الرئيسية / احدث التدوينات / الفن وعدٌ بالحقيقة

الفن وعدٌ بالحقيقة

%d8%ba%d9%8a%d8%b1%d9%88%d9%86%d9%8a%d9%83%d8%a7

في ابريل 1937 كتبت جريدة التايمز ما يلي : “ دمّرت بعد ظهر أمس بلدة غيرنيكا القديمة عن بكرة أبيها بفعل غارات جويّة كاسحة . واستغرق قصف المدينة المكشوفة .. ثلاث ساعات وربع ساعة بالضبط ، كان حينها أسطول ضخم من الطائرات الألمانية من طراز ”يونكر“ والقاذفات المقاتلة من طراز ”هينكل“ يلقي على المدينة بصورة متواصلة قنابل من زنة ألف رطل… وكانت المقاتلات في هذه الأثناء تحلّق على ارتفاع منخفض من مركز المدينة لتطلق النار على المدنيين الذين إلتجأوا الى الحقول . وبعد ذلك تحوّلت غيرنيكا برمّتها إلى شعلة من النيران . “

وغيرنيكا – لمن لا يعرفها – هي أعرق مدن الباسك ورمز تراثها الثقافي ، وقد تم تدميرها في ٢٦ابريل ١٩٣٧ بالطائرات الألمانية بسبب مساندة هتلر للجنرال فرانكو حيث أُلقي ما يقارب خمسون طنا ًمن القنابل المحرقة .

” انّ الرسم أقوى منّي .انّه يحملني على أن أفعل ما يريد ” هكذا كان يقول بابلو بيكاسو الذي قرأ جريدة التايمز في ذلك اليوم ثم أبدع ” غيرنيكا ” أشهر لوحة في القرن العشرين .

وغيرنيكا اللوحة التي صارت أشهر من غيرنيكا المدينة رسمها بيكاسو عجالةً على لوحة ضخمة في الاستديو الخاص به في الدور العلوي على الضفة اليسرى في باريس . قيل أنها ليست لوحة تاريخية تقليدية ولا تسجيل واقعي لما حدث ولكن هي لوحة تكعيبية ليوم القيامة مثخنة بالرموز؛ ” فالتكعيبية لا تكشف عن الواقع في عرائه المفضوح كما يحدث بأشكاله وأحجامه وألوانه وهندساته الحمقاء. بل هي تفكّكه إلى مكعبات وتبعثر نظامه المزعوم وتكشف في طيّات هندسته المستقيمة عن التقعّرات والأضلاع المحدّبة والتشوّهات ، حيث يحدث للأعضاء أن تتوه عن أمكنتها أو أن تغيّر من شكلها :عيون في شكل دموع أو فم في شكل سكّين.. أو عين الرسّام في شكل مشعل “..

قدسية هذه اللوحة جاءت من كونها قالت الحقيقة في عصر الأكاذيب ، أزمنة الأنظمة الاستبدادية المسيطرة على كل شيء ، المخرسة لكل صوت يحاول أن يغرد بعيدًا عن جوقة الأخ الأكبر ، فآلة الدعايات الشمولية كانت تقوم بعملية غسيل مخ دورية لهذه الجماهير – جورج أورويل في رواية 1984 كتب عن هذا الاستهداف الموجه لفكرة الحقيقة نفسها – .

واليوم وبعد قرابة 80 عامًا ها نحن نستعيد كل تلك الأحداث حينما نشاهد هذه اللحظة الميتافزيقية الطويلة التي نعيش فيها منذ سنوات ، وتخبرنا حلب الآن فعلاً أن “هؤلاء الذين لا يتذكرون الماضي، مكتوب عليهم أن يعيدوه ” ؛ مما دعا اندرو ميتشل الوزير البريطاني السابق للقول : ” ما تفعله روسيا للأمم المتحدة هو بالضبط ما فعلته إيطاليا وألمانيا لعصبة الأمم ، وما يُفعل في حلب هو بالضبط ما فعلته النازية لغيرنيكا في الحرب الإسبانية الأهلية ” فهذا التواطؤ العالمي وتزييف الحقائق بهذه الأساليب الفاضحة يؤكد لنا مقولة الملتحي الألماني ماركس ” إنّ التاريخ يعيد نفسه مرتين, مرة على شكل مأساة, ومرة على شكل مهزلة. وما نراه الآن هو المهزلة ” .’

لكن لماذا لازالت غيرنيكا حاضرة حتى الآن ؟

نحن بحاجة الآن لأكثر من بيكاسو ليخلد في لوحة هذه المآسي ؛ ” لأن اللوحات لا ترسم من أجل تزيين المساكن .. إنها أداة للحرب على الوحشية والظلمات ” كما يقول هو بنفسه ، نحن بحاجة لناجي العلي وأمل دنقل وغسان كنفاني ليُملِك الأجيال القادمة ذاكرة لا تنسى ، لم نُعد بحاجة لأكثر من قلم رصاص ليكتُب عنَا – نحن الذين سيقتلنا الرصاص – عن المذابح التي لم يرها أحد للأطفال القادمين ؛ حتى لا تترك الحقيقة عزلاء بيد القاتل فيزيفها . هذه ليست يوتوبيا ، فاليوتوبيات لا تُعزي كما يظن ميشيل فوكو ، إنها ببساطة جدوى الفن ؛ فالفن وعدٌ بالحقيقة كما يقول جاك دريدا .

عن راشد يسلم

mm
سوداني .. مُصابٌ بالديانّات .. والشُرودْ . أكتُب .. لأن هذِه الصحراءُ شاسِعةٌ وأنا لا أجيدُ الغِناء .

تعليق واحد

  1. You’ve hit the bull’s eye with this content. I agree with your points and I love your approach in this writing. Your writing style is right up my alley. I enjoyed your article very much.

اترك تعليقاً