جسر الملل

72e438005748bd23878c3d9a204ce26a

      (وضعني في جيبه، أصبحت مُلكَه الآن. في جيبه تَعرفتُ على علكة بنكهة النعناع، كانت خائفة من عملية المضغ.

      قلت لها: عزيزتي سَتُمضَغين وتُمضَغين حتى تذوب أخر ذرة سكر فيك.

      صَرخَت بصوت الخائف: أسكتي )

      مَزقتُ الورقة بعد أن كَتبتُ فيها النص أعلاه، كُنتُ أريد أن أكتب قصة قصيرة على لسان علبة سجائر.

      لكني وجَدّتُ الأمر متعبًا؛ لأني عندما بدأت الكتابة تخيلتني علبة سجائر، كان الأمر مؤلمًا ومرهقًا.

      ليتني كاتب قصة، أكتب قصة وأنشرها على صفحتي على فيس بوك، ليتني أكتب.

      ***

      الساعة الآن الواحدة صباحًا، وقفت عند الجسر أنظر لعلبة السجائر التي بدلًا من أن تكون فيها صور جميلة لشعراء وشاعرات ونجوم سينما يدخنون السجائر فيها صور بشعة لضحايا السرطان.

      ماذا عن صور ضحايا الحروب العبثية؟.

      كنت أعلق على رقبتي كاميرا، أعمل مصورًا محترفًا، أصور حفلات زفاف لأناس لا أعرفهم، مقابل مبلغ مالي لا بأس به، فأنا محترف كما قلت لك ولدي سمعتي.

      لن أتحدث عن حفلات الزفاف، حتى الآن لا أفهم فيها شيئًا.

      حدثتك عن محاولتي للكتابة، حتى الآن الكتابة تبدو فعلًا صعبًا بالنسبة لي، وخصوصًا أنني أحب القراءة كثيرًا. عندما حاولت أن أكتب وجدت نفسي أرتكب الكثير من الأخطاء الإملائية، حتى عندما عالجت هذه المشكلة، لم أستطع ضبط إيقاع النص.

      عندما أكتب أشعر بأني أعزف على الجيتار؛ لأني لا أعرف العزف على الجيتار أبدًا.

      أمر مؤلم جدًا، أن ترغب في شيء ولا تستطيع الحصول عليه، خصوصًا لو كان هذا الشيء هو الموهبة.

     أتمنى أن أكتب رواية، أشعر بأني أستطيع فعل ذلك، لكن عليّ أن أجتاز شيء ما، أو أن أحرك حجرًا ما لينهار العائق الخفي الذي يعترضني .

      كنت أريد أن أصف لكم النجوم، عندما قلت لكم أنني واقف على الجسر، كانت النجوم تبدو مثل النجوم عندما تراها عندما يطفئ أكثر أهل المدينة مصابيحهم الكهربائية، حتى أنني أستطيع رؤية سحب من النجوم ورؤية شهب تطير من “كانون” الوجود، حسنًا لا زلت واقفًا على الجسر أنتظر حدوث شيء مثير حتى أكتبه أو أحكيه لكم.

      ما الذي يمكن أن يحدث في أحد جسور أمدرمان في الساعة الواحدة صباحًا ،الجسور هنا مملة!.

      وأنا أنظر لعتمة النهر العميقة والتي توحي لك بعدم اكتراثه بأحد ،كيف يهتم النهر بالمدينة التي يعبر من خلالها وهو لم يهتم أن يضيء نفسه ولو بمصابيح صغيرة .

      أحسد النهر على عمره الطويل ،وأن لا أحد يستطيع وضعه داخل زنزانة أو قتله برصاصة .

     عندما التفت رأيت فتاة شعرها طويل ،وبطنها منتفخة ،كانت قد خرجت من سيارة صغيرة أنيقة،وهي تبكي وكانت حافية وترتدي فقط بيجامة النوم .

      حاولت أن تتسلق الحاجز لكن بطنها الكبيرة المدورة منعتها من ذلك،كانت حاملًا وكانت جميلة .

      لاحظت أن يدي أمسكت بالكاميرا على الفور ،وبدأت أستعد لالتقاط لحظات انتحار هذه الفتاة .

     أنا مثلها انزعجت من الحاجز المعدني العالي ،وأردتها أن تقفز بسرعة ،ثم رأيتها تجلس وتستسلم وتبكي !

     مشيت نحوها لم تشعر بوجودي أبدًا ،لم أقاوم فكرة أن ألتقط لها بعض الصور .

     ثم عدت لمكاني أتأمل النهر المظلم ،بدا لي مخيفًا كأنه هوة عدم .

     بعد دقائق جاءت سيارة كبيرة فيها شخصان ،بهدوء أخذا الفتاة ،وأحدهم قاد سيارتها .

     بالطبع نظرا إلي بامتنان ظنا منهم أني أنقذت حياتها .

     لكني ما كنت سأكترث لو قفزت ،كنت سأحب فكرة أن أنقذها من الموت ،ولكني ما كنت سأكترث لو رأيتها تغرق !

     وكنت سأحب أن ألتقط لها بعض الصور،وأيضًا ما كنت سأكترث لو لم ألتقط لها صور وهي تغرق .

     عرفت الآن لماذا لا أستطيع أن أكتب ؛لأني لا أكترث .

     ***

     خطر لي أن أقتل الكثير من القطط وأن أضع هذه الرؤوس في الشارع وألتقط ردة فعل الناس ،ملامح وجوههم ونظراتهم الفزعة .

     لكني حصلت على ما هو أجمل من ذلك ،فعندما رميت رؤوس هذه القطط امتلأ الشارع بالنسور المحلقة .

     بالطبع لم أقتل قطًا واحدًا ولكني كتبت هذا المنظر المتخيل على هاتفي ،رغم ذلك شعرت كأني قتلت عشرات القطط ونثرت رؤوسها في الشارع وأتت النسور تأكلها ف

     والتقطت أنا الصور لها .

     ***

     قمت بتصوير حفلة زفاف ،كانت العروس هي نفسها تلك الفتاة التي حاولت الانتحار،لكن هذه المرة ببطن صغيرة كأنها لم تكن حاملًا من قبل .

     لحسن الحظ لم تعرفني العروس ،وعرفت أنا الرجلين وقمت بالتقاط الصور لهما .

     وبحثت كثيرًا عن طفل ،أشعر أنه ليس طفل أحد غيرها فلم أجد .

     كان حفل زفاف جميل ومبهج مثل أي حفل زفاف ،غنى المطرب بحماس ،رقص الناس بفرح ،أما أنا فكنت ألتقط الصور .

     قد تقولون لابد أن مشاعرك تغيرت وأنك تشعر بالحزن وبالفضول مثلًا ،لكن حقًا لا أشعر بشيء ولا أكترث بمصير الطفل .

     ربما أجهضته ،ربما هو الآن في دار رعاية الأطفال مجهولي الأبوين ،ربما أصبح طعامًا للكلاب والقطط .

     ربما كانت أصلًا متزوجة عندما كانت حاملًا وبعد أن وضعت حملها تزوجت مرة أخرى .

     على كل حال لم أكن أزعج نفسي بأفكاري الداخلية وأنا ألتقط صورًا لهذه العروس .

     ***

    الساعة الآن الواحدة والنصف صباحًا ،أدخن سيجارة وأنظر إلى عتمة النهر ،ومن غير قصد أسقطت علبة السجائر فذابت في هوة العدم!.

    النهر البارد لن يعطيني معطفًا لأرتديه ،وكما أنه لن يأخذ سيجارة ويرجع لي العلبة ،شعرت بالرغبة أن أقول للنهر وداعًا وخصوصًا أنني كنت أحدق فيه لنصف ساعة ،لكني لم أفعل .

    وبدأت أجتاز الجسر الذي لم يحدث فيه شيء كان مملًا وباردًا جدًا .

عن طلال الطيب

mm
قاص من السودان ، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان " قيامة الرمل " 2015 م .

أضف تعليقاً