الرئيسية / مختارات قصصية مترجمة / متحف المساعي العبثية

متحف المساعي العبثية

%d9%83%d8%b1%d8%b3%d8%aa%d9%8a%d9%86%d8%a7

• تأليف: كريستينا بيرا روسي*
• ترجمة: ايزابيل كمال

       كنت كل مساء أزور متحف المساعي العبثية. أطلب الكتالوج وأجلس إلى الطاولة الخشبية الكبيرة. صفحات الكاتلوج باهتة إلى حد ما، لكنني أحب أن أتصفحها ببطء، كما لو كنت أتصفح الزمن. لا أرى أحداً يقرأ إطلاقاً، وربما يكون هذا سر الاهتمام الشديد الذي تولينيه المرأة التي تعمل هناك، فأنا أحد الزوار القلائل، ولذلك تدللني. ربما تخشى فقد وظيفتها بسبب قلة الرواد. قبل ولوجي للداخل، أتطلع بحرص للافتة المطبوعة المعلقة على الباب الزجاجي، “أوقات العمل : صباحاً من ٩ : ٢ ، ومساءً من ٥ : ٨، الاثنين مغلق”. ورغم أنني دائماً أعرف أي مساعٍ عبثية أود تصفحها، إلا أنني أطلب الكتالوج على أي حال، فتجد الفتاة شيئاً تفعله.
        تسألني باهتمام : “أي سنة تريدين؟”.
        أجيبها مثلاً : “كتالوج سنة ١٩٢٢”.
       تظهر بعد فترة وجيزة ومعها كتاب ضخم مغلف بغلاف من الجلد القرطبي، وتضعه على الطاولة أمام مقعدي. إنها لطيفة جداً، وإذا ظنت أن الضوء القادم من النافذة غير كافٍ، تقوم من تلقاء نفسها بإضاءة المصباح البرونزي المحاط بظلال التويلب الخضراء وتعدل وضعه بحيث يسقط ضوءُه على صفحات كتابي. أحياناً عندما أعيد الكتالوج، أوجه لها ملحوظة قصيرة، أقول لها، مثلاً :
“سنة ١٢٢٩ سنة مكثفة، كثير من الناس قاموا بمجهودات عبثية، كم مجلد هنا ؟”.
تجيب بمهنية شديدة : ” أربعة عشر”
       دونت ملاحظات حول بعض المساعي العبثية لتلك السنة، الأطفال الذين حاولوا الطيران، الرجال الذين قرروا أن يصبحوا أغنياء، الآلات المعقدة التي لا تعمل أبداً، وكثير من العشاق.
        أخبرتني بصوت يشوبه بعض الحزن : “سنة ١٩٧٥ أكثر ثراءً، حتى الآن لم ننته من تسجيلها كلها”.
        قلت بصوت مرتفع : “لابد أن معدي الكتالوجات مشغولون جداً”.
أجابت : “مؤكد، بالطبع ، لقد وصلوا إلى حرف التاء، وهناك بالفعل العديد من المؤلفات تم نشرها، وهي لا تضم الموضوعات المكررة”.
من الغريب جداً أن تتكرر المساعي العبثية، لكن الكاتلوجات لا تضمن الموضوعات المكررة، فهذا يتطلب حيزاً كبيراً. رجل حاول الطيران سبع مرات مستخدماً وسائل مختلفة، بعض البغايا حاولن تغيير مهنتهن، امرأة حاولت رسم لوحة، شخص حاول التغلب على الخوف، تقريباً الجميع حاولوا بلوغ الخلود أو العيش كأنهم خالدين.
        أكدت لي الموظفة أن المتحف يحتفظ بجزء صغير جداً من المساعي العبثية، في المقام الأول، الإدارة اعتماداتها المالية قليلة جداً وتواجه صعوبات في الزيادة أو التغيير، أو نشر أعمال المتحف داخل المقاطعات وخارجها، ثانياً، الكم الهائل للمساعي العبثية التي من الملاحظ استمرارها تعني أن كثيراً من الناس عليهم أن يعملوا دون أمل في التعويض او التقدير الجماهيري. أحياناً ليأسهم من الدعم الجماهيري يلجأون للمبادرة الشخصية ، لكن النتائج ضئيلة وغير مشجعة. ڤيرجينيا، موظفة المتحف الساحرة التي عادة تتحدث معي، أخبرتني أن المصادر الشخصية التي يلجأون إليها تتحول دائماً لتصبح كثيرة الطلبات وغير مفهومة، وتقدم فكرة خاطئة عن أهداف المعرض.
        يقع المبنى في ضواحي المدينة، في أرض قاحلة مليئة بالقطط والقمامة، حيث لا يزال المرء يمكنه العثور – على عمق قليل من سطح الأرض مباشرة – على قنابل من حرب قديمة ومدافع رشاشة وسيوف صدئة وهياكل عظمية لرؤوس أكلها الزمن.
سألتني ڤرجينيا بإيماءة لا تخفي لهفتها : “هل معك سيجارة؟”
        بحثت في جيوبي. وجدت مفتاحاً قديماً، به كسرة صغيرة، حافة مفك مكسور، تذكرة أتوبيس عودة، زرار قميص، بعض الفكة، وأخيراً سيجارتين مسحوقتين. راحت تدخن خلسة، وهي تختفي وراء المجلدات الضخمة الغفل من اسم المؤلف والناشر، وساعة الحائط الدائمة الخطأ (دائماً بطيئة)، والقوالب القديمة المتربة. من الشائع أنه في موقع المتحف كانت هناك حصون وقت الحرب، وتم انقاذ الأحجار الثقيلة الخاصة بالأساسات ودعامات المبنى، ودُعمت الحوائط. افتتح المتحف في سنة ١٩٤٦. ولا زالت هناك بعض صور الحفل، بها رجال في ملابس براقة وسيدات في ثياب طويلة سوداء ومجوهرات ماسية وقبعات مزينة بالطيور والزهور. يتخيل المرء أوركسترا تعزف على مبعدة في قاعة الرقص، يبدو الضيوف نصف نبلاء، نصف بلهاء، تتطلع إليهم كأن شخصاً ما اقتطع كعكة مزينة بخرقة رسمية.
       نسيت أن أقول أن ڤرجينيا حولاء العين. هذا العيب البسيط يمنح وجهها لمسة كوميدية تخفف من براءتها، كأن نظرتها المنحرفة تعليق ساخر يطفو منفصلاً عم السياق.
      كانت المساعي العبثية مرتبة أبجدياً، عندما تستنفد الحروف تضاف الأرقام، النظام طويل ومعقد. كلُّ مصنف في عين من عيون الخزانة، وصفحته الخاصة به، ووصفه. تبدو ڤرجينيا وهي تعبر بينها برشاقة غير عادية، كأنها كاهنة، عذراء، من عبادة قديمة منفصلة عن الزمن.
       كثير من المساعي العبثية جميلة، الأخرى، كئيبة. لسنا دائماً على اتفاق مع تصنيفهما.
      أثناء تصفحي لإحدى المجلدات، وجدت رجلاً حاول لمدة عشر سنوات أن يعلّم كلبه الكلام، ورجلاً آخر قضى أكثر من عشرين سنة يحاول كسب قلب امرأة، كان يقدم لها الزهور والنباتات، وكتالوجات الفراشات، قام معها برحلات، ونظم لها قصائد، وكتب الأغاني، وبنى منزلاً، وغفر لها جميع أخطائها، واحتمل عشاقها ثم قتل نفسه.
        قلتُ لڤرجينيا : “إنه عمل غير محتمل، لكنه مثير”.
       أجابت : إنها قصة كئيبة، لدى المتحف وصف كامل لهذه المرأة، كانت تافهة، متقلبة، غير مخلصة، كسول، ومخلوقة سريعة الغضب، يتوقف فهمها عند كونها مرغوبة، وكانت أيضاً أنانية”.
    هناك رجال قاموا برحلات طويلة للبحث عن أماكن لم توجد، وذكريات غير قابلة للشفاء، ونساء متن، وأصدقاء اختفوا. هناك أطفال قاموا بأعمال مستحيلة بحماسة شديدة، مثل أولئك الذين يحفرون حفرة تمتلئ بالماء باستمرار.
       في المتحف، غير مسموح بالتدخين، ولا الغناء، القيد الأخير شديد التأثير على ڤرجينيا من الأول.
       صرَّحت باكتئاب: “أود أن أغني مرة لحناّ قصيراً ولو لوهلة”.
      بعض الأشخاص ينحصر مسعاهم العبثي في محاولة تتبع شجرة العائلة، التنقيب عن الذهب، تأليف كتاب. آخرون كانوا يأملون أن يكسبوا اليانصيب.
       قالت ڤرجينيا : “أُفضل الرحالة”
      أقسام كاملة من المتحف خصصت لتلك الرحلات. نحن نعيد تنظيمها في صفحات الكتب. بعد التجول بعض الوقت عبر بحار مختلفة، واجتياز غابات معتمة، وزيارة مدن وأسواق، وعبور جسور، ونوم في القاطرات أو على المقاعد في المحطات، ينسون غرضهم من الرحلة، ومع ذلك يواصلون سفرهم، وذات يوم يختفون دون ترك علامة أو ذكرى إذ قد ينجرفون في الطوفان، أو يقعون في شرك نفق، أو ينامون للأبد في مدخل ولا يوقظهم أحد.
      أخبرتني ڤرجينيا من قبل، أن هناك قليلاً من البحوث الخاصة، من الهواة الذين أهدوا مادة للمتحف، يمكنني حتى أن أتذكر وقتاً فيه جمعنا للمساعي العبثية متماشياً مع العصر، مثل جمع الطوابع، أو مزارع النحل.
ثم أوضحت ڤرجينيا: “أعتقد أن وفرة المادة أفسدت الهوية، فالمثير في الأمر هو البحث عما هو نادر لتجد ما هو أكثر ندرة”.
      كانوا في تلك الأيام يأتون إلى المتحف من بقاع بعيدة طلباً للمعلومات، ويهتمون ببعض الحالات، يتركون بعض الكتيبات، ويعودون محمليين بالقصص، التي سينشرونها، مؤكدة بالصور. المساعي العبثية التي يحضرونها للمتحف مثل الفراشات أو الحشرات الغريبة، مثلاً، قصة الرجل الذي قضى خمس سنوات مصمماً على منع الحرب، حتى جاء يوم انطلقت أول رصاصة من المدفع في رأسه، أو لويس كارول، الذي قضى حياته يتجنب التيار الهوائي ومات مصاباً بالبرد في المرة الوحيدة التي نسى فيها معطفه الواقي من المطر.
لا أعرف إذا كنتُ قد ذكرت أن ڤرجينيا حولاء العينين أم لا، أحياناً أسلي نفسي بمحاولة تتبع اتجاة تلك النظرة التي لا أدري إلى أين تتجه ، وحين أراها تمر في الصالة، محملة بالكتيبات والمجلدات وكل أنواع الوثائق، لا أستطيع منع نفسي من النهوض والذهاب لمساعدتها.
أحياناً في منتصف العمل، تشكو قليلاً.
       تقول: “أتعب من الروح والمجيء، لن ننتهي أبداً من تصنيف كل شيء. والجرائد أيضاً مليئة بالمساعي العبثية”.
مثل قصة الملاكم الذي حاول استعادة لقبه خمس مرات، حتى أصبح غير مؤهل بالمرة بسبب لكمة في عينه، لا بد أنه يطوف الآن من مقهى لآخر، في بقعة حقيرة من المدينة، يتذكر حين كان يرى جيداً، ويمتلك قبضة مميتة. أو قصة البهلوان الذي عانى من الدوار، ولم يستطع أن ينظر إلى الأسفل، أو القزم الذي أراد أن يصبح طويلاً وذهب إلى مكان يبحث عن طبيب يعالجه.
     حين تتعب من نقل المجلدات تجلس على كومة من الصحف المتربة القديمة، وتدخن سيجارة خلسة، لأنه غير مسموح بالتدخين، وتتأمل.
      تقول بإذعان: ” ربما علينا الاستعانة بموظفة أخرى … لا أعلم متى سيدفعون لي راتب هذا الشهر”.
طلبتُ منها الخروج معي في نزهة في المدينة، نشرب قهوة، أو نذهب إلى السينما لكنها رفضت. فقط ستتحدث معي داخل جدران المتحف الرمادية المتربة.
     إذا مرّ الوقت، لا أدري به، فأنا مشغولة كما أفعل كل مساء، لكن أيام الإثنين مقلقة وخالية من المتعة، حيث أنني لا أعرف ماذا أفعل، أو كيف أعيش.
     يغلق المتحف أبوابه في الثامنه مساءً. ڤرجينيا بنفسها تضع المفتاح المعدني البسيط في القفل، دون أخذ أية تدبيرات وقائية أخرى، لأنه لا يوجد شخص يحاول اقتحام المتحف. مرة واحدة فقط حاول أحدهم اقتحام المتحف – هكذا أخبرتني ڤرجينيا- رجل أراد محو اسمه من الكاتلوج، قام بمساعٍ عبثية حين كان في سن المراهقة وهو الآن يخجل من نفسه، ولا يريد بقاء أي علامة لذلك.
     قالت فرچينيا : “اكتشفنا ذلك في الوقت المناسب، كان من الصعب جداً ثنيه عن غرضه، أصر على خصوصية طبيعة مسعاه، وأراد منا أن نعيده له. في تلك المناسبة، كنت حازمة وحاسمة جداً، فقد كان نموذجاً نادراً، تقريباً مادة هاوي، وكان سَيُفقِد المتحف مادة خطيرة لو أن هذا الرجل تمكن منها”.
     حين يغلق المتحف أبوابه، أغادره بشعور من الكآبة، أولاً يبدو لي أن الوقت الذي سيمر حتى اليوم التالي غير محتمل، لكنني تعلمت الانتظار، أصبحت كذلك معتادة على وجود ڤرجينيا، وبدونها، سيبدو وجود المتحف مستحيلاً. أعرف أن المخرج أيضاً يعتقد ذلك (ذلك الشخص ، الرجل الموجود في الصورة على صدره وشاحين ملونين)، لأنه قرر أن يشجعها، وحيث لا توجد درجات تراتبية قانوناً أو عرفاً، اخترع لها وضعاً جديداً، هو في الواقع نفس الوضع، لكنه الآن تحت عنوان آخر. أطلق عليها عذراء المعبد، ليس دون أن يذكرها بالطبيعة المقدسة لمهمتها، وهي أن تحمي ذكرى الحياة المتلاشية في مدخل المتحف.

*كاتبة من الأرجواي

عن جيل جديد

mm
فريق عمل المجلة

اترك تعليقاً