح ما بين قرش إلى جنيهات.

المشهد الثالث :
  جاء هنا دور الإعلام “الفاضل” من تضخيم لما قامت به اللجنة من تخفيض الأسعار بل والحديث مباشرة عن إلغاء التسعيرة السابقة من دون الخوض في تفاصيل أو مقارنة الأسعار (جهلاً أم عمداً لا أدري !!!) حتى يعرف المواطن ماذا حدث بالتفصيل .

المشهد الرابع :
وصول المسرحية إلى خانة المواطن والصيادلة .. ما طالعتنا  به صحف اليومين السابقين من عناوين رئيسية  وبيان المجلس أنه تم إغلاق بعض  الصيدليات والشركات لعدم التزامهم بالتسعيرة الجديدة إيهامًا للمواطن بأن المشكلة ليست في الدولار وإنما جشع الصيدليات ، ليتم نقل الصراع إلى خانة أصحاب الصيدليات والشركات !، السؤال هنا أين كانت هذه الرقابة واكتر من 50%  (230 مليون دولار ) من ميزانية الدواء لسنه كاملة  يتم اختلاسها ، فلو كانت هنالك رقابة حقيقة لما كانت هذه المشكلة على الأقل في هذا التوقيت .

المشهد الخامس:
 الأيام القادمة سيتحدث الخبراء “الإستراتيجيون” عن جشع الصيادلة وأصحاب الصيدليات وسيأتي خبراء المجلس للتأكيد على أنهم حريصون على المواطن وصحته وجيبه ، وسيجادل “جيش الدفاع الالكتروني” الذي تم تشكيله كما طالعتنا الصحف عن إرجاع أسعار الدواء وسيذكر عشرات الأدوية التي تم إرجاعها إلى السعر القديم للتأكيد على جشع الصيادلة وحرص الحكومة على المواطن ( هذا هو سبب إرجاعها إلى ما قبل زيادة الدولار) متناسيًا أن بالسودان 5000 صنف من الدواء ، وان المشكلة كانت في رقابة الصيدليات والآن الرقابة تضرب بيد من حديد كل من تسول له نفسه من الصيادلة التلاعب بأسعار الدواء ، لكن ماذا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها وماذا يضير الكوارتم (حبوب الملاريا) رقابته من عدمها بعدما وصل ل170 جنيه وماذا يضير الارتميزر (حقن الملاريا ) الرقابة من عدمها بعدما وصل إلى ما يقارب ال80 جنيها  (فلماذا لم يتم إرجاع هذه الأدوية إلى أسعارها !!!  هل لأنها من أكثر الأدوية استهلاكًا ؟؟؟ الجواب عند من يحدد التسعيرة !!!) .
وسيتم ترديد هذه الاسطوانة حتى يصدق الجميع أن المشكلة هي في الطرف الخفي (مافيا الدواء ) وجشع (الصيدليات ) ، وينسون أو يتناسون أن هنالك دولار تم رفع سعره إلى 15.8 من 6.9 .

المشهد السادس:
سيصدق معظم المواطنين هذه المسرحية وسيأتي المواطن للصيدلة ويجد نفسه غير قادر على شراء الدواء  ، ومتهمًا الصيادلة بالجشع و أنهم يتلاعبون بالدواء وأن الدولة قد قامت (بتخفيض السعر) ،وربما يحدث ما حدث مع الأطباء في حادثة أم درمان الشهيرة وما تلاها.

المشهد الأخير من المسرحية المؤلمة :
سيفيق الجميع على وقع الصدمة المؤلمة : لا دواء في السودان .. والموجود لا يستطيع شراءه إلا القلة  وعندئذ لا ينفع الندم .

فلتعرف الحكومة أنها قد تستطيع أن تخدع بعض الناس لبعض الوقت لكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت. و اعترف  لهذه الحكومة بالذكاء الخارق والخداع السياسي وان المسرحية محبوكة بصوره يصعب على الكثيرين تكذيبها ،  لكن الدواء لا يحتمل التسوييف والتسييس فالآن عمليه الاستيراد والبيع والشراء من قبل الشركات والصيدليات شبه متوقفة وعدد الأدوية المعدومة في الصيدليات يتزايد يومًا بعد يوم ، وحتى إن بدأت عملية الاستيراد اليوم فالدواء لا يوجد في مخازن المصانع خارج السودان منتظرًا ترحيله حتى يأتي غدًا ،  فعمليه التصنيع تبدأ بعد الطلب وهذا يستغرق شهورًا، فتجنبوا الكارثة قبل وقوعها إن لم تكن قد وقعت.

رسالة مشاهد للمسرحية :

أتحدث إليك ببسيط المنطق: الحكومة هي الحكومة ، الشركات هي الشركات ، (المافيا ) هي (المافيا ) ، المنتفعون هم المنتفعون ،  الصيدليات هي الصيدليات ، وأنت كما هو أنت ، إذًا ما الجديد ؟؟؟

الجديد هو تغيير سعر صرف دولار الدواء من 6.9 إلى 15.8 وإن أراد المسئولون غير ذلك ،  فإن لم تسمع مسئولاً قال بالحرف الواحد : ” قد تم إرجاع سعر صرف الدولار إلى 6.9″   فاعلم أن  المشكلة هي المشكلة ، وسعر الدواء هو سعر الدواء وإن نقص بعض الجنيهات،  فلا حل للمشكلة  سوى إرجاع الدولار إلى سعره ، وما عداه تسوييف وخداع .

عن يوسف بخيت

mm
كاتب سوداني ناشط في العمل الثقافي والاجتماعي مهتم بالعالم السرى وخفايا الماسونية .

اترك تعليقاً