الرئيسية / مختارات قصصية مترجمة / الرجل الذي هتف “تريزا”!

الرجل الذي هتف “تريزا”!

%d8%a3%d9%8a%d8%aa%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%88

• تأليف: ايتاليو كالفينو*
• ترجمة: عائشة الكعبي

نزلتُ عن الرصيف، تقهقرتُ بضع خطوات إلى الوراء وعنقي مشرئبة نحو الأعلى، ومن منتصف الشارع، قوّست كفاي حول فمي مثل بوق وصحت باتجاه الطوابق العليا للمجمع السكني:
– “تريزا..!”
ذعر ظلي من القمر فربض بين قدماي، مَرَق شخص ما. هتفت مجدّداً:
– “تريزا..!”.
تقدم الرجل مني وقال: “إن لم تصح بصوت أعلى فلن تتمكن من سماعك، دعنا نحاول معاً. حسناً، سأعد إلى ثلاثة وبعد الثلاثة نصرخ معاً”. ثم قال: ” واحد، اثنان، ثلاثة” فهتفنا معاً:
– “تيرييييزااا”.
رآنا جمع من الأصدقاء كانوا في طريق عودتهم إما من المسرح أو المقهى. بادرونا قائلين: ” هيا، نحن أيضاً سنضم أصواتنا إليكم” والتحقوا بنا حيث كنّا وقوفاً في وسط الطريق.. ثم قال الرجل الأول: “واحد، اثنان، ثلاثة” بعدها صاح الجميع:
– “تيــــرييييــــزاااا..!!”
شخص آخر كان عابراً فانضم إلينا، وفي غضون ربع ساعة تحلّقت حولي عصبة من الرجال، قرابة العشرين. ولا يزال أشخاص جدد يتقاطرون صوبنا. لم يكن تنظيم أنفسنا للوصول إلى الصيحة المثلى بالمهمة السهلة، كان هناك دوماً من يبدأ قبل الثلاثة أو من يمد صيحته أكثر من الآخرين، إلا أننا في النهاية تدبرنا أمرنا بشكل جيد نوعاً ما. اتفقنا على أن نهتف المقطع “تي” بنغمة منخفضة ممدودة، ومقطع “ري” بصرخة عالية مطولة، ولتكن “زا” بدرجة منخفضة قصيرة. بدت رائعة، باستثناء مشاكسات طفيفة كانت تنشب بين الحين والآخر إذا ما شذّ أحدنا عن اللحن.
كنّا في سبيلنا لإتقان النغمة، حين سأل أحدهم بصوت لو أردت مطابقة وجه عليه، لاخترت له وجهاً منمشاً لا محالة. “إنما هل أنت واثق من وجودها بالمنزل؟”
أجبت: “لا”
– “هذا سيء” قال آخر ” قد نسيت مفتاحك، أليس كذلك؟”
– “في الواقع” دمدمت “إن مفتاحي بحوزتي”.
– “إذن؟!” سأل بعضهم “لِم لَم تصعد؟!”
– “هاه..!! لكني لا أقطن هنا” أجبتهم. “أنا أقطن في الطرف الآخر من المدينة”.
– ” حسناً إذن، اغفر لي فضولي” سأل الرجل ذو الصوت المنمش بحذر “لكن من الذي يسكن هنا؟!”
قلت: “ومن أين لي أن أعلم..!!”
انزعج الجمع بعض الشيء.
– “إذن هلّا تكرّمت وشرحت لنا”. سأل شخص بصوت مسنن حاد: “لم أنت واقف هنا تنادي على تريزا؟!”
– “على حد علمي، بوسعنا المناداة على اسم ثانٍ أو المحاولة في مكان آخر. ليست معضلة..!!”
بدا عليهم الضيق.
– “أتمنى أنك لم تكن تسخر منا يا رجل؟!” سأل المنمش بارتياب.
– “ماذا؟!” صحت ممتعضاً واستدرت مواجهاً الآخرين لتأكيد حسن نيّتي.
لاذ الباقون بالصمت في إشارة إلى أن حيلة التملق لم تنطلِ عليهم. وتسيّد الموقف حرج اللحظة.
– “اسمعوا” قال شخص بمزاج مرح، “لم لا ننادي على تريزا للمرة الأخيرة ثم نعود أدراجنا؟!”
وكان ذلك ما فعلنا: “واحد، اثنان، ثلاثة، تريزا..!”.
إلا أنها لم تخرج على نحو حسن، وتفرّق الجمع عائدين إلى بيوتهم، أحدهم في اتجاه والبعض في الاتجاه الآخر. كنت قد انعطفت باتجاه الميدان حين ظننت أنني سمعت صوتاً ينادي:
– ” تيــ ـرييييــ ـزاااا..!!”
لا ريب أنّ شخصاً ما قد تخلف ليواصل الهتاف.. شخص عنيد..!!

*كاتب وناقد وصحفي وروائي ايطالي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

أضف تعليقاً